ممرضة سورية في إحدى مستشفيات دمشق (قسم مرضى السرطان)- أرشيف رويترز 2017
ممرضة سورية في إحدى مستشفيات دمشق (قسم مرضى السرطان)- أرشيف رويترز 2017

"هذا ليس عدلا، نعمل دون تقدير مادي أو معنوي، وتُطلب منا مهام كبيرة خلال الأزمات، ونعمل في العطلات الرسمية والأعياد دون مقابل، أما الراتب فهو لا يغطي تكلفة المواصلات"، تقول الممرضة السورية نوال (تحفظت على ذكر كنيتها)، التي تعمل في مستشفى تابع لحكومة النظام السوري في  دمشق.

وتضيف "بعد كل هذا يتوقعون منا البقاء في عملنا، وعدم التسرب!".

وتروي نوال (25 عاماً) لـ"ارفع صوتك"، كيف بدأت عملها مباشرة بعد التخرج، براتب 200 ألف ليرة سورية (حوالي 18 دولار)، وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أيام قليلة: "كنتُ أصبر على أمل أن يتم تعديل الرواتب والبدَلات أسوة بالقطاع الخاص، لكن الأمور تغيرت للأسوأ".

تعرضت وزملاءها من الممرضين لـ"خيبة كبيرة"، على حد تعبيرها، موضحة: "نحن عملنا في الكوارث وخلال الحرب والزلزال، وكنا عوناً للناس. وعدونا بتعديل رواتبنا ومنحنا بدل طبيعة العمل، ولكن شيئاً لم يتحقق، وما تم تعديله من قوانين كان ضدنا، حيث رُفِعت الغرامة على المتسربين لسبعة ملايين ليرة، إضافة إلى الملاحقة القانونية".

وتشير نوال إلى أن "جميع طلبة التمريض الآن يفكرون بالهجرة، وأعدّوا سيرهم الذاتية قبل التخرج، وبدأوا يقدّمون لفرص عمل في الخارج، خاصة إلى دول الخليج والعراق طمعاً بفرصة أفضل".

 

التسرب رد فعل "طبيعي"

يستنكر طبيب الصحة العامة راجي القحف، الضغوطات التي تقع على عاتق الممرضين، مرجحاً أن يكون عدد المتسربين من العمل أعلى من الرقم المعلن، وهو 35 ألفاً بين ممرض مهاجر أو مستقيل، بحسب ما نشرت صحيفة "البعث" التابعة للنظام.

الصحيفة نفسها، قالت إن "الرقم ليس نهائياً، ولا يشمل الهاربين من الوضع"، مؤكدةً  أن "ما يعانيه البقية منهم في المستشفيات يكاد يكون أقسى من الهجرة نفسها، إذ يضطرّون إلى القيام بمهام مضاعفة بسبب تضاؤل الأعداد".

يقول القحف، لـ"ارفع صوتك": "يريدون من الممرضين والممرضات القيام بجميع الأعمال الشاقة والمجهدة مقابل 200 أو 300 ألف ليرة! من الطبيعي أن ترى التسرب والهجرة والاستقالات".

"كما يفرضون على المتسربين غرامة بالملايين،  والأجدى دفع الملايين لتحفيز الممرضين على البقاء، وتقديم التعويضات والبدلات والمكافآت لهم، وليس التهديد والغرامات والملاحقة القانونية"، يتابع الطبيب السوري.

في قوانين العقوبات السارية بمناطق النظام، فإن ترك العمل يُعدّ "جريمة"، وبموجب المادة (364) "يُعاقب الحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، بغرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة، لكل من ترك عمله أو انقطع من العاملين في الوزارات أو الإدارات أو المؤسسات أو الهيئات العامة أو البلديات أو أي جهة من جهات القطاع العام أو المشترك، قبل صدور الصك القاضي بقبول استقالته من المرجع المختص، وكذلك كل من اعتبر من هؤلاء بحكم المستقيل لتركه العمل أو انقطاعه عنه مدة خمسة عشر يوماً".

 

أوضاع "سيئة جداً"

يقول أخصائي الأطفال، د. عمار زغلول: "على الرغم من وجود أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات في مختلف معاهد ومدارس وكليات التمريض، فإن الأعداد التي تتخرج وتعمل في مشافي الدولة تعتبر قليلة مقارنة بالخريجين الذين يقررون السفر إلى الخارج، أو التوجه إلى القطاع الخاص، الذي يجذبهم نتيجة الرواتب والحوافز الأعلى".

ويشرح الطبيب الذي يعمل في مشفى تابع لحكومة النظام، لـ"ارفع صوتك"، أن "وضع الممرضات والممرضين في المستشفى سيء جدا، وهم مرهقون مادياً ومعنوياً ونفسياً، ويطالِبون بتقدير الجهد المبذول وساعات العمل الطويلة، وتقديم التعويض والحوافز المناسبة".

ويؤكد زغلول أن الأمر لا يقتصر على كوادر التمريض، إنما القطاع الطبي ككل، مردفاً "تمّ تقديم بعض الحوافز للأطباء وتقنيي التخدير والأشعة والمختبر، بينما لم يتم تقديم أي حافز للممرضين أو رفع بدل طبيعة العمل التي بقيت 10%، بينما رُفِعت لغيرهم من العاملين في القطاع الصحي إلى 75%، وهذا سبب أزمة لديهم".

"وبدل أن يقدم الحل بالتحفيز ورفع الرواتب، كان بالتهديد بفرض غرامات عالية على المتسربين تساوي راتبهم الشهري لثلاث سنوات"، يتابع زغلول.

 

500 دولار غرامة

تؤكد الممرضة صبا يعقوب (28 عاما)، أنها تقدمت باستقالتها لأنها تلقت عرضاً للعمل في الإمارات، لكن طلبها قوبل بالرفض، وتم تهديدها بدعوى قضائية، لينتهي الأمر بدفعها غرامة مالية قدرها  سبعة ملايين ليرة (500 دولار).

وتعتقد أن هناك "الكثير ممّن يتمنون الاستقالة، لكن هذه الغرامة ليست بمقدورهم"، متسائلة "كيف سيدفع من لا يتجاوز راتبه 200 ألف ليرة؟!".

لتدبير المبلغ، توضح يعقوب لـ"ارفع صوتك"، بأنها باعت مصاغها الذهبي، واستدانت مبلغاً آخر للتمكن من السفر. 

"أرى أنها فكرة ممتازة، دفعت 500 دولار، وسأقبض 1200 دولار شهرياً في السنة الأولى، ولكن لو بقيت في المشفى الحكومي لبقي راتبي  15 دولار لسنوات طويلة"، تتابع يعقوب.

وكانت صحيفة "الوطن" الموالية للنظام، أوردت في تقرير لها، أن ضريبة عدم التحاق الممرضة بعملها سبعة ملايين ليرة، كما أن رئاسة الحكومة طلبت إحصائية عن أعداد الممرضات في المشافي الجامعية المقدر عددهن بـ4500 ممرضة.

وأصدرت وزارة التعليم العالي تعليمات اعتبرت فيها أن الممرضة الخريجة غير الملتحقة بالمستشفى المفرزة إليه "ناكلة عن الوفاء بالتزاماتها، وتتم مطالبتها ووليها بضعف النفقات المصروفة عليها، وملاحقتها قضائياً"، وفق التقرير.

"خداع وابتزاز".. معاناة أطباء سوريين هاجروا للعمل في العراق
لم يكن الطبيب السوري إبراهيم، البالغ من العمر 43 عاما يتوقع أن ينتهي الأمر به في العراق مهددا بالترحيل في أي لحظة، وهو الذي غادر سوريا منتصف العام الحالي بهدف البحث عن فرصة أفضل له ولعائلته، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة وانهيار العملة السورية وتضاؤل الرواتب.

 

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد السعودية

حمل زلزال فبراير 2023 تطوراً لافتاً في الملف السوري حين تحول إيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق النظام السوري إلى نافذة لعدد من الدول العربية لإعادة العلاقات مع بشار الأسد ودعوته لحضور اجتماع القمة العربية في الرياض، بعد 12 عاماً على طرده من الجامعة العربية.

منذ ذاك الحين، عملت منظّمات وناشطون سوريون في الولايات المتحدة على الدفع باتجاه استصدار قانون لمناهضة التطبيع مع النظام  السوري باعتباره مسؤولا عن مقتل وتهجير ملايين السوريين خلال الحرب المستمرة منذ 2011.

الخطوة الأولى باتجاه هذا الهدف بدأت فعلياً مع إقرار مجلس النواب الأميركي مشروع "قانون مناهضة التطبيع مع نظام بشار الأسد" بأغلبيّة ساحقة من الأصوات بلغت 389 صوتاً مقابل اعتراض 32 نائباً، بينما لا تزال خطوتان أمام المشروع ليصبح نافذاً، أولاهما إقرار مجلس الشيوخ له، ثم توقيع الرئيس الأميركي.

يقول المُعارضون السوريون الذين يعوّلون على فعالية هذا القانون إنه يكمل مهمّة "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، الذي بدأ سريان أولى حزمة من عقوباته في يونيو 2020.

ويعتقدون أنه كفيل بنسف جهود روسيا وإيران في إعادة إنتاج نظام بشار الأسد بعد 13 عاماً من الحرب، وبقاء هذا النظام في حالة عزلةٍ دولية تامّة إلى حين قبوله بحلّ سياسيّ عادل ودائم.

في المقابل، يميل آخرون إلى أن القانون الجديد لن يشكّل أي تطوّر سياسي للقضية السورية.

ويقول الدبلوماسي السوري السابق المقيم في الولايات المتحدة، بسام بربندي، لـ"ارفع صوتك"، إن أهمية هذا القانون الحقيقية "تكمن في أنه يُعيد الملف السوري إلى الواجهة أمام المجتمع الدولي بعد عدة سنوات من إهماله".

ويعتقد أن عواقبه ستكون "أكبر على المستوى الاقتصادي، إذ يعيق القانون تقديم الرشاوى السياسية للنظام السوري تحت اسم مساعدات إنسانية أو إنعاش مبكّر".

ويتابع: "العقوبات المُدرَجة تحت قانون قيصر غطّت معظم الجوانب الاقتصادية أصلاً منذ عام 2020، فالولايات المتحدة قادرة كدولة عظمى أن تمنع الدول أو الشركات أو المصارف التي تدعم الأسد من التعامل معه اقتصادياً أو سياسياً".

من جهته، يرى رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان، مهند الحسيني، أن القانون "خطوة مهمة على طريق عزل النظام السوري ومنع إعادة تأهيله، لا سيما من الأنظمة العربية الراعية للثورات المضادّة".

لكن في الوقت نفسه، لا يثق الحسيني  إلى حد بعيد "بقدرة قوانين العقوبات الاقتصادية على تغيير الأنظمة التوليتارية المستبدة".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن "الولايات المتحدة فرضت -على سبيل المثال- عقوبات اقتصادية مشدّدة على كوبا لمدة تزيد على 70 سنة بينما كانت النتيجة هناك انتقال السلطة من فيديل كاسترو إلى شقيقه راؤول كاسترو"، في إشارة إلى عدم جدوى هذا القانون في تحقيق أهداف واشنطن بسوريا.

ويعتقد أن النظام السوري "بطبيعة الحال" لديه  آلياته وأساليبه لمواجهة أي عزلة سياسية أو عقوبات اقتصادية، ويتمثّل ذلك في "تجارة المخدرات وإغراق الأسواق وحواضن الدول المحيطة بالمواد السامة المخدرة كآلية ضغط عليهم من جهة، ولتمويل مشروعاته من جهة ثانية".

دول عربية ضده

باعتبار أن مشروع القانون لا يستهدف فقط النظام السوري من حيث المبدأ، إنما أيضاً الدول المُطبّعة معه، كان لافتاً في هذا المسار ما نقله مسؤول السياسات في التحالف الأميركي لأجل سوريا، محمد علاء غان الذي تحدث عن مساعٍ قادتها دول عربية لتعطيل القانون.

وقال غانم، بحسب "تلفزيون سوريا"، إن تلك الدول اتصلت بأعضاء الكونغرس الأميركي وطلبت منهم إيقاف مشروع القانون، مشيراً إلى أن وزير خارجية إحدى الدول العربية حضر اجتماعاً مع أعضاء في الكونغرس في واشنطن لمدة 60 دقيقة خصص ثلثها لإقناعهم بالطعن بمشروع القانون.

تعليقاً على ذلك، يقول المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ، معاذ مصطفى، إن الدول التي تحاول إيقاف مشروع القانون "ربما ليست مقتنعة تماماً بنظام بشار الأسد وليست مهتمة بالتطبيع معه، إنما يُفسّر الأمر بأن النظام السوري استطاع الضغط عليها  من خلال ملف تصدير الكبتاغون وتسليط سلاح الميليشيات الإيرانية المتحالفة معه".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن أي اعتقاد من هذه الدول بإمكانية إعادة إنتاج النظام السوري "هو اعتقاد خاطئ تماماً" بعد كمية الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها خلال 13 عاماً.

ويرى مصطفى أن الولايات المتحدة من خلال هذا القانون لم تقم فقط بإغلاق باب تطبيعها مع النظام السوري أو الاعتراف به، إنما ستقوم أيضاً "بمحاسبة الدول والشركات والأفراد التي تطبّع أو تتعامل معه  عبر العقوبات الاقتصادية.

"هذا القانون يعطي رسالة قوية وواضحة بأن بشار الأسد لن يكون موجوداً في مستقبل سوريا بشكل قطعي"، يؤكد مصطفى.