"هذا ليس عدلا، نعمل دون تقدير مادي أو معنوي، وتُطلب منا مهام كبيرة خلال الأزمات، ونعمل في العطلات الرسمية والأعياد دون مقابل، أما الراتب فهو لا يغطي تكلفة المواصلات"، تقول الممرضة السورية نوال (تحفظت على ذكر كنيتها)، التي تعمل في مستشفى تابع لحكومة النظام السوري في دمشق.
وتضيف "بعد كل هذا يتوقعون منا البقاء في عملنا، وعدم التسرب!".
وتروي نوال (25 عاماً) لـ"ارفع صوتك"، كيف بدأت عملها مباشرة بعد التخرج، براتب 200 ألف ليرة سورية (حوالي 18 دولار)، وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أيام قليلة: "كنتُ أصبر على أمل أن يتم تعديل الرواتب والبدَلات أسوة بالقطاع الخاص، لكن الأمور تغيرت للأسوأ".
تعرضت وزملاءها من الممرضين لـ"خيبة كبيرة"، على حد تعبيرها، موضحة: "نحن عملنا في الكوارث وخلال الحرب والزلزال، وكنا عوناً للناس. وعدونا بتعديل رواتبنا ومنحنا بدل طبيعة العمل، ولكن شيئاً لم يتحقق، وما تم تعديله من قوانين كان ضدنا، حيث رُفِعت الغرامة على المتسربين لسبعة ملايين ليرة، إضافة إلى الملاحقة القانونية".
وتشير نوال إلى أن "جميع طلبة التمريض الآن يفكرون بالهجرة، وأعدّوا سيرهم الذاتية قبل التخرج، وبدأوا يقدّمون لفرص عمل في الخارج، خاصة إلى دول الخليج والعراق طمعاً بفرصة أفضل".
التسرب رد فعل "طبيعي"
يستنكر طبيب الصحة العامة راجي القحف، الضغوطات التي تقع على عاتق الممرضين، مرجحاً أن يكون عدد المتسربين من العمل أعلى من الرقم المعلن، وهو 35 ألفاً بين ممرض مهاجر أو مستقيل، بحسب ما نشرت صحيفة "البعث" التابعة للنظام.
الصحيفة نفسها، قالت إن "الرقم ليس نهائياً، ولا يشمل الهاربين من الوضع"، مؤكدةً أن "ما يعانيه البقية منهم في المستشفيات يكاد يكون أقسى من الهجرة نفسها، إذ يضطرّون إلى القيام بمهام مضاعفة بسبب تضاؤل الأعداد".
يقول القحف، لـ"ارفع صوتك": "يريدون من الممرضين والممرضات القيام بجميع الأعمال الشاقة والمجهدة مقابل 200 أو 300 ألف ليرة! من الطبيعي أن ترى التسرب والهجرة والاستقالات".
"كما يفرضون على المتسربين غرامة بالملايين، والأجدى دفع الملايين لتحفيز الممرضين على البقاء، وتقديم التعويضات والبدلات والمكافآت لهم، وليس التهديد والغرامات والملاحقة القانونية"، يتابع الطبيب السوري.
في قوانين العقوبات السارية بمناطق النظام، فإن ترك العمل يُعدّ "جريمة"، وبموجب المادة (364) "يُعاقب الحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، بغرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة، لكل من ترك عمله أو انقطع من العاملين في الوزارات أو الإدارات أو المؤسسات أو الهيئات العامة أو البلديات أو أي جهة من جهات القطاع العام أو المشترك، قبل صدور الصك القاضي بقبول استقالته من المرجع المختص، وكذلك كل من اعتبر من هؤلاء بحكم المستقيل لتركه العمل أو انقطاعه عنه مدة خمسة عشر يوماً".
أوضاع "سيئة جداً"
يقول أخصائي الأطفال، د. عمار زغلول: "على الرغم من وجود أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات في مختلف معاهد ومدارس وكليات التمريض، فإن الأعداد التي تتخرج وتعمل في مشافي الدولة تعتبر قليلة مقارنة بالخريجين الذين يقررون السفر إلى الخارج، أو التوجه إلى القطاع الخاص، الذي يجذبهم نتيجة الرواتب والحوافز الأعلى".
ويشرح الطبيب الذي يعمل في مشفى تابع لحكومة النظام، لـ"ارفع صوتك"، أن "وضع الممرضات والممرضين في المستشفى سيء جدا، وهم مرهقون مادياً ومعنوياً ونفسياً، ويطالِبون بتقدير الجهد المبذول وساعات العمل الطويلة، وتقديم التعويض والحوافز المناسبة".
ويؤكد زغلول أن الأمر لا يقتصر على كوادر التمريض، إنما القطاع الطبي ككل، مردفاً "تمّ تقديم بعض الحوافز للأطباء وتقنيي التخدير والأشعة والمختبر، بينما لم يتم تقديم أي حافز للممرضين أو رفع بدل طبيعة العمل التي بقيت 10%، بينما رُفِعت لغيرهم من العاملين في القطاع الصحي إلى 75%، وهذا سبب أزمة لديهم".
"وبدل أن يقدم الحل بالتحفيز ورفع الرواتب، كان بالتهديد بفرض غرامات عالية على المتسربين تساوي راتبهم الشهري لثلاث سنوات"، يتابع زغلول.
500 دولار غرامة
تؤكد الممرضة صبا يعقوب (28 عاما)، أنها تقدمت باستقالتها لأنها تلقت عرضاً للعمل في الإمارات، لكن طلبها قوبل بالرفض، وتم تهديدها بدعوى قضائية، لينتهي الأمر بدفعها غرامة مالية قدرها سبعة ملايين ليرة (500 دولار).
وتعتقد أن هناك "الكثير ممّن يتمنون الاستقالة، لكن هذه الغرامة ليست بمقدورهم"، متسائلة "كيف سيدفع من لا يتجاوز راتبه 200 ألف ليرة؟!".
لتدبير المبلغ، توضح يعقوب لـ"ارفع صوتك"، بأنها باعت مصاغها الذهبي، واستدانت مبلغاً آخر للتمكن من السفر.
"أرى أنها فكرة ممتازة، دفعت 500 دولار، وسأقبض 1200 دولار شهرياً في السنة الأولى، ولكن لو بقيت في المشفى الحكومي لبقي راتبي 15 دولار لسنوات طويلة"، تتابع يعقوب.
وكانت صحيفة "الوطن" الموالية للنظام، أوردت في تقرير لها، أن ضريبة عدم التحاق الممرضة بعملها سبعة ملايين ليرة، كما أن رئاسة الحكومة طلبت إحصائية عن أعداد الممرضات في المشافي الجامعية المقدر عددهن بـ4500 ممرضة.
وأصدرت وزارة التعليم العالي تعليمات اعتبرت فيها أن الممرضة الخريجة غير الملتحقة بالمستشفى المفرزة إليه "ناكلة عن الوفاء بالتزاماتها، وتتم مطالبتها ووليها بضعف النفقات المصروفة عليها، وملاحقتها قضائياً"، وفق التقرير.
