من داخل محطة كهرباء نفطية تخدم مدينة حلب شمالي سوريا- تعبيرية
من داخل محطة كهرباء نفطية تخدم مدينة حلب شمالي سوريا- تعبيرية

تستمر أزمة انقطاع الكهرباء في مناطق سيطرة النظام السوري، حيث لا تتجاوز حصة السكان أكثر من ساعتين يومياً، فيما يقضون بقية الوقت من دونها، وهو الأمر الذي غيّر أسلوب حياتهم بشكل جذري.

ووسط التغيرات والحلول التي أوجدها السوريون للتعايش مع هذه الأزمة، برز مجال خدمي جديد، وهو شحن الهواتف النقالة والأجهزة الكهربائية التي تعمل بواسطة بطاريات. 

ياسر صفرا، صاحب أحد المحال التي تقدم خدمات الشحن، يروي لـ"ارفع صوتك"، سبل تحقيق ذلك للزبائن: "لدينا كهرباء من الطاقة الشمسية، واعتدنا في السابق تقديم خدمات شحن الهواتف لأي شخص مجاناً، حتى أصبح المحل مكتظًا بالناس، فقررنا أن يكون الشحن بمقابل مالي".

تتنوع الأسعار بحسب نوع الجهاز، وكمية السحب ومدة الشحن، بحسب صفرا، الذي يعتبر أن ما يطلبه من الزبائن "أسعار معقولة جدًا بالنسبة للمواطنين وتؤمن دخلاً إضافيًا له".

يُعدد أمثلة: "مقابل شحن الهاتف على 1000- 1500 ليرة سورية، واللابتوب (الحاسب المحمول) بين 2000 و2500 ليرة، ولمبات الليد (مصابيح لا سلكية) 1500 ليرة، وجهاز الباور بانك 2000 ليرة".

هذه الأسعار لا تتجاوز في أقصاها 0.17 دولار، إذ وصل سعر الصرف 14 ألف ليرة سورية مقابل الدولار الواحد.

وعن أكثر الأجهزة الكهربائية التي تُشحن، يقول صفرا: "الموبايلات والأجهزة المحمولة واللوحية تأتي في المركز الأول، تليها أجهزة الإنارة، ثم الأجهزة الكهربائية كالمجالخ والمفكات والمثاقب أو المكانس المحمولة أو سماعات الرأس. في إحدى المرات أتتنا سيدة لتشحن فرشاة أسنان كهربائية وشحنتها لها مجاناً".

ظلام دامس يسيطر على شوارع مدن تحت سيطرة النظام السوري
يسيرون في شوارع مظلمة.. سوريون يحكون قِصصهم مع انقطاع الكهرباء
وتعاني معظم المناطق التابعة للنظام في سوريا تردياً في الوضع الكهربائي، مع غياب برنامج تقنين منظم، إذ تصل ساعات القطع في بعض المحافظات إلى أكثر من 22 ساعة متواصلة، في حين أن بعض المناطق لا يصل إليها التيار الكهربائي منذ عدة سنوات، ويعتمد قاطنوها على الطاقة الشمسية، أو وسائل أخرى.

 

الحل المناسب

"أصبح شحن الهاتف أحد أولوياتنا. تأتي الكهرباء لربع ساعة فيهرع الناس إلى المقابس لشحن هواتفهم المطفأة، وبينما تشير البطارية لشحن 15% أو 20%بأحسن حال، تنقطع الكهرباء مجدداً"، يقول الطالب عدنان فرحان (19 عاماً)، من مدينة السلمية في حماة.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "أصبح الأمر يستنزف طاقتنا، فكان لا بد من فكرة لشحن الهواتف في المحلات والمكاتب التي تتوفر فيها الكهرباء".

شيماء غازي (32 عاماً)، من ريف دمشق، استفادت أيضاً من هذه الخدمة. تُحدّث "ارفع صوتك": "أعمل من المنزل (أونلاين) لأعيل نفسي ووالدتي المريضة، وأحتاج لتجهيز العمل وتسليمه في وقت محدد، لذلك مثلّ التقنين (قطع الكهرباء) تهديداً، حتى علمت بوجود محل لصيانة الهواتف يشحنها أيضاً بمقابل مالي".

"أذهب كل صباح لشحن موبايلي وأعود مطمئنة إلى منزلي، إنه حل ممتاز للفقراء الذين لا يمتلكون ثمن ألواح الطاقة الشمسية أو اشتراك الأمبيرات"، تتابع شيماء.

من جانبه، اعتاد الطالب الجامعي عياد دعبول (20 عاما)، شحن هاتفه وجهازه اللوحي عند أي شخص يمتلك طاقة شمسية أو مولد أو خط معفى من التقنين.

يقول لـ"ارفع صوتك": إنه "أمر محرج جداً أن تطلب هذا الأمر يوميا من جيرانك أو من المحلات التي ترفض أحياناً بسبب الزحمة، لهذا تجد أن خدمات شحن الأجهزة الكهربائية بمقابل، لاقت رواجاً كبيراً لأنها ضمن إمكانياتنا البسيطة".

 

مشاريع "جيدة" ولكن..

يعلق الخبير الاقتصادي، أدهم قضيماتي بشأن انتشار  خدمات الشحن في مناطق النظام، بأنه "أمر طبيعي، ناجم عن الفقر وقلة الحيلة، وعدم تمكن المواطنين من الاشتراك في نظام الأمبيرات أو شراء مولد كهربائي مهما كان حجمه صغيرًا، أو تأمين الوقود والمشتقات النفطية بسبب غلائها وشُحّها".

"هذا يأتي نتيجة فشل النظام السوري في إدارة مناطقه، وضعف المؤسسات والقطاعات الأساسية في الدولة، التي تعتبر حجر شطرنج يتحكم به النظام"، يقول قضيماتي لـ"ارفع صوتك".

ويعتقد أن مثل هذه المبادرات الفردية والأهلية "لا يمكن أن تحل محل مؤسسات الدولة وقطاعاتها الاقتصادية".

يتابع قضيماتي: "للأسف لا يوجد في سوريا اقتصاد دولة بل اقتصاد عصابات، وحين تؤمن جمعية ما حلاً، يكون مسيساً لدرجة معينة ويذهب لمناطق أخرى، لذا نرى أن المبادرات لا تجدي ولا تخفف معاناة الأهالي بشكل كبير، إنها فقط عملية تسكين ألم، يكاد يكون معدوماً في ظل وجود أكثر من 90% من الشعب تحت خط الفقر بحسب إحصاءات دولية".

ويؤكد أن "الوضع سيتدهور أكثر بشكل لا تجدي معه البدائل والمبادرات ودعم الجمعيات، خاصة مع إعلان العديد من المنظمات الدولية تخفيف الدعم عن بعض القطاعات والشرائح".

في السياق نفسه، يرى الخبير الاقتصادي، يحيى السيد عمر: "يمكن النظر لهذه الحالة، من عدة زوايا، فعلى المستوى الاقتصادي، تعد شكلًا من أشكال المشاريع متناهية الصغر، إذ تحتاج رأس مال بسيط، وعوائدها مقبولة، بينما العلّة الرئيسة فيها، الفجوة الحادة جدًا بين العرض والطلب، وهو ما يسمى بالفجوة التسويقية".

ويوضح: "الحاجة للشحن مرتفعة والعرض المتمثل بالتيار الكهربائي في حدوده الدنيا، وهو ما يجعل هكذا مشاريع ذات جدوى اقتصادية مقبولة، وتظهر بعض المشاريع المخصصة للطلبة، التي توفر لهم قاعات للدراسة مزودة بإنارة مع خدمات شحن الأجهزة، كلها تدور في ذات المحور".

ويتفق مع قضيماتي في أن "السبب الرئيسي لهذه المشاريع غياب الخدمات الحكومية، وعدم اضطلاع المؤسسات الرسمية بواجباتها، ما دفع العديد من السوريين للتأقلم مع هذه الظروف بأساليب مختلفة".

ويتابع عمر أن "حالة التأقلم هذه، جيدة نسبياً، لكنها تنضوي على بعض الخطورة، مثل انتشار محطات لتكرير النفط بشكل بدائي، وغيرها من مبادرات تعبّر عن المرونة الاقتصادية، إلا أنها عشوائية وغير منظمة، ما يجعلها مترافقة أحياناً بسلبيات خطيرة على المستخدمين".

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".