لا توجد مصادر تاريخية موثوقة ومحددة توضح المكان الأساسي لقبر الخليفة الأموي معاوية (صورة من مواقع التواصل الاجتماعي) | Source: Social Media
لا توجد مصادر تاريخية موثوقة ومحددة توضح المكان الأساسي لقبر الخليفة الأموي معاوية (صورة من مواقع التواصل الاجتماعي)

أثارت تسجيلات مصورة  لـ"زوار عراقيين" غضبا واسعا وحالة استنكار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ وثّقت وكما تداولها مستخدمون، اعتداءهم بالأحذية على قبر الخليفة الأموي الأول، معاوية بن أبي سفيان، في مقبرة "باب الصغير" بالعاصمة السورية دمشق.

ورغم أن الغضب اشتعل بين أوساط السوريين بالتحديد، وهو ما انعكس على نحو خاص بموقع التواصل "إكس"، سرعان ما شارك مستخدمون عرب بتعليقات ومنشورات استنكروا من خلالها السلوك الطائفي.

يعتبر معاوية بن أبي سفيان من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ الإسلامي، ويختلف السنة والشيعة بشأن النظرة إليه وتقييمه.

وجاء انتشار مقاطع الفيديو وبشكل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتزامن مع توافد الكثير من العراقيين إلى العاصمة السورية، لإحياء ذكرى وفاة السيدة زينب.

وبلغ عددهم خلال الأسبوع الفائت، حسبما ذكرت صحيفة "الوطن" شبه الرسمية، 26 ألف و400، موضحة أن 18 ألف و500 منهم دخلوا عبر منفذ القائم – البوكمال، و7 آلاف و900 عن طريق مطار دمشق الدولي.

ما حقيقة المشاهد؟

انقسمت المشاهد عبر "يوتيوب" و"إكس" ضمن جزئين، الأول أظهر قرابة عشرة شبان يعتدون بالأحذية على السور الخارجي للقبر، ويرددون عبارة: "أشهد أن عليا ولي الله".

أما الجزء الثاني فقد وثّق امرأتين تقومان بذات الفعل، بينما يُصدر المصور من خلف الكاميرا أصوات ضحكات، ويحثهن على مواصلة الفعل.

ويعود التاريخ الأصلي للمشهد الأول إلى خمسة أيام مضت، إذ كان ثائر الدراجي وهو ناشط شيعي قد نشره عبر قناته الرسمية في موقع التواصل "يوتيوب"، وعنونه بعبارة: "زيارة الشيعة إلى قبر معاوية في دمشق".

أما الثاني فيعود تاريخه الأصلي إلى عام 2022، حين تداولته حسابات عراقية وسورية بكثرة، وأظهر السيدتين وهن يعتدين على قبر معاوية.

ولا تعتبر هذه التسجيلات التي توثق حوادث الاعتداء على قبر معاوية جديدة على مشهد العاصمة السورية دمشق.

ودائما ما ينشر رجال دين شيعة، بينهم محسن الحيدي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع توثّق اعتدائهم على قبر معاوية وافتخارهم بذلك، سواء كلاميا أو بالأيدي.

ويرفض سوريون، خاصة من أبناء الطائفة السنّية، هذا السلوك.

وقد أشارت تعليقاتهم خلال الساعات الماضية عبر "إكس"، بعدما انتشر تسجيل الاعتداء الجديد، إلى حالة استنكار ومخاوف من الصورة التي باتت عليها دمشق، عاصمة الدولة الأموية قبل قرون.

"تزيد الأمور اشتعالا"

الصحفي السوري، قتيبة ياسين كتب عبر "إكس": "لماذا يسمح نظام الأسد للزوار العراقيين بإهانة قبور الصحابة في دمشق وضربها بالأحذية؟

وأضاف قائلا: "يهان قبر مؤسس الدولة الأموية في عاصمته وعلى مرأى ومسمع أهلها ويقولون لك سوريا ليست محتلة".

واعتبر الصحفي السوري، تمام جنّح أن "هذه الأفعال الطائفية لا تزيد الأمور إلا اشتعالا".

وتابعت الناشطة الحقوقية، رزان صفور بقولها معلّقة على المشاهد: "مرعبة الطريقة التي صنع بها النظام الطائفية في سوريا لأنها عملة سهلة ورخيصة للتداول بها".

وأضافت: "كانت سوريا دائما بلدا متنوعا من حيث التركيبة السكانية العرقية والدينية. ما يفسد ذلك؟ الإهانة العلنية وتدنيس معتقدات الناس وقيمهم. وفي هذه الحالة، القيم والمعتقدات التي يحركها الإيمان لدى غالبية سكان البلاد".

ونشرت هيئة "العمل الوطني من أجل سوريا"، وهي جهة معارضة، بيانا دعت فيه "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" و"رابطة العالم الإسلامي" و"المجلس الإسلامي السوري" إلى إدانة "هذه السلوكيات الإجرامية، والتحذير من خطورتها".

وطالبت في البيان أيضا بـ"كشف الجهات الداعمة لها، والعمل الحثيث على حماية تراث الشعب السوري وتاريخه الحضاري، وصون رجالات الأمَّة من الطعن والإهانة والتشوية المتعمد"، وفق تعبيرها.

أين قبر معاوية؟

ولا توجد مصادر تاريخية موثوقة ومحددة توضح وتؤكد المكان الأساسي لقبر الخليفة الأموي معاوية، بينما يتفق مؤرخون على أنه في دمشق، وفي مقبرة "باب الصغير"، كما يقول عبد الرزاق معاذ ابن مؤرخ دمشق خالد معاذ لموقع "الحرة".

ويضيف معاذ، وهو مدير عام سابق للآثار والمتاحف في سوريا، معاون وزير الثقافة السابق أيضا أن قبر "معاوية الصغير" ابن يزيد يقع في حارة النقاشات بدمشق القديمة.

ويوضح المهندس السوري، مظهر شربجي، الذي شغل سابقا رئيس شعبة المهندسين بريف العاصمة دمشق أن الاعتداء على قبر الخليفة الأموي الأول ليس بجديد في دمشق، ويعود إلى فترة ما بعد الحرب العراقية-الإيرانية، وبدء الحجاج الإيرانيين التوافد للعاصمة.

ويقول شربجي لموقع "الحرة" إن كثرة الاعتداءات و"التدنيس" دفع في مرحلة ما محافظة دمشق إلى بناء جدران اسمنتية من الخارج لحمايته، ولجعل اختراقه صعبا.

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد السعودية

حمل زلزال فبراير 2023 تطوراً لافتاً في الملف السوري حين تحول إيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق النظام السوري إلى نافذة لعدد من الدول العربية لإعادة العلاقات مع بشار الأسد ودعوته لحضور اجتماع القمة العربية في الرياض، بعد 12 عاماً على طرده من الجامعة العربية.

منذ ذاك الحين، عملت منظّمات وناشطون سوريون في الولايات المتحدة على الدفع باتجاه استصدار قانون لمناهضة التطبيع مع النظام  السوري باعتباره مسؤولا عن مقتل وتهجير ملايين السوريين خلال الحرب المستمرة منذ 2011.

الخطوة الأولى باتجاه هذا الهدف بدأت فعلياً مع إقرار مجلس النواب الأميركي مشروع "قانون مناهضة التطبيع مع نظام بشار الأسد" بأغلبيّة ساحقة من الأصوات بلغت 389 صوتاً مقابل اعتراض 32 نائباً، بينما لا تزال خطوتان أمام المشروع ليصبح نافذاً، أولاهما إقرار مجلس الشيوخ له، ثم توقيع الرئيس الأميركي.

يقول المُعارضون السوريون الذين يعوّلون على فعالية هذا القانون إنه يكمل مهمّة "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، الذي بدأ سريان أولى حزمة من عقوباته في يونيو 2020.

ويعتقدون أنه كفيل بنسف جهود روسيا وإيران في إعادة إنتاج نظام بشار الأسد بعد 13 عاماً من الحرب، وبقاء هذا النظام في حالة عزلةٍ دولية تامّة إلى حين قبوله بحلّ سياسيّ عادل ودائم.

في المقابل، يميل آخرون إلى أن القانون الجديد لن يشكّل أي تطوّر سياسي للقضية السورية.

ويقول الدبلوماسي السوري السابق المقيم في الولايات المتحدة، بسام بربندي، لـ"ارفع صوتك"، إن أهمية هذا القانون الحقيقية "تكمن في أنه يُعيد الملف السوري إلى الواجهة أمام المجتمع الدولي بعد عدة سنوات من إهماله".

ويعتقد أن عواقبه ستكون "أكبر على المستوى الاقتصادي، إذ يعيق القانون تقديم الرشاوى السياسية للنظام السوري تحت اسم مساعدات إنسانية أو إنعاش مبكّر".

ويتابع: "العقوبات المُدرَجة تحت قانون قيصر غطّت معظم الجوانب الاقتصادية أصلاً منذ عام 2020، فالولايات المتحدة قادرة كدولة عظمى أن تمنع الدول أو الشركات أو المصارف التي تدعم الأسد من التعامل معه اقتصادياً أو سياسياً".

من جهته، يرى رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان، مهند الحسيني، أن القانون "خطوة مهمة على طريق عزل النظام السوري ومنع إعادة تأهيله، لا سيما من الأنظمة العربية الراعية للثورات المضادّة".

لكن في الوقت نفسه، لا يثق الحسيني  إلى حد بعيد "بقدرة قوانين العقوبات الاقتصادية على تغيير الأنظمة التوليتارية المستبدة".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن "الولايات المتحدة فرضت -على سبيل المثال- عقوبات اقتصادية مشدّدة على كوبا لمدة تزيد على 70 سنة بينما كانت النتيجة هناك انتقال السلطة من فيديل كاسترو إلى شقيقه راؤول كاسترو"، في إشارة إلى عدم جدوى هذا القانون في تحقيق أهداف واشنطن بسوريا.

ويعتقد أن النظام السوري "بطبيعة الحال" لديه  آلياته وأساليبه لمواجهة أي عزلة سياسية أو عقوبات اقتصادية، ويتمثّل ذلك في "تجارة المخدرات وإغراق الأسواق وحواضن الدول المحيطة بالمواد السامة المخدرة كآلية ضغط عليهم من جهة، ولتمويل مشروعاته من جهة ثانية".

دول عربية ضده

باعتبار أن مشروع القانون لا يستهدف فقط النظام السوري من حيث المبدأ، إنما أيضاً الدول المُطبّعة معه، كان لافتاً في هذا المسار ما نقله مسؤول السياسات في التحالف الأميركي لأجل سوريا، محمد علاء غان الذي تحدث عن مساعٍ قادتها دول عربية لتعطيل القانون.

وقال غانم، بحسب "تلفزيون سوريا"، إن تلك الدول اتصلت بأعضاء الكونغرس الأميركي وطلبت منهم إيقاف مشروع القانون، مشيراً إلى أن وزير خارجية إحدى الدول العربية حضر اجتماعاً مع أعضاء في الكونغرس في واشنطن لمدة 60 دقيقة خصص ثلثها لإقناعهم بالطعن بمشروع القانون.

تعليقاً على ذلك، يقول المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ، معاذ مصطفى، إن الدول التي تحاول إيقاف مشروع القانون "ربما ليست مقتنعة تماماً بنظام بشار الأسد وليست مهتمة بالتطبيع معه، إنما يُفسّر الأمر بأن النظام السوري استطاع الضغط عليها  من خلال ملف تصدير الكبتاغون وتسليط سلاح الميليشيات الإيرانية المتحالفة معه".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن أي اعتقاد من هذه الدول بإمكانية إعادة إنتاج النظام السوري "هو اعتقاد خاطئ تماماً" بعد كمية الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها خلال 13 عاماً.

ويرى مصطفى أن الولايات المتحدة من خلال هذا القانون لم تقم فقط بإغلاق باب تطبيعها مع النظام السوري أو الاعتراف به، إنما ستقوم أيضاً "بمحاسبة الدول والشركات والأفراد التي تطبّع أو تتعامل معه  عبر العقوبات الاقتصادية.

"هذا القانون يعطي رسالة قوية وواضحة بأن بشار الأسد لن يكون موجوداً في مستقبل سوريا بشكل قطعي"، يؤكد مصطفى.