صورة علوية لوسط مدينة دمشق يظهر فيها جانب من نهر بردا- أرشيف فرانس برس
صورة علوية لوسط مدينة دمشق يظهر فيها جانب من نهر بردى- تعبيرية

في قلب العاصمة السورية دمشق، وفي دائرة لا يتجاوز قطرها 250 متراً في شارع "الثورة"، سوق يُعرف باسم "سوق الحرامية"، وهو اسمٌ يثير الفضول، ويُخفي خلفه حكايات إنسانية معقدة.

يعود تاريخ السوق إلى عشرات السنين، واشتهر بداية ببيع المسروقات، ليتحوّل لاحقاً إلى سوق  يعرض فيه كلّ ما يخطر على البال من أدوات مستعملة، منها الجيد، ومنها  القديم والرث والمتهالك.

بضائع عشوائية

فوق بسطات خشبية مهترئة وقطع نايلون أو كارتون، يعرض تجار السوق بضائعهم بشكلٍ عشوائي على أرصفة متقابلة، مفترشين الأرض بانتظار الزبائن ومعظمهم من الفقراء الذين يقصدون السوق لشراء حاجيات أساسية، بينما يأتي آخرون للبحث عن قطعٍ نادرة أو عتيقة (أنتيكا).

يقول فراس يازجي، وهو أحد العاملين في السوق: "هنا العملة السورية التي لا تشتري شيئا خارج السوق، يكون لها قيمة، ويشتري الناس قطعا هم بأمس الحاجة إليها، حتى لو مهترئة، من ملابس رثة،  وأدوات منزلية وكهربائية خارج الخدمة، وألعاب محطمة أو خردة صدئة".

لكن ليس كل ما في السوق متهالك، بل هناك المستعمل بنوعية جيدة كأدوات كهربائية وملابس وأحذية بالإضافة إلى الهواتف والساعات وسواها، يؤكد فراس لـ"ارفع صوتك".

أما عن كفالة المشتريات الكهربائية والهواتف، يبين فراس أنه "لا يوجد كفالة على البضاعة المباعة، فبمجرد دفع ثمنها لا يمكن إرجاعها، وحين يسأل الشاري عن إمكانية إرجاع بضاعة لا تعمل، يقال له (على بردى) أي ارمها في نهر بردى، وإن سأل إذا كانت جيدة للاستخدام، يقال له (إنت وحظك)".

كما لا يقتصر البيع والشراء في سوق الحرامية على المال فقط، فبعض الباعة يقبلون المقايضة، ويُمكنك الحصول على ما تريده مقابل قطعة من الملابس أو هاتف قديم.

"لسنا حرامية"

يقول علاء (29 عاما)، وهو بائع آخر، إن الزبون يجد في هذا السوق كل شيء، لكنه لا يسأل عن المصدر، و"معظم السوريين يعلمون أن البضائع المعروضة مسروقة، لكن ليس من البائع الموجود في السوق، بل من خارجه".

كما توجد بضائع استغنى عنها أصحابها بداعي السفر أو الفقر، من نحاسيات وزجاج وساعات أصلية قديمة، وخواتم فضة، ونظارات طبية وشمسية، بالإضافة إلى المفروشات والأجهزة الكهربائية والملابس.

وفي السوق أيضاً، ملابس رثة وأحذية المهترئة وألعاب وعربات أطفال مكسورة ومفروشات ممزقة، وصحون مخدوشة وسواها من الأدوات التالفة أو شبه التالفة، التي يشتريها البعض لحاجته الشديدة لها.

يقول الرجل ستيني رجاء، وهو تاجر ملابس مستعملة: "بناء على التسمية يظن الناس أننا لصوص، لكننا لسنا كذلك، فالغالبية يعملون بكد من سنين طويلة بعرق جبينهم، لعدم تمكنهم من استئجار محل، وهذا أفضل من التسول والسرقة، ونحصل على بضائعنا من أسواق الجملة التي تبيع بأسعار رخيصة جدا".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "السارقين يتربحون بأعلى الأسعار، ويحتكرون الفيول (الوقود) والغذاء والدواء، بينما نرضى نحن بالربح القليل، وبضائعنا الرثة لا توحي أنها مسروقة، رغم وجود أشخاص قلة يجلبون بضائع بالمال الحرام".

والباعة مزيج من ثقافات وبيئات اجتماعية متنوعة، ومستويات تعليمية مختلفة، منهم من لم يكمل دراسته في المدرسة، أو الجامعة، كما يوجد موظفون ومدرسون متقاعدون.

يتابع رجاء: "هناك بائع نناديه الدكتور، لأنه درس لمدة عامين في كلية الطب ثم أجبرته الظروف على ترك الدراسة، وأتى للعمل معنا في السوق".

 

"مسروقات" من بيوت المهجّرين

من بين زبائن "سوق الحرامية"، تحدثنا مع أميرة (٣٥ عاما)، التي تقطن ريف دمشق، وتقصد السوق بشكل دوري للحصول على بعض القطع.

تقول إنها تميز بعض البضائع المسروقة التي زادت كثيراً خلال سنوات الحرب، موضحة: "الكثير من القطع التي تم الاستيلاء عليها من منازل المهجرين والقرى التي سيطر عليها جيش النظام المشهور بالتعفيش، انتهى بعضها في هذا السوق".

وتشير أميرة إلى أن "أحد الأشخاص تعرّف على غرفة نومه في سوق الحرامية،  كذلك بكت سيدة عندما رأت مقاعد غرفة الجلوس خاصتها معروضة للبيع".

"كان محزنا رؤية ممتلكات العائلات الهاربة من المعارك، مسروقة ومعروضة للبيع، بكل وقاحة ولامبالاة"، تتابع أميرة.

يقصد سوق الحرامية أيضا العديد من الباحثين عن معروضات أثرية أو ثمينة، قد لا يدري البائع قيمتها الحقيقية، منهم حاتم مرشد (٣٩ عاما)، يقول :"وجدت مرة بين أكوام الإكسسوارات العتيقة المغبرة، خاتماً من الزمرّد، لم يكن البائع يدري قيمته، ولست أدري كيفية وصوله إلى السوق، ابتعته ببضعة آلاف (ليرة سورية) بينما يُدر سعره بملايين الليرات".

كما يُباع في "سوق الحرامية" أيضاً، أنواع عدة من الأدوية بأسعار متدنيّة مقارنة بخارجه، بعض علب الأدوية مفتوح أو مستهلك جزء منها، وبعضها منتهي الصلاحية، كحبوب الضغط والمضادات الحيوية وأدوية خاصة بالأطفال.

ويتم بيعها بالظرف والحبة، ويبلغ سعر الظرف 5 آلاف ليرة سورية (0.4 دولار) والحبة الواحدة بـ 500 ليرة سورية وتُعرض على البسطات دون معرفة صلاحيتها أو جدواها الطبية.

 

أتاوى ورشاوى

يقول أحد البائعين القدامي في "سوق الحرامية"، ويدعى حاتم (٥٨ عاما)، إن شرطة البلدية (تابعة لحكومة النظام)، تتقاضى من البائعين "أتاوى ورشاوى من أجل السماح لهم بأخذ حيّز فيه، فهناك تسعيرة للأرض والشارع والرصيف وضعتها بعض الجهات وتقبض ثمنها كرشوة".

كما لا يخلو الأمر من حدوث مشاجرات بين التجار نتيجة المضاربات وعدم الالتزام بالسعر المتفق عليه بين الباعة. يوضح حاتم: "لا يوجد تنظيم أو جهة تشرف على السوق بشكل مباشر، إذ عجزت محافظة دمشق عن تنظيمه حتى الآن، رغم قيامها ببناء سور لعزل السوق عن الأحياء المجاورة، التي يشتكي سكانها من الفوضى والزحمة والتشوّه البصري، إلا أن السور زاد الأمر سوءاً وتحول إلى مكب للقمامة".

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".