People gather near a damaged building in the Kafr Sousa district
صورة من المكان الذي استهدف مؤخراً في كفرسوسة- أرشيفية

يعد شهر فبراير 2023 مفصلياً في مسار الضربات الإسرائيلية في سوريا، حيث شهد حي كفرسوسة في قلب العاصمة دمشق ضربة صاروخية أدت إلى مقتل مستشارين عسكريين إيرانيين، بينما كانت الضربات الإسرائيلية تستهدف خلال السنوات السابقة مراكز ونقاطاً عسكرية أو لوجستية.

بعد نحو عام على تلك الضربة أعادت إسرائيل الكرّة في 21 فبراير الحالي، بحسب ما أعلن التلفزيون الرسمي التابع للنظام السوري، فيما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان (مقرّه في لندن) عن وقوع ثلاثة قتلى على الأقل في الغارة التي استهدفت مبنى سكنياً، ووصفها بأنها "عملية اغتيال" تشبه الضربة التي قُتل فيها مسؤول حركة حماس صالح العاروري، في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت.

لم تعترف إيران بأي قتلى وقعوا في الغارة، وقالت وسائل إعلام إيرانية إن الهجوم لم يسفر عن مقتل أي مواطنين أو مستشارين إيرانيين.

مربّع أمني في محيط "حضاري"

يُعد حي كفرسوسة الواقع جنوبي مدينة دمشق أحد الأحياء التاريخية في العاصمة، وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أن التسمية سريانية الأصل وتحمل معنى "مزرعة الخيل"، وهو قريب من جميع مناطق العاصمة الحيوية والتجارية ويتميز بوجود تنظيم عمراني على الطراز الحديث، الأمر الذي جعل السكن فيه مقصداً للتجار والأغنياء بالإضافة إلى المسؤولين. كما أصبح الحيّ مقراً لبعض الدوائر الحكومية وأهمها مبنى رئاسة مجلس الوزراء وبعض السفارات. وفي العام 2018 تداولت وسائل إعلام مقربة من النظام السوري نيّته نقل مركز البرلمان الكائن حالياً في حي الصالحية إلى كفرسوسة، نظراً للأهمية المتصاعدة التي حظي بها الحي خلال العقدين الماضيين. 

بالإضافة إلى المقار الرسمية ومساكن المسؤولين يحوي حي كفرسوسة ما يعرف في العاصمة بـ" المربع الأمني" الذي يحوي أهم فروع الاستخبارات السورية وأبرزها التي تتمتع بحماية أمنية عالية ومراقبة دقيقة منذ ما قبل الحرب في سوريا. ويبدو أن هذه الأهمية  شكّلت دافعاً لجهات خارجية عدة أن تختار حي كفرسوسة معقلاً لها سواء بشكل سري أو علني، حيث أقام هناك عدد من مسؤولي الفصائل الفلسطينية وقادة "حزب الله" اللبناني، وبينهم عماد مغنيّة الذي اغتيل في الحي نفسه عام 2008.

وبعد نشوب الحرب في سوريا ارتفعت بطبيعة الحال الأهمية الأمنية في حي كفرسوسة، حتى باتت بعض مناطقه أشبه بمراكز أمنية مغلقة يمنع فيها التجول أو التصوير أو التحرّك بحرّية، وفقاً للسيد جمال نشواتي الذي يقول إنه كان من سكان الحي القدامى قبل أن يغادره إلى تركيا في العام 2022.

"غرباء مشبوهون"

يقول نشواتي لـ"ارفع صوتك" إن تمركز الفروع الأمنية في حي كفرسوسة قبل الحرب أخرجه من قيمته التاريخية والحضارية ليصبح الاسم في ذهنية سكان العاصمة  مرتبطاً بأقبية الاعتقال والتعذيب. يضيف المواطن السوري الذي أجبرته الحرب على اللجوء إلى تركيا: "نحن كسكان كنا نشعر بالرعب عند المرور بتلك الفروع أو ببيوت المسؤولين، وازداد التدقيق الأمني أضعافاً مضاعفة في بعض المناطق بعد عملية الاغتيال التي طالت القيادي في حزب الله عماد مغنية".

يضمّ الحي أيضاً مسجد الرفاعي الشهير عند دوار الحي الكبير، والذي كان نقطة تجمع رئيسية للمتظاهرين في أسابيع الثورة الأولى، لدرجة أن قوات النظام هاجمت المتظاهرين في قلب المسجد في إحدى أيام الجمعة، غير أن النقطة الأهم -بحسب نشواتي- تشكلت مع بدء وفود من يصفهم بأنهم "سكان غرباء" وهؤلاء، كما يقول، "يختارون منازلهم بعناية فائقة ولا أحد يعرف عنهم شيئاً"، على  حد تعبيره، في إشارة إلى عناصر إيرانيين.

ويقع في حي كفرسوسة مقرّ "المدرسة الإيرانية"، الأمر الذي جعل وجود مواطنين إيرانيين "أمراً لا يثير الريبة"، كما يقول نشواتي، الذي يشرح أنه "لا وجود لأي مظاهر تدقيق أمني أو حرس مسلحين أو كاميرات مراقبة"، في بيوت الإيرانيين، إنما "يعيشون بين منازل السكان وكأنهم يحملون صفة مدنية لا تلفت إليهم أي نظر أو تسترعي أي انتباه". 

  

"أشباح بيروت": مسلسل من أربعة أجزاء عن مطاردة عماد مغنية
"قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان عماد مغنية مسؤولاً عن قتل أكبر عدد من الأميركيين في العالم"، هذه المعلومة ترد في واحد من الفيديوات التسويقية لمسلسل "أشباح بيروت"، الذي يعرض على منصّة "شو تايم"، ابتداءً من 19 مايو الحالي.

وتعليقاً على وجود "المدرسة الإيرانية" يرى الباحث الأمني والعسكري العقيد أحمد الحمادة أن هذه المدرسة هي "مجرّد واجهة للتغلغل الأمني في حي كفرسوسة، الذي أصبح مقراً غير مكشوف لاجتماعات دورية بين القادة الأمنية الإيرانيين ونظرائهم من حزب الله اللبناني والفصائل الفلسطينية الموالية للنظام السوري".

ويوضح حمادة لـ"ارفع صوتك" أن اختيار إيران لهذا الحي نابع من عدة عوامل لوجستية مساعدة، أهمها وجود أهم فروع الاستخبارات السورية فيه وما تحظى به من حماية على مدار الساعة، بالإضافة إلى قربه من مطار المزّة العسكري.  

اختراق أمني "بتعاون سوري"؟

ويفتح أمر التشديد الأمني في حي كفرسوسة أسئلة واسعة حول قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات قصف محددة تستهدف فيها شخصيات قيادية إيرانية، في مكان "لا تستطيع فيه كل أجهزة الرصد والاستطلاع والتنصّت تحديد الهدف المطلوب بسهولة"، كما يقول حمادة، الذي يستبعد أن تكون هذه العمليات تتم بالتعاون مع "الدائرة الأمنية الضيقة في أجهزة مخابرات النظام السوري".
 

ما هو دورها؟.. ميليشيات عراقية في سوريا بحجة "المقدّس"
وصل هؤلاء المقاتلون سوريا، بعد حشد إيران لعشرات الآلاف من الطائفة الشيعية، المنخرطين في صفوف فصائل موالية لها داخل دول عدة، ليهبّوا بذريعة "الدفاع عن ضريح السيدة زينب ومقامات آل البيت"، وتحت شعارات مثل "يا لثارات الحسين" و"لن تسبى زينب مرتين".

فرع أمن الدولة الموجود في حي كفرسوسة يحوي قسماً يسمى "الفرع الخارجي"، بحسب حمادة، وهذا الفرع هو المسؤول عن حماية تحركات واجتماعات القادة الإيرانيين في الحي، فالأمر لا يعدو أن يكون "خرقاً أمنياً" بتسهيل وتعاون مباشر من قادة أمنيين في استخابرات النظام السوري، وهذا ما يفسّر "التغييرات الأمنية التي أجراها الرئيس السوري مؤخراً على مستوى قادة الفروع والشعب الأمنية".

ويبدو أن "الكثافة السكانية في حي كفرسوسة تشكل بالنسبة للقادة والمستشارين الإيرانيين بيئة ملائمة للتمويه في ظل التعقب الإسرائيلي المكثف لهم"، بحسب ما يرى السياسي والكاتب الصحفي السوري حسن النيفي.

النيفي يقول لـ"ارفع صوتك" إن الاكتظاظ السكاني في حي كفرسوسة جعل القادة الإيرانيين يعتقدون أنها "أماكن بعيدة عن الشبهة، وربما تُعيق الوصول إليهم من جانب سلاح الجو الإسرائيلي"، معبراً عن اعتقاده بأن هذا السلوك "يؤكد استخفافهم بأرواح السكان المدنيين وأمنهم، ومن غير المستبعد أنهم يريدون أن يجعلوا من السكان دروعا بشرية"، وفق تعبيره.

     

مواضيع ذات صلة:

عناصر من قوات الشرطة الألمانية الخاصة في قبضتها المشتبه بتنفيذ الهجوم الإرهابي- ا ف ب
عناصر من قوات الشرطة الألمانية الخاصة في قبضتها المشتبه بتنفيذ الهجوم الإرهابي- ا ف ب

جدّد الهجوم الذي وقع في مدينة زولينغن الألمانية النقاشات السياسيّة حول اللجوء، الأمر الذي خلق مخاوف بين اللاجئين السوريين أو طالبي اللجوء من قرارات قد تضرّ إقامتهم في ألمانيا.

واعترف لاجئ سوري (26 عاماً) بتنفيذ الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين، خلال احتفال بالذكرى 650 لتأسيس المدينة. ومما زاد الأمور سوءاً أن تنظيم داعش الإرهابي أعلن مسؤوليته عن الهجوم.

 

توقيت حسّاس

يأتي الهجوم في توقيت حسّاس من حيث ارتفاع المطالبات عند أحزاب المعارضة بتغيير سياسة اللجوء في ألمانيا، وقبل أسبوع واحد من انتخابات محلية في ولايتين ألمانيتين، فضلا عن مطالب بتشديد قانون السلاح.

عقب الهجوم مباشرة، فتح رئيس الاتحاد المسيحي الديمقراطي فريدرش ميرتس النار على سياسة اللجوء في ألمانيا، واتّهم بشكل غير مباشر المستشار الألماني أولاف شولتس وحكومته الائتلافية باتباع "سياسة هجرة ساذجة" وفق تعبيره، مُطالباً بترحيل اللاجئين إلى سوريا وأفغانستان، ووقف قبول اللاجئين من هذه الدول.

وأضاف ميرتس في لقاء تلفزيوني "لقد وصلنا إلى نقطة يجب فيها اتخاذ إجراءات وليس الاستمرار في إلقاء الخطب التقليدية.. في النهاية، التعديلات القانونية هي ما يهم، ويجب البدء بها الآن".

كما طالب بإجراء عمليات تفتيش دائمة ودقيقة، ورفض دخول طالبي اللجوء بشكل حازم على الحدود الألمانية، بالإضافة إلى الالتزام بقواعد دبلن.

وكتبت رئيسة حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) أليس فايدل على "إكس" أن مشكلة اللجوء "يجب معالجتها من جذورها"، مشدّدةً أن هناك حاجة إلى "تحوّل فوري في سياسة الهجرة".

وطالبت بوقف الهجرة وقبول طلبات اللجوء والتجنيس لمدة 5 سنوات على الأقل، مع وجوب إغلاق الحدود وترحيل مجموعات الأشخاص "الذين لديهم أعلى معدل جريمة - خاصة الأفغان والسوريين والعراقيين الذين يقيمون بشكل غير قانوني في ألمانيا"، بحسب تعبيرها.

هذه التصريحات وغيرها لم يستطع الائتلاف الحاكم في ألمانيا مواجهتها بسبب موجة التنديد الشعبي بالهجوم الدامي، إذ أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس وحزبه الاشتراكي الديمقراطي دعم ترحيل الأشخاص إلى سوريا وأفغانستان، مؤكداً ضرورة المضيّ قدماً في عمليات الترحيل للأفراد الذين كانوا في البداية في دول أوروبية أخرى، وفقاً لـ"لائحة دبلن".

وبعيداً عن الخوف والقلق عند اللاجئين الأجانب وطالبي اللجوء إزاء تغيّر سياسات الهجرة، أثار الهجوم مخاوف متزايدة من ارتفاع التمييز والانفعالات العنصرية ضدّهم.

وشهدت زولينغن مظاهرات ندّدت بسياسة اللجوء في ألمانيا، اتسمت بطابع انفعالي قوي، أسفر عن مواجهات حاولت الشرطة منعها بين المتظاهرين وأنصار الجماعات الحقوقية المتضامنة مع اللاجئين، كما ردّد بعض المتظاهرين شعار "ألمانيا للألمان – اخرجوا أيها الأجانب".

بعد محاكمة ألمانيا لأحد عناصر داعش.. ما هي الولاية القضائية العالمية؟
ومنذ عام 2002، تبنّت برلين ما عُرف بـ"مدونة الجرائم ضد القانون الدولي" التي جرى تعديلها في ديسمبر 2016، ومنحت للقضاء الألماني في ملاحقة مرتكبي "الجرائم الأساسية" التي تضمّنت القتل العمد والتهجير القسري والإبادة الجماعية وغيرها من الفظائع التي اعتبرها المشرّع الألماني "جريمة عالمية".

الوضع "متوتر"

يخشى العديد من اللاجئين السوريين وغيرهم من دول عربية أخرى، أن ينعكس الهجوم الدامي بشكل سلبي على مجمل أوضاعهم في ألمانيا، سواء المتعلقة بقوانين اللجوء ومنح الإقامة، أو تعايشهم مع المواطنين.

من المدينة التي شهدت الهجوم الإرهابي، يتحدث اللاجئ السوري حسن شيخاني، الذب يعيش فيها منذ 8 أشهر فقط بعد وصوله لاجئاً من تركيا: "الألمان كانوا دائماً متعاطفين معنا، ولكن بعدما حصل أشعر أن الجوّ قد تغيّر".

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إنه يخشى أن يتمّ توجيه الغضب والمشاعر السلبية نحو المجتمع المسلم أو اللاجئ بأكمله بسبب فعل فردي، مردفاً "لقد واجهنا بالفعل العديد من التحدّيات هنا، ولا نريد المزيد من العداء".

يلفت شيخاني إلى أن المعاملات القانونية الخاصّة باللجوء في ألمانيا "شهدت خلال العام الأخير تشديداً نوعياً"، مبيناً "أخشى أن تؤثّر الأحداث على ملفي لأنه لا يزال في مرحلة التقييمات الأوّلية ولم أحصل على الإقامة بعد"،

ويتابع بحسرة "فررنا من تركيا خوفاً من التضييق في الإقامات، واليوم ربما نواجه المصير نفسه".

من جهته، يقول أحمد بكور (42 عاماً)، إن الوضع أصبح "أكثر توتراً"، وهو لاجئ سوري يقيم في ألمانيا منذ خمسة أعوام.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أنا وعائلتي قلقون جداً، ونخاف من أن يتم استخدام الهجوم كذريعة لتقليص حقوقنا وإعادة التفكير في قرارات اللجوء".

ويشير إلى أن العديد من السوريين يعانون أساساً من غياب الاستقرار المالي، ولكن الآن هناك "غياب استقرار نفسي أيضاً". 

اللاجئة العراقية إسراء السامرائي تقول إن أوضاع الكثير من اللاجئين في ألمانيا  "ليست مثالية أساساً" مع تغيّر المزاج العام عند الألمان من اللاجئين عموماً والقادمين من الشرق الأوسط خصوصاً.

وتضيف إسراء (34 عاماً) وهي أم لطفلين، أن جيرانها الألمان "ودودون ولطفاء" إلا أنها بعد الهجوم لاحظت منهم "نظرات شك وريبة".

"أرفض النظرة التعميمية لكل الأجانب بمجرد حصول هجوم أو حادثة يقف وراءها عربي أو مسلم"، تتابع إسراء لـ"ارفع صوتك".

هذه المخاوف "ليست اعتباطية" كما يرى الناشط الإعلامي السوري عمران المصطفى، المقيم في ألمانيا منذ ثلاث سنوات.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "توقيت الهجوم يحمل الكثير من الضغوطات تجاه الحكومة الألمانية من جهة، وتجاه مجتمع اللاجئين من جهة ثانية. وهناك عدة بلدات في الشرق والوسط الألماني شهدت خلال السنوات الماضية هجمات من قبل جماعات يمينية متطرفة ضد المساجد".

لذلك، يخشى المصطفى حدوث ارتفاع لوتيرة الاعتداءات بحق اللاجئين في ألمانيا، بسبب ما حصل في زولينغن.