منذ اليوم لانطلاقة الاحتجاجات في السويداء ضد النظام السوري في أغسطس العام الماضي كان للنساء دور استثنائي وفعال
منذ اليوم لانطلاقة الاحتجاجات في السويداء ضد النظام السوري في أغسطس العام الماضي كان للنساء دور استثنائي وفعال

أحيت نساء محافظة السويداء السورية يوم المرأة العالمي في الساحات، وجنبا إلى جنب خرجن ورددن هتافات تؤكد على مطالبهن بتحقيق المساواة والعدالة والحرية وإسقاط النظام السوري، في مشهد لا يعتبر جديدا "لكن يا محاسن الصدف في اجتماع موعدين"، كما تقول إحداهن لموقع "الحرة".

الموعد الأول هو توقيت "يوم الجمعة" الذي بات مخصصا للخروج بالاحتجاجات المناهضة للنظام السوري في المحافظة ذات الغالبية الدرزية منذ سبعة أشهر، أما الثاني فهو "لنا.. نحن النساء.. للتأكيد على أن الثورة أنثى وأن تاء التأنيث ثائرة"، حسب تعبير المهندسة والناشطة المدنية، راقية الشاعر.

وتضيف الشاعر لموقع "الحرة" بعد عودتها من مظاهرة "ساحة الكرامة": "مشاركة المرأة في حراك السويداء دليل قاطع على أن الشعب السوري حضاري ومدني، وتعطي رسالة بأنها فاعلة ليس فقط في المنزل، بل قادرة على لعب دور حقيقي في المجال السياسي". 

منذ اليوم لانطلاقة الاحتجاجات في السويداء ضد النظام السوري في أغسطس العام الماضي كان للنساء دور استثنائي وفعال، حيث خرجن بشتى فئاتهن إلى الشوارع ونادين بذات المطالب التي أكد عليه النشطاء والمتظاهرون من الرجال.

وبينما استمرت هذه الحالة دون انقطاع في صورة لم يسبق وأن عاشتها السويداء أو أي مدينة أخرى فرض النظام سيطرته الأمنية والعسكرية عليها جاء "يوم المرأة العالمي" ليفتح باب الصيحات أمام مطالب باتجاهين، مع وجود ما يجمعهما في قاسم مشترك.

"الاحتفال لنا وللمستقبل"

"الثورة أنثى" كتبت إحدى السيدات هذه العبارة على يدها ورفعتها وسط ساحة الكرامة يوم الجمعة، كما وثقت صور وتسجيلات أخرى نشرتها شبكات إخبارية محلية لافتة رفعتها امرأة، وكتب عليها "كل عام وأنت معنى الحرية".

"التغييرات الاجتماعية العظيمة مستحيلة دون ثورة نسائية.. وتقدم أي مجتمع يقاس من خلال وضع المرأة فيه" عبارة للفيلسوف الألماني كارل ماكس وكانت حاضرة أيضا وسط ساحة الكرامة على لافتة حملتها سيدة.

وفي المقابل، كانت أخرى تصيح وهي تسير مع العشرات باتجاه الساحة المركزية، حاملة عبارة مكتوبة على ورق: "تذكري أنك لطيفة وذكية. الجميلات هن الثائرات. اليوم عيد المرأة وعيد استقلال سوريا الأول عام 1920".

نساء السويداء خرجن إلى الشوارع ونادين بذات المطالب التي أكد عليه النشطاء والمتظاهرين من الرجال

الناشطة ميساء العبد الله إحدى السيدات الفاعلات في الحراك السلمي ضد النظام السوري تقول لموقع "الحرة": "كنا ولا زلنا ثائرات تطالبن بالتغيير السياسي".

وتضيف بعد عودتها أيضا من التظاهر: "لا يخفى على أحد دور السيدات بالحراك السلمي. كان لنا الدور الأبرز والأهم، بل الركيزة الأساسية باستمراره بسلميته ووجهه الجميل والمتطور".

العبد الله ممرضة متقاعدة وناشطة مدنية منذ عام 2011، وعملت مع عدة منظمات مجتمع مدني تعنى بحقوق الإنسان المقررة دوليا.

وبعد انطلاقة الحراك السلمي والمتواصل حتى الآن انخرطت بين المتظاهرين وتؤكد أنها لن تتراجع، مضيفة: "زوجي متوفي منذ عام وهو معارض للنظام منذ شبابه وقد قامت السلطة بفصله من وظيفته بسبب مواقفه المعارضة له".

توضح الناشطة أن "المرأة السورية بشكل عام وفي السويداء على الخصوص لم تخرج للساحات إلا من معاناة طويلة".

ولم تكن أولى جذور هذه المعاناة المجتمع والعادات والتقاليد بل أيضا "ماعانته خلال حكم عائلة الأسد لسوريا على مدار أكثر من 50 عاما"، حسب حديثها.

وتتابع: "السوريات عانين من ويلات الحرب والتهجير والاعتقال، وأصبح على عاتقهن أعباء متزايدة بعد أن فقدن الزوج أو الابن أو الأخ".

وبينما استخدمن قبل كل الأطراف كوسيلة للضغط على أقاربهم، عانين من "ويلات الاعتقال.. ومن استطاعت الخروج من خلف القضبان واجهت النظرة المسيئة من المجتمع كونها كانت معتقلة!"، وفق العبد الله.

"دفعت الثمن مضاعف" 

في تقرير نشر الجمعة قالت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" إنها وثقت مقتل قرابة 16442 امرأة منذ شهر مارس 2011 وحتى الآن، إضافة إلى توثيقها 21 حادثة عنف استهدفت النساء معظمها على خلفية أنشطتهن منذ مارس 2023 وحتى مارس 2024.

وطالبت الشبكة الحقوقية في تقريرها المجتمع الدولي ومجلس الأمن بتأمين حماية ومساعدة النساء المشردات قسريا من نازحات ولاجئات، ومراعاة احتياجاتهن الخاصة في مجال الحماية تحديدا. 

كما دعت إلى ضرورة اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة قانونيا وسياسيا وماليا بحق النظام السوري وحلفائه، وبحق جميع مرتكبي الانتهاكات في النزاع السوري للضغط عليهم من أجل الالتزام باحترام حقوق المرأة. 

الناشطة راقية الشاعر توضح أن "المرأة في سوريا دفعت فاتورة الحرب بشكل مضاعف"، وتقول: "هي فقدت زوجها وابتها ومعيلها وتحملت الأعباء منفردة".

وتضيف: "كما اضطرت للهجرة واللجوء، وللعمل دون أي خيار كي ترد الظلم والأذى عنها".

في السويداء ترى الشاعر أن "مشاركة النساء في الاحتجاجات الشعبية ضد النظام السوري تعطي وجها حضاريا ومدنيا ليس فقط للمحافظة بل لكل الشعب السوري على مساحة جغرافيا البلاد".

وتشير إلى أن الصورة التي تخرج لها من الشارع تؤكد أن "الثورة منذ 2011 ذات وجه حضاري.. لكن النظام والظلاميين الذين استعان بهم عملوا على تشويهها".

بعد عام 2011 عملت السلطة على تشكيل عصابات خاصة في السويداء من أجل السيطرة عليها، حسبما تضيف الناشطة ميساء العبد الله.

وتقول إن "هذا الأمر كان له أثر كبير على النساء. المرأة أصبحت بذلك والدة المجرم أو زوجته أو ابنته!". 

ومع تقادم سنوات الحرب زادت معاناتها بشكل مطرد، وعندما بدأ الحراك "نزلت إلى الشارع والساحات، ولم يكن لديها إلا صوتها"، وفق ذات الناشطة.

وتضيف: "الحراك شيئا فشيئا أصبحت تديره النساء وتنظمه من خلال كتابة اللافتات وتنظيم المظاهرات في الأرياف والفعاليات والمناسبات، والأيام التي تحتفي بها الأمم المتحدة بما يخص بحقوق الإنسان".

"الدور استثنائي"

في غضون ذلك ترى إيمان أبو عساف وهي إعلامية وناشطة حقوقية ومدنية أن المرأة في السويداء لعبت دورا استثنائيا "في ساحة السويداء الثائرة" منذ سبعة أشهر.

يرتبط الدور بجمع التيارات السياسية المختلفة، وتقول أبو عساف لموقع "الحرة" إنها بمبادراتها "تصنع السلام وتزيل المعوقات، وتقرب وجهات النظر، بينما تخلق بيئة حاضنة للتقدم وتحرير سورية".
بالعودة إلى الوراء وفي حمأة الصراع كانت المرأة قد خسرت المعيل ورب الأسرة والابن  في السجون وفي الموت تعذيبا أو تشريدا ولجوءا، وفق الناشطة المدنية والحقوقية.

وتضيف أنه على إثر ذلك "كان لابد من خروجها لسوق العمل، ضمن إكراهات لا تعد ولا تحصى، منها الاجتماعية والاقتصادية".

في سوق العمل وجدت نفسها ضمن سياق عام محفز ومثير ودافع، فاستجابت بنسب متفاوتة، وأخذت تنشط في المبادرات المدنية. 

أما في السياسة فتوضح أبو عساف أن "المرأة وجدت نفسها تحدد هدفها حسب مستواها وظروفها وإمكاناتها"، مشيرة إلى أن "تجربة المظاهرات تمثل عملية تطوير مكثف ومراكم للتجربة ومنطلق لخيارات أخرى غير نمطية".

"نلاحظ اليوم إقبالها بأعداد معقولة نسبيا على المطالبة بحرية المجتمع"، كما تتابع الناشطة.

وتردف بالقول: "النساء الأكثر تعلما وثقافة يدركن أن المجتمع الحر هو الذي يثور نساء ورجالا. اليوم يحتفلن بيوم المرأة العالمي وتعي الطليعيات منهن أن الغاية المرجوة تتطلب العمل معا، وأن تخطط وتعي وتغير وترفض وتقبل".

وتشير الناشطة العبد الله إلى دور لعبته النساء في السويداء خلال الأشهر الماضية من الحراك، وتوضح أنها "عملت على حل الخلافات التي طرات من خلال تواصلها مع الجميع، سواء شيوخ العقل والفصائل والمتظاهرين".

وتضيف من جانب آخر أنهن تعرضن لمضايقات وتهديد وتشويه سمعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومع ذلك "لم يثنين عن المشاركة الفعالة والمستمرة".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.