إيران قدمت إلى النظام السوري خلال السنوات الماضية دعما عسكريا وسياسيا واقتصاديا
إيران قدمت إلى النظام السوري خلال السنوات الماضية دعما عسكريا وسياسيا واقتصاديا

رغم توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وما تخللها من زيارات مكوكية جرت بين دمشق وطهران خلال السنوات الماضية لم تطرأ أي بادرة إيجابية حتى الآن على خط التجارة والاقتصاد بين إيران والنظام السوري.

وتكشف إحصائيات وبيانات نشرها مسؤولون حديثا عن "أزمة عميقة" باتت تخيم بشكل واضح على مشهد العلاقة الاقتصادية بين الجانبين، في مشهدٍ يخالف تفاصيل المسار الذي يربطهما سياسيا وعسكريا منذ سنوات.

وفي تصريح حمل نبرة "أسف" قال، عبد الأمير ربيهاوي، مدير عام منظمة غرب آسيا لتنمية التجارة، حسبما نقلت وسائل إعلام إيرانية، الأحد، إنهم صدّروا في العام الماضي (الشمسي الإيراني) إلى سوريا ما قيمته 244 مليون دولار.

وأضاف أن هذا الرقم وصل في العام الحالي إلى 120 مليون دولار (...) هذه ليست إحصائية تستحق التعاون الاقتصادي بين البلدين".

وعن ذات القضية أوضح، شاه حسيني، رئيس المكتب السوري بوزارة الخارجية أن "العلاقات الإيرانية السورية استراتيجية وهي في ذروتها عسكريا وسياسيا"، لكن استطرد بالقول إن "المسؤولين الإيرانيين والسوريين يشكون من تدني مستوى العلاقات الاقتصادية".

حسيني أضاف كما نقلت وكالة "مهر" أنه وخلال 9 أشهر من العام الجاري (الشمسي) بلغ حجم العلاقات التجارية بين البلدين 100 مليون دولار، "وهو أمر مؤسف"، وفق تعبيره.

وتابع محذرا: "إذا لم نذهب إلى هذا البلد الآن حيث ليس لدينا منافسون أقوياء في سوريا فسيكون من الصعب تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين في المستقبل".

"خطوات دون جدوى"

ويأتي نشر الأرقام الحديثة عن حجم التجارة بين البلدين بعد أسابيع من الزيارة التي أجراها رئيس حكومة النظام السوري، حسين عرنوس، إلى طهران، وما تبعها من زيارة وزير خارجية إيران، حسين أمير عبد اللهيان إلى دمشق.

الزيارتان صبّتا حسب التصريحات الرسمية بذات الغرض، وهو الدفع بالتجارة والاستثمارات إلى الأمام، والتأكيد على ضرورة كل ما تم الاتفاق عليه في الزيارة التي أجراها الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، إلى دمشق، مطلع العام الماضي.

ولا تعطي تفاصيل الواقع على الأرض أي مؤشر عن الشروع بما تم الاتفاق عليه بين رئيسي ورئيس النظام السوري، بشار الأسد، فعليا.

وعلاوة على ذلك، وقبل حديث ربيهاوي وحسيني كان العديد من المسؤولين الإيرانيين قد عبّروا عن توجسهم من ضعف حجم التبادل التجاري مع سوريا، وما زالوا يؤكدون على الفكرة حتى الآن.

ويرى الباحث في الشؤون الإيرانية، محمود البازي، أن تصريح ربيهاوي عن انخفاض حجم الصادرات الإيرانية إلى سوريا للنصف "مهم للغاية".

ويقول لموقع "الحرة" إن كلماته تشير إلى أن "حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يرقى إلى مستوى علاقتهما التي يصفانها بالاستراتيجية".

كما تعطي مؤشرا على أن "جميع الاتفاقيات التجارية والجهود التي بذلها رئيسي لم تحقق نتائجها".

ما الأسباب؟

توجد عدة أسباب تساهم مجتمعة في انخفاض حجم التجارة بين إيران وسوريا، حسبما يوضح الباحث البازي لموقع "الحرة".

ويضيف أن أهمها "يمكن اكتشافها في الاستقالة الغريبة والخارجة عن السياق لحسن شمشادي من منصبه كأمين عام لغرفة التجارة المشتركة بين إيران وسوريا".

وكان شمشادي قد قدم استقالته في ديسمبر 2023، وقالت الغرفة التي كان يتولى منصب أمينها العام في بيان حينها إن قراره "يرتبط ببعض المشكلات الإدارية".

ويشير البازي إلى أن "الوضع والثقافة الإيرانية السائدة بالنسبة للمناصب الحكومية والرسمية هو أنه من النادر جدا تقديم الاستقالة".

وعلى أساس ذلك تعطي استقالة المسؤول بحسب تصريحاته التي حدد فيها الأسباب بالمشاكل الإدارية وبذل الجهد دون جدوى مؤشرا على أن التعامل التجاري مع سوريا صعب للغاية بالنسبة للإيرانيين.

ويعود ذلك، حسب ذات الباحث إلى "المسار غير الرسمي الموازي في سوريا لأي تعاملات تجارية كبرى والضرائب غير الرسمية وغير ذلك من معضلة السوق السورية بشكل عام".

"رابح- خاسر"

وتعتبر طهران من أبرز حلفاء النظام السوري إلى جانب روسيا، وخلال السنوات الماضية قدمت له دعما عسكريا وسياسيا واقتصاديا.

ورغم الكم الكبير من الاتفاقيات التي أبرمتها "لقاء تدخلها" بحسب باحثين في الاقتصاد، إلا أن جزءا كبيرا منها لم ينفذ على أرض الواقع، على عكس تلك الخاصة بموسكو، التي اتخذت مسارات بعيدة كل البعد عن ذلك.

وتنشط إيران في مختلف القطاعات الاقتصادية بسوريا، وكانت ركّزت مؤخرا على ضرورة دخولها في الأسواق السورية.

وسبق أن ذكرت وسائل إعلام سورية رسمية أن وفدا من مؤسسة "إتكا" الإيرانية (تتبع للحرس الثوري) أجرى سلسلة جولات للأسواق السورية، في مسعى لتوقيع اتفاقيات وشراكات تبادل تجاري.

وفي غضون ذلك لطالما ردد مسؤولون إيرانيون نيتهم تأسيس بنك مشترك في سوريا، ووصلوا في آخر خطواته قبل أسبوعين بالإعلان عن رخصة تأسيسه.

ويعتقد الباحث السوري في "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية"، محمد العبد الله، أن أسباب ضعف التبادل التجاري بين إيران وسوريا يرتبط بجزء أولي وأساسي بالتجار السوريين أنفسهم.

ويقول في حديثه لموقع "الحرة" إن "الكتلة الأكبر منهم داخل الغرف التجارية السورية كانوا غير راغبين في التعامل مع الجانب الإيراني، لأسباب ترتبط بأن الأخير يحاول إغراق الأسواق بمنتجات رديئة".

ويمكن القول إن العلاقة بين التجار السوريين والإيرانيين قائمة على مبدأ "رابح خاسر" وليس "رابح رابح"، وفق العبد الله.

ويضيف: "إيران تحاول الهيمنة على السوق التجاري في سوريا مقابل عدم وجود مكسب حقيقي للتجار السوريين، إذا ما تناولنا الزاوية من ناحية الكسب المتبادل".

وبعد طول تواجدها في سوريا وما دفعته من فواتير تحاول إيران الآن قدر الإمكان أن تستعيد جزءا من التكلفة، وسواء من جيب النظام وخزينته أو أي فرص استثمارية في البلاد، وفق العبد الله.

لكنها تدرك حسب الباحث الاقتصادي أن "النظام غير قادر على دفع التكلفة المرتفعة".

ولذلك تحاول "السيطرة على قطاع الإسكان وقطاعات أخرى بما يؤمن لها عائد ومردود اقتصادي ربما يسد جزءا من التكلفة التي تكبدتها"، حسب قوله.

"فجوة تكلفة وتحصيل"

ومثّل اندلاع الحرب السورية في 2011، فرصة لإيران لزيادة نفوذها في سوريا.

وكان هذا مدفوعا بأهمية البلاد الاستراتيجية وموقعها، ودورها في ضمان استمرارية الممر البري من طهران إلى بيروت، ووصولها إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

ونادرا ما تنشر إحصائيات توضح ما تكلفت به إيران في سوريا.

ومع ذلك قال النائب، حشمت الله فلاحت بيشه، من لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في تصريح لافت عام 2020 إن بلاده أنفقت ما بين 20 و30 مليار دولار في سوريا لدعم بشار الأسد.

ويشير موقع "iranwire" إلى أن أحد أهم نفقات إيران في سوريا هو تسليم النفط والمنتجات النفطية إلى قوات الأسد، ويتم ذلك في إطار "حد ائتماني" فتحته إيران لسوريا.

ويتراوح هذا الحد، بحسب وسائل إعلام إيرانية، بين 2-3 مليار دولار في السنة، مع منح حد ائتماني إجمالي يصل إلى 6 مليارات دولار في السنة، بما في ذلك الإمدادات الغذائية والطبية، التي حددها وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف، بنحو 2.5 مليار دولار في السنة.

وبالنظر لهذه الأرقام وما تجنيه إيران تجاريا تظهر تفاصيل الفجوة الحاصلة بين الهدف وما تحقق منه، وفق خبراء ومراقبين.

"4 أسباب"

ويستعرض الباحث البازي أسبابا إضافية تحول دون الدفع بالتجارة إلى الأمام بين إيران وسوريا.

أولا: أكبر المؤسسات التجارية الإيرانية هي تلك التي تعمل في مجال النفط والبتروكيماويات ويبدو بأنّ سوريا غير قادرة على إيفاء التزاماتها في هذه المجالات بسبب نقص القطع الأجنبي.

ولذلك تقتصر المعاملات التجارية على المواد الغذائية وغيرها.

ثانيا: صعوبة التعامل بالعملات المحلية بسبب العقوبات على البلدين وأسباب أخرى تعود إلى ترجيح التجار الإيرانيين إلى التعامل مع أسواق أخرى، بسبب سرعة تحصيل الأموال وإعادة تدويرها في الاقتصاد.

ويقول البازي: "في إيران أسعار مدعومة للدولار، ولذلك فإن بعض التجار الإيرانيين يفضلون استيراد السلع بالسعر المدعوم ومن ثم بيع الدولار بالقيمة الحرة في السوق الإيرانية وهذا ما لا تستطيع الأسواق السورية توفيره".

ثالثا: صعوبات لوجستية في نقل البضائع.

ويوضح الباحث أنه رغم الجهود الإيرانية لأكثر من 20 عاما إلا أن العراق لم يوافق حتى الآن على إحداث طريق تجاري يربط أراضيه بإيران وسوريا، وهو ما يضعف عملية النقل والتجارة.

رابعا: تقدر إيران حجم الأموال التي أنفقتها في سوريا بين 30 إلى 50 مليار دولار وهي تبحث عن طرق لإعادة هذه الأموال.

ولذلك تحدث مسؤولون عن الاستثمار في مجالات (النقل والبناء والمساكن والبنوك) وهي مجالات سيادية اقتصادية بالنسبة لسوريا.

ولأن هذه الاستثمارات قج تكون دون عوائد اقتصادية للحكومة السورية، يرجح الباحث البازي "وجود مقاومة غير رسمية للانخراط في مثل هذه المشاريع".

"بلد مستورد"

وحتى الآن لم تصدر تصريحات جدية من جانب مسؤولين في حكومة النظام السوري تشير إلى الأسباب التي تقف وراء ضعف التجارة مع إيران.

وينسحب الموقف على الإحصائيات الحديثة التي أعلنها ربيهاوي، الأحد، وعلى كلام مسؤولين إيرانيين خلال السنوات الماضية.

لكن وزير الاقتصاد السوري، سامر الخليل، كان قد أشار في وقت سابق إلى "القانون رقم 18"، ووضعه كحل من أجل الدفع بالاستثمار والتجارة إلى الأمام.

وعاد، شاه حسيني، رئيس المكتب السوري بوزارة الخارجية ليقول الآن إن "القانون حديث، ولا يمكن الاستفادة منه في دراسة وتطوير سبل الاستثمار".

ويرى الباحث الاقتصادي العبد الله أن إيران تحاول "جعل سوريا بلدا مستوردا"، ويضيف أنها حاولت خلال السنوات الماضية السيطرة على القطاع التجاري بالتحديد.

لكن ومع ذلك لم تصل حتى الآن إلى النقطة التي عملت على تثبيتها من خلال الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.

العبد الله لا يستبعد من جانب آخر دور الجانب الروسي، ويقول إنه موسكو قد تكون تلعب دورا في تخفيف وتيرة النشاط التجاري بين إيران وسوريا، لغايات تصب في صالحها.

ويشير أيضا إلى واقع النقل المكلف بالنسبة لإيران وواقع القطع الأجنبي ومدى توافره في سوريا لاستيراد البضائع  الإيرانية، فضلا عن الجانب الأمني ومدى القدرة على تأمين القوافل حتى وصولها إلى سوريا. ويقول العبد الله: "كلها عوامل تصب في إطار الضعف الحاصل في التبادل التجاري".

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.