تجد المواد الغذائية المعاد تدويرها رواجاً بين السوريين.

تتعدد مرةً بعد أخرى أوجُه الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام السوري، مع عجز الحكومة عن مجاراة انهيار العملة المحلية ووصول التضخم إلى نسب تاريخية تكاد تتصدر مثيلاتها عالمياً. 

ويبرز جانب الاحتياجات الغذائية كأكثر القطاعات حساسيّة مع عزوف سكان البلاد منذ سنوات عن مواد استهلاكية باتوا يرونها "رفاهية" غير مطلوبة في الوقت الحاضر، ليتركز الاهتمام حرفياً على "لقمة العيش".

وفي ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية يلجأ السوريون منذ سنوات إلى إيجاد بدائل تكون بمثابة بديل اقتصادي يناسب مدخولاتهم المالية، غير أن اشتداد أزمة الشراء خلال النصف الثاني من العام المنصرم وبدايات العام الحالي أفرزت ابتكارات ذات تداعيات توصف بالخطيرة صحّياً، فيما يطبّق السوريون المقولة العامية الشعبية الدارجة "حط بالخرج"، غير مكترثين بالعواقب.  

بوح نسوي وأنسجة ملونة.. مشروع "فجة خرق" في السويداء
ويقوم مشغل "فجّة خُرَق" لإعادة إحياء التراث بتجديد صنع "فجج الخرق"، وهي البسط التي كانت تصنع من قبل الجدات منذ زمن، ولكن بتصاميم جديدة تجمع بين الحداثة والتقليد، إضافة إلى تصنيع البسط اليدوية على النول أو بالسنارة، وبعض الأعمال اليدوية كالمفارش والأغطية والإكسسوارات وسواها، وجميعها تعتمد على إعادة استخدام وتدوير الأقمشة.

وقال تحقيق أصدرته صحيفة "تشرين" السورية (رسمية) إنه في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية بمختلف أصنافها يلجأ البعض إلى تصنيع مواد غذائية أرخص ثمناً، وطرحها في الأسواق لجذب المواطن إليها وشرائها، موضحة أن هذه المواد في حقيقتها تُصنَع عبر إعادة تدوير وتصنيع بقايا مواد زائدة أو تالفة أو منتهية الصلاحية.

 

تدوير مواد منتهية الصلاحية!

 

تسلّط الصحيفة الضوء على ما تسميها "علامات استفهام كثيرة حول جودتها وسلامتها على الصحة العامة"، مع تأكيد أن الأسواق "تفيض بمثل هذه الأنواع المريبة"، والتي يبدو أكثرها خطورة ما يتم تصنيعه من زوائد ورواسب الألبان والأجبان، وما يُصنّع من بقايا اللحوم، وقد يكون أكثره دخل في درجة الفساد وعدم الصلاحية للاستهلاك البشري.

وفي ظل الإهمال الواسع من دوائر الصحة الغذائية والتموينية التابعة للحكومة السورية تجد هذه المواد رواجاً في محلات البقالة والمتاجر بمختلف المناطق، وإقبالاً شعبياً على شرائها رغم أن أسعارها ليست، منخفضة كثيراً، إلا أن "الرمد أفضل من العمى" وفقاً لتاجر الغذائيات "حسين بكّور".

يمتلك "بكور" متجراً صغيراً في منطقة القنوات بالعاصمة السورية دمشق، ويقول لموقع ارفع صوتك إن هذه المواد "معادة التكرير والتصنيع" باتت بمثابة "أصناف مفضلة" لدى الشريحة الشعبية التي لا تزال أصلاً قادرة على شرائها، ويوضح أن سعر الكيلو غرام الواحد من الجبنة كاملة أو قليلة الدسم مثلاً يصل أحياناً إلى نحو 100 ألف ليرة سورية، فيما يتم التعامل مع تجار محليين يبيعون الكيلوغرام بالجملة بنحو 70 أو 80 ألفاً.

هذا الفارق في السعر -وفقاً للتاجر بكور- لا يسأل الزبون غالباً عن سببه ويظن أن هذه الجبنة مثلاً "مسحوبة الدسم"، بينما "نعرف نحن كتجار أنه يتم تصنيعها عبر إعادة تدوير كميات من الحليب الذي لم يعد صالحاً للاستخدام أو عبر خلط مكونات الجبنة بأنواع مغشوشة من البودرات"، بحيث تبدو الجبنة في الشكل لا تختلف كثيراً عن الأصناف النظامية منها، بينما "لا نعرف بالضبط كيف تم تصنيعها أو ما هي عواقب تناولها"، وفق تعبيره.

 

مخاطر صحّية كبيرة

 

تعليقاً على رواج هذه المواد في الأسواق السورية يقول أمين سر جمعية حماية المستهلك والخبير الاقتصادي عبد الرزاق حيزة في تصريحه لصحيفة "تشرين"، إن هذه المواد المحضرة مسبقاً من لحوم وأجبان مفرومة والتي يقال لها (الجبنة الناعمة) وكذلك المواد المطحونة بكل أنواعها "قابلة للغش بشكل كبير وتوجد صعوبة في كشفها إلا من خلال التحليل الكيميائي أو الكشف الحسي من تغير طعمها ورائحتها، سواء كانت فاسدة أم لا"، وإذا كانت الأطراف التابعة للحكومة عاجزة عن اكتشاف الغش في هذه الأنواع من المواد فمن باب أولى أن يشتريها الزبون دون أن يلاحظ أي شيء غريب سوى أنها أقل سعراً وتكلفة من أصناف أخرى.

ولعل باب التجارة باللحوم يُعد الأخطر في هذا الميدان لما يشكله الغش فيها من مخاطر صحية وخيمة على المستهلكين، الذين صاروا "ينظرون إلى اللحمة في السوق دون المخاطرة حتى بالسؤال عن السعر" وفقاً للسيد "مصطفى عيّوش"، الذي يقول إن سعر الكيلوغرام من اللحوم الحمراء وصل في بعض مناطق دمشق إلى 250 ألف ليرة سورية، مع وجود أنواع وأصناف "أقل سعراً وأكثر ريبة" وفقاً لتعبيره.

ويوضح "عيّوش" لموقع "ارفع صوتك" أن المواطن في سوريا اعتاد أن يقف أمام الجزار ليختار القطعة التي يريدها من الذبيحة المعلقة بنفسه، غير أن هذا لم يعد متاحاً في الوقت الحالي"، حيث يقوم بعض الجزارين بوضع أكياس لحمة مفرومة وجاهزة للبيع في البرادات، وبأسعار أقل بكثير من اللحوم غير المفرومة.

ولا يعد تصنيع هذه المواد الغذائية المريبة أمراً جديداً في سوريا، مع أن نسبة الرواج بين الناس زادت مؤخراً، وفقاً للمهندس الاستشاري في مجال الصناعة الغذائية "سعيد نحاس"، الذي يرى أن ما يتم كشفه من هكذا مواد في الأسواق هو أقل بكثير مما يستهلكه المدنيون ولا يعرفون المواد الأولية في صناعته.

ويقول نحاس لموقع "ارفع صوتك" إن هذه المواد التي لا تحوي غالباً على تفاصيل المواد المستخدمة في ظل بيعها بطريقة أشبه بالبدائية يمكن أن تشكل خطراً صحياً على المدى القريب جداً بعد تناولها، ومع أن بعض الناس يدركون مخاطر تناولها إلا أن "ضيق ذات اليد وانعدام البدائل المناسبة يجعل منها وجهة مفضلة بالنسبة لكثيرين"، وفق تعبيره.

ويحمّل "نحاس" المسؤولية بالدرجة الأولى لدوائر التموين التابعة للحكومة السورية في ظل "غض طرف مقصود" عن وجود هذه المواد في الأسواق و"على عينك يا تاجر" وفق التعبير المحلي الدارج، حيث "يتقاضى موظفو دوائر التموين رواتب قليلة مثلهم مثل بقية الناس، وبالتالي فإن هذا الباب من أبواب الفساد يؤمن لهم دخلاً إضافياً عن طريق الرشوات والمحسوبيات دون إدراك عواقب ذلك وخطورته"، وفقاً لتعبيره.

وتتوسّع أسباب تلف المواد الغذائية في مناطق النظام السوري بشكل يتجاوز حتى موضوع الرقابة التموينية والصحية، مروراً بظروف التخزين السيئة وانعدام الكهرباء وشروط الجودة المطلوبة أصلاً ،ففي تخزين المواد الغذائية سريعة التلف، ما يجعل استخدامها خطيراً حتى قبل مرحلة انتهاء الصلاحية، بينما تعد إعادة تدوير وتصنيع هذه المواد أمراً "ذا خطورة عالية"، بحسب "أيمن خسرف" الصيدلاني المختص بالتشخيص المخبري، الذي يوضح أن "إعادة تصنيع هذه المواد يجب أن يخضع إلى ظروف رقابة عالية من قبل مختبرات مختصة تقرّر صلاحيتها للاستهلاك البشري من عدمها.

ويؤكد "خسرف" ما أشار إليه المهندس "سعيد نحاس" من قبل، حول أن الرقابة الصحية والتموينية لا تتجاوز نسبة 1 بالمئة ، لأن "موظف الرقابة نفسه هو موظف حكومي وعاجز عن شراء مواد غذائية نظامية، فكيف يمكن لهذا الموظف أن يوقف بيع هذه المواد وهو يتقاضى من الصمت عليها مبالغ تساعده على تحمّل شظف العيش؟!"، يتساءل "خسرف".

ويختم "خسرف" حديثه بأن موضوع الرقابة على المواد الغذائية لا يفترض أن ينحصر فقط بالمواد المُصنّعة، إنما يشمل كذلك المواد الزراعية المختلفة، وهذا "ما باتت كوادر ودوائر الحكومة السورية عاجزة تماماً عن القيام به"، وفق تعبيره.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من مخيم للاجئين السوريين
صورة أرشيفية من مخيم للاجئين السوريين

في مشهد تمثيلي  لجمعية "كفى" اللبنانية التي تعمل على مكافحة العنف وتمكين النساء، يظهر رجل سوري متهجماً على حافلة مدرسية مطالباً بإنزال ابنته لأنه ما عاد يريدها أن تتم تعليمها، إذ "أعطى كلمته" لرجل غريب سيزوّجها إياه.

ويعكس هذا جانباً من الواقع الذي تعيشه السوريات القاصرات من عموم اللاجئين في لبنان، إذ يتم إجبارهن على ترك مقاعد الدراسة من أجل الزواج.

وتظهر هذه المشكلة بشكل كبير في المناطق اللبنانية المتاخمة للحدود السورية مثل البقاع الذي شكل وجهة لسكان القرى السورية الريفية في أعقاب الحرب السورية.

تشرح منسّقة الخدمات الاجتماعية في مركز الدعم التابع لجمعية "كفى" في البقاع، مايا حداد في حديث لـ"إرفع صوتك"، أهمية التركيز على أن المجتمعات التي تفرض الزيجات المبكرة وتبعد الفتاة عن مقاعد الدراسة بأغلبها، تقريبا 60% من مناطق ريفية تطغى فيها البطريركية وتعتمد فيها هذه الممارسة حتى من قبل النزوح.

تضيف "بالنسبة لهؤلاء، لا طائل من استكمال الفتاة لدراستها بينما بإمكانهم تزويجها بمجرد وصولها إلى سن معين. حيث يغيب مفهوم القرار لدى الفتاة التي قد تصنف كزوجة ابن عمها مثلاً منذ الصغر أو يقرر أهلها هوية زوجها المستقبلي دون التفكير حتى باستشارتها في أمور الزواج أو التعليم".

"وهذه العقلية قد تكون متوارثة لدى الفتاة نفسها التي تصنف نفسها حسب الدور الجندري النمطي ولو كانت قاصرا" بحسب المنسقة الميدانية في الجمعية، آلاء الحلاق، التي نجحت بكسب ثقة القاصرات والراشدات السوريات خلال حلقات النقاش والتدريب.

في نفس الوقت، تقول الحلاق لـ"ارفع صوتك": "تواصلت معنا إحدى السيدات السوريات المقيمات في مخيم في البقاع اللبناني لتطلب منا التدخل وتوعية ابنتها المتمسكة بقرار التوقف عن التعلم، ومساعدتها على استيعاب وطأة هذه التضحية التي تقوم بها مقابل الزواج المبكر". 

الجدير بالذكر كما تلفت حداد، أن "عدد الزيجات المبكرة التي تحرم الفتاة من التعليم في صفوف هذه المجتمعات تضاعف مع النزوح (اللجوء) إلى لبنان".

وتعدّد في هذا السياق عوامل مختلفة تلعب دورا كبيرا في تحديد مصير القاصرات، أهمها الوضع الاقتصادي والخوف على الفتيات وزيادة الطلب لدى المجتمعات المضيفة.

"لا شك بأن الظروف المعيشية تحفز الزواج المبكر في هذه المجتمعات سواء داخل المخيمات أو خارجها، لأن الفتاة تعتبر في سن معين عبئاً على أهلها ويسمح الزواج بالتخلص منه في ظل ضيق مساحة العيش. ثم هناك زيادة الطلب لدى اللبنانيين بمعنى الزيجات من قاصرات في سياق زواج ثان أو ثالث"، تتابع حداد.

وتضيف من جملة عوامل أخرى، توقيت الدوام المخصص للطلاب السوريين في المدارس وهو في العادة بعد الظهر لتأمين التناوب ما بين التلامذة اللبنانيين والسوريين تماشياً مع الموارد المتوفرة.

تؤكد حداد "قد يصعب على الأهالي السوريين وتحديداً الآباء تقبّل تسجيل الفتيات في الدوام المسائي وهم يرفضون في الأصل خروجها مساءً في المطلق، فما بالك بتمضية ساعات في صفوف مختلطة ولو كان الهدف هو التعلم".

مما يزيد خوف الآباء أيضاً، تقول حداد، بعض الحوادث التي سجلت، منها "محاولة فرار إحدى الفتيات مع شاب سوري كان يتردد إلى جوار المدرسة لإغوائها".

ارتفاع معدلات الطلاق في العراق.. فتّش عن "الزواج المبكر" و"الخيانة الإلكترونية"
تنتهي 28 في المئة من حالات الزواج في العراق بالطلاق، وتقف العديد من الأسباب وراء ارتفاع حالات الطلاق، فإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية، يلعب الزواج المبكر و"الخيانة الإلكترونية" دوراً في زيادة حالات الطلاق.

 

"حرموني من المستقبل"

على الأرض تستكشف آلاء الحلاق خلال ورشات التدريب مع نساء سوريات، الآثار النفسية للحرمان من التعليم، من حديث قاصرات وراشدات خُضن هذه التجربة من قبل ويحاولن إنقاذ بناتهن اليوم.

تروي كيف "عبرت إحدى السيدات عن شعورها بأن أحلامها تلاشت أمامها"، مردفةً "لقد حرموني من المستقبل. لم يسألني أحد عن رأيي حين قرروا أني لن أذهب غدا للمدرسة. كان أبي قد عزم على تزويجي بشخص لا أعرف عنه شيئاً ومضت الأيام سريعاً ووجدتني طفلة تربي أطفالا. من يدري ربما لو ولدت في بيئة أخرى أو وجدت من يشد على يدي لكانت حياتي مختلفة".

هذا الحرمان من التعليم لا يعمق الهوّة بين الجنسين على أساس الحق بالوصول للتعليم فقط بل يخلق أيضاً هوّة بين الفتاة وإخوتها. تقول الحلاق "نسمع خلال حلقات التدريب شكاوى مؤلمة تمزق الأسرة نفسها، كأن تسأل الفتاة (لماذا يحق لإخوتي الذين لا يبرعون في الدراسة بالقدر نفسه الذهاب إلى المدرسة بينما يقرر أحدهم أني لا بد أن أتعلم الطبخ والتنظيف والاستعداد لخدمة رجل وإنشاء أسرة؟)".

ومع ذلك، تبدو مايا حداد عمتفائلة بقولها إن "الأمل لا يزال موجوداً، خصوصا في ظل الجهود الكبيرة التي تبذلها الجمعيات بالإضافة إلى المبادرات الفردية والجماعية".

"الأمر يتطلب الكثير من الصبر والنفس الطويل. لكن الأمل كبير ويغذيه السعي لإحداث فرق ولو بشكل تدريجي"، تتابع حداد، مبينّةً أن "جمعية كفى تناضل كل يوم من خلال القوانين التي تطرحها وهذا ما قمنا به مؤخرا، من أجل الدفع باتجاه قانون موحد للأحوال الشخصية والمساواة ليس فقط بين الرجال والنساء والأطفال بل بين جميع النساء بغض النظر عن الطائفة والمذهب والدين في تطبيق القوانين المناهضة للعنف".

"كما أننا ننظم دورات توعية وتدريب ونشارك إما من خلال الوقاية أو من خلال التدخل. على مستوى الوقاية ننظم جلسات التوعية حول خطورة الزواج المبكر، وعلى مستوى التدخل نساعد في تخفيف وطأة الأسباب وراء المشاكل كالزواج المبكر الذي يقطع الطريق أمام التعليم. كما نظمنا دورات لتنمية المهارات ودورات التقوية في اللغات الأجنبية كالإنجليزية"، تبيّن حداد.

وتؤكد في ختام حديثها أن الأمل "ينبع بشكل كبير من تفاعل الجمهور المستهدف سواء على مستوى السوريات الراشدات أو القاصرات، اللواتي يبدين في كل مرة حماساً أكبر، فيصلن قبلنا إلى مكان التدريب أو اللقاء ويُظهرن التزاماً صادقاً. وغالبا ما يشاركننا التأثر وتبكي إحداهن قائلة (قد أسامح أهلي على أي شيء إلا الحرمان من التعليم)".