فتاة عراقية تتسول في الشارع بحي الصدريه وسط بغداد
"الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها سوريا تسببت بانتشار ظاهرة التسول الإلكتروني"- تعبيرية

"أستحلفكم بالله يا أهل الخير لا تتركوا الأيتام جوعى"، "أرجوكم ساعدوني فأولادي لم يأكلوا سوى الخبز منذ شهرين". منشورات تتكرر بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا، عن طريق حسابات وهمية، وبأسماء مستعارة، يدّعي أصحابها الحاجة الماسة للمساعدة.

يستغل هؤلاء وسائل التواصل لما تتميز به من سهولة وسرعة في الوصول إلى أكبر شريحة من الناس لاستعطافهم، ودفعهم لتقديم المساعدة المالية والعينية، دون الكشف عن هويتهم الحقيقية.

كما يستخدمون في منشوراتهم وتعليقاتهم كلمات مؤثرة وعاطفية، يرفقونها صورا وتقارير طبية وفواتير للعمليات الجراحية وأرقام هواتف.

وتتنوع طلبات المتسولين الإلكترونيين بين طلب المساعدة من زكاة الأموال، إلى مساعدة الأيتام والأرامل، أو مساعدة عاجز أو شخص من ذوي الإعاقة أو مريض. بعضهم يطلب حليبا وحفاضات أطفال، أو مالا لشراء بدلة العرس، أو مساعدة بتأثيث البيت، أو ثمن دروس خصوصية، وصولا لشراء هاتف أو دفع أقساط المدرسة والجامعة وسواها.

وفي شهر رمضان، تزداد هذه المنشورات، ويتم تغليفها بطابع ديني إنساني، ودعمها ببعض الآيات القرآنية.

 

"الأزمات هي السبب"

تقول الأخصائية الاجتماعية  نجاة السراج، إن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها سوريا تسببت بانتشار ظاهرة "التسول الإلكتروني"، وهو ما يعرف باستغلال المنصات الإلكترونية ومواقع التواصل لاستعطاف الناس وطلب المساعدة المالية.

هذه الظاهرة، بحسب السراج مشابهة للتسول التقليدي من ناحية التحايل والاستغلال للحصول على المنفعة المادية والعينية.

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن المتسولين الإلكترونيين هم "أشخاص يتمتعون بذكاء اجتماعي ويبرعون في انتقاء الكلمات المؤثرة التي تستعطف الأفراد للحصول على المال، كما يختارون  أساليب منمقة يخاطبون فيها المشاعر. فهم موهوبون في الاحتيال الذي أصبح مهنة وفنا يمارسونه لتحقيق الثراء دون تعب".

وتبين السراج أن "ظاهرة التسول الإلكتروني ازدادت بكثرة في سوريا، وتتغير مضامينها بحسب المناسبات الاجتماعية والدينية، حيث يطلب المتسولون زكاة الفطر ومساعدات شهر رمضان وثياب العيد".

 

"ضحايا" المتسولين

تقول دانا القضماني (٢٨ عاما) المقيمة في تركيا، إنها كانت تتعاطف بشدة مع أصحاب المنشورات الذين يطلبون المساعدة، وتحاول أن تلبي طلباتهم بمبالغ بسيطة، فتسأل صاحب/ة المنشور عن عنوانه أو طريقة استلام المبلغ الذي سترسله.

توضح لـ"ارفع صوتك: "كنت أخصم من مصروفي الشخصي لمساعدتهم، حتى اكتشفت بالصدفة أن الأرملة الستينية التي ساعدتها كي لا يطردها مالك البيت منه لعجزها عن دفع الإيجار، هي نفس الشخص الذي يطلب ثمن حليب أطفال وملابس لطفلها الرضيع في مجموعات وصفحات أخرى. وحين تواصلتُ معها مستنكرة قامت بحظري فورا".

عائد حمادة (٣٦ عاما) المقيم في ألمانيا، يصف التسول الإلكتروني بأنه "أسلوب نصب واحتيال مبتكر" راوياً لـ"ارفع صوتك" تجربته الشخصية. يقول "نشر شاب طلب مساعدة باعتباره معيلا لوالدته وإخوته، ويحتاج للمال لدفع قسط الجامعة، فتواصلت معه وطلبت اسم الجامعة كي أدفع جزءاً من القسط، لكن الشاب أراد تلقي المبلغ نقداً وعند إصراري  قام بحظري".

من جهته، يقول محمد يازجي (٢٩ عاما) إنه قرأ منشورا مؤثرا جدا لسيدة لديها زوج مقعد، وابنها الوحيد مريض بالقلب وسيموت إن لم تحصل على مساعدة في العلاج.

"تعاطفت معها كثيرا فلدي أخ وُلِد بثقب في القلب، وأتفهم المعاناة وكلفة العلاج، عرضت عليها المساعدة بدفع فاتورة الاستشفاء، وطلبت منها أن تزودني بأسماء الأدوية لأشتريها لها، فتهربت وفضلت المبلغ النقدي وأن تستلمه باليد في مكان حددته لي، وفي الموعد المحدد جاء شاب عشريني ليستلم الأموال، فعلمت أنني وقعت ضحية خداع هذا الشاب الذي يمتهن التسول بصفة سيدة محتاجة" يتابع محمد.

الناشطة في إحدى الجمعيات الخيرية في دمشق، رنا الشامي، تعلّق بدورها على التسول الإلكتروني، باعتبار أنه "ازداد لدرجة غير مقبولة" مشيرةً لأمثلة كامرأة تتسول فستان العرس لتتزوج، أو تتسول فستاناً وزينة لعيد ميلاد ابنتها، أو تتسول لعملية طفل أنبوب رغم أنها أم لعدة أطفال".

وتضيف الشامي لـ"ارفع صوتك"، أن إحدى النساء تواصلت معها أثناء تنظيمها حملة لتأمين أدوية للمحتاجين وطلبت مساعدتها في علاج والدتها المريضة، وتم تأمين مبلغ من المال، لتكتشف لاحقاً أن "الأم متوفية منذ زمن وأن ابنتها تجمع المال لإجراء بعملية تجميل".

تشرح: "هذه المرأة وهي أم لثلاثة أطفال تقوم يومياً وعبر صفحتها بطلب حليب وحفاضات وأدوية وثمن كشفية الطبيبوما إلى ذلك، رغم أن وضعها المادي جيد، لكنها تستخدم التسوّل كنمط حياة وأسلوب سهل في جمع المال".

ويستخدم المتسولون الإلكترونيون أساليب متنوعة منها نشر قصص ملفقة عن الأزمات الشخصية أو العائلية، ويعرضون صورا لأطفال مرضى أو من ذوي الإعاقة، بالإضافة لاستخدام لغة عاطفية قوية تستغل مشاعر التعاطف لدى الناس، كما تقول الأخصائية الاجتماعية نجاة السرّاج.

وعن تأثير هذه الظاهرة، ترى السراج أنها "تؤدي لامتناع الناس عن مساعدة المحتاجين الحقيقيين، وتسهم في انتشار الاحتيال وإضعاف التكافل الاجتماعي، بالإضافة لوفقدان الناس الثقة في بعضهم البعض".

والحل باعتقادها "تجاهل منشورات مواقع التواصل وتقديم المساعدة للجمعيات الخيرية الموثوقة، أو التحقق من صحة المعلومات قبل تقديم أي مساعدة".

يوميات السوريين بمناطق النظام.. تزاحم على الغاز والخبز والمواصلات
بعيدا عن شاشات الإعلام الدولي يعاني السوريون المقيمون في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام معاناة لا تطاق، فيما يصور إعلام النظام أن البلد تعيش حالة من الازدهار.

أزمات تحاصر المواطن السوري يوميا وتخنقه في مناطق يمنع على الناس التعبير فيها عن آرائهم أو احتجاجهم على تردي حالتهم.

ففي تلك المناطق

 

قانونياً

يقول المحامي السوري سليمان القرفان إنه "لا يوجد نص صريح يجرم التسول الإلكتروني في سوريا، وتم تعديل القانون الخاص بتجريم التسول عام 2019، حيث صدر القانون (رقم 8 لعام 2019) الذي ينظم التسوّل لكنه لم ينص صراحة على تجريم التسول الإلكتروني.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "كان لا بد للقانون المذكور أن يفرد باباً خاصاً يتعلق بالتسول الإلكتروني وأشكاله وعقابه".

ولكن، يستدرك المحامي، يمكن للقضاء محاكمة مرتكبي التسول الإلكتروني وفق القانون (رقم 8 لعام 2019)، رغم عدم النص صراحة على ذلك، بحيث يستند القضاء  على ملاحقة هؤلاء من باب الاستدلال والقياس، بحسب النص "إذا تظاهر  المتسول بإعاقة أو إصابة كاذبة أو التنكر خلال التسول على هيئة مغايرة لهيئته الطبيعية، فيمكن الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات".

هذا التوصيف يمكن تطبيقه على جريمة التسول الإلكتروني، لأنه في الغالب يأتي التسول الإلكتروني تحت باب نداء إنساني يدّعي صاحبه الإصابة بإعاقة أو إصابة كاذبة، يقول القرفان.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من مخيم للاجئين السوريين
صورة أرشيفية من مخيم للاجئين السوريين

في مشهد تمثيلي  لجمعية "كفى" اللبنانية التي تعمل على مكافحة العنف وتمكين النساء، يظهر رجل سوري متهجماً على حافلة مدرسية مطالباً بإنزال ابنته لأنه ما عاد يريدها أن تتم تعليمها، إذ "أعطى كلمته" لرجل غريب سيزوّجها إياه.

ويعكس هذا جانباً من الواقع الذي تعيشه السوريات القاصرات من عموم اللاجئين في لبنان، إذ يتم إجبارهن على ترك مقاعد الدراسة من أجل الزواج.

وتظهر هذه المشكلة بشكل كبير في المناطق اللبنانية المتاخمة للحدود السورية مثل البقاع الذي شكل وجهة لسكان القرى السورية الريفية في أعقاب الحرب السورية.

تشرح منسّقة الخدمات الاجتماعية في مركز الدعم التابع لجمعية "كفى" في البقاع، مايا حداد في حديث لـ"إرفع صوتك"، أهمية التركيز على أن المجتمعات التي تفرض الزيجات المبكرة وتبعد الفتاة عن مقاعد الدراسة بأغلبها، تقريبا 60% من مناطق ريفية تطغى فيها البطريركية وتعتمد فيها هذه الممارسة حتى من قبل النزوح.

تضيف "بالنسبة لهؤلاء، لا طائل من استكمال الفتاة لدراستها بينما بإمكانهم تزويجها بمجرد وصولها إلى سن معين. حيث يغيب مفهوم القرار لدى الفتاة التي قد تصنف كزوجة ابن عمها مثلاً منذ الصغر أو يقرر أهلها هوية زوجها المستقبلي دون التفكير حتى باستشارتها في أمور الزواج أو التعليم".

"وهذه العقلية قد تكون متوارثة لدى الفتاة نفسها التي تصنف نفسها حسب الدور الجندري النمطي ولو كانت قاصرا" بحسب المنسقة الميدانية في الجمعية، آلاء الحلاق، التي نجحت بكسب ثقة القاصرات والراشدات السوريات خلال حلقات النقاش والتدريب.

في نفس الوقت، تقول الحلاق لـ"ارفع صوتك": "تواصلت معنا إحدى السيدات السوريات المقيمات في مخيم في البقاع اللبناني لتطلب منا التدخل وتوعية ابنتها المتمسكة بقرار التوقف عن التعلم، ومساعدتها على استيعاب وطأة هذه التضحية التي تقوم بها مقابل الزواج المبكر". 

الجدير بالذكر كما تلفت حداد، أن "عدد الزيجات المبكرة التي تحرم الفتاة من التعليم في صفوف هذه المجتمعات تضاعف مع النزوح (اللجوء) إلى لبنان".

وتعدّد في هذا السياق عوامل مختلفة تلعب دورا كبيرا في تحديد مصير القاصرات، أهمها الوضع الاقتصادي والخوف على الفتيات وزيادة الطلب لدى المجتمعات المضيفة.

"لا شك بأن الظروف المعيشية تحفز الزواج المبكر في هذه المجتمعات سواء داخل المخيمات أو خارجها، لأن الفتاة تعتبر في سن معين عبئاً على أهلها ويسمح الزواج بالتخلص منه في ظل ضيق مساحة العيش. ثم هناك زيادة الطلب لدى اللبنانيين بمعنى الزيجات من قاصرات في سياق زواج ثان أو ثالث"، تتابع حداد.

وتضيف من جملة عوامل أخرى، توقيت الدوام المخصص للطلاب السوريين في المدارس وهو في العادة بعد الظهر لتأمين التناوب ما بين التلامذة اللبنانيين والسوريين تماشياً مع الموارد المتوفرة.

تؤكد حداد "قد يصعب على الأهالي السوريين وتحديداً الآباء تقبّل تسجيل الفتيات في الدوام المسائي وهم يرفضون في الأصل خروجها مساءً في المطلق، فما بالك بتمضية ساعات في صفوف مختلطة ولو كان الهدف هو التعلم".

مما يزيد خوف الآباء أيضاً، تقول حداد، بعض الحوادث التي سجلت، منها "محاولة فرار إحدى الفتيات مع شاب سوري كان يتردد إلى جوار المدرسة لإغوائها".

ارتفاع معدلات الطلاق في العراق.. فتّش عن "الزواج المبكر" و"الخيانة الإلكترونية"
تنتهي 28 في المئة من حالات الزواج في العراق بالطلاق، وتقف العديد من الأسباب وراء ارتفاع حالات الطلاق، فإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية، يلعب الزواج المبكر و"الخيانة الإلكترونية" دوراً في زيادة حالات الطلاق.

 

"حرموني من المستقبل"

على الأرض تستكشف آلاء الحلاق خلال ورشات التدريب مع نساء سوريات، الآثار النفسية للحرمان من التعليم، من حديث قاصرات وراشدات خُضن هذه التجربة من قبل ويحاولن إنقاذ بناتهن اليوم.

تروي كيف "عبرت إحدى السيدات عن شعورها بأن أحلامها تلاشت أمامها"، مردفةً "لقد حرموني من المستقبل. لم يسألني أحد عن رأيي حين قرروا أني لن أذهب غدا للمدرسة. كان أبي قد عزم على تزويجي بشخص لا أعرف عنه شيئاً ومضت الأيام سريعاً ووجدتني طفلة تربي أطفالا. من يدري ربما لو ولدت في بيئة أخرى أو وجدت من يشد على يدي لكانت حياتي مختلفة".

هذا الحرمان من التعليم لا يعمق الهوّة بين الجنسين على أساس الحق بالوصول للتعليم فقط بل يخلق أيضاً هوّة بين الفتاة وإخوتها. تقول الحلاق "نسمع خلال حلقات التدريب شكاوى مؤلمة تمزق الأسرة نفسها، كأن تسأل الفتاة (لماذا يحق لإخوتي الذين لا يبرعون في الدراسة بالقدر نفسه الذهاب إلى المدرسة بينما يقرر أحدهم أني لا بد أن أتعلم الطبخ والتنظيف والاستعداد لخدمة رجل وإنشاء أسرة؟)".

ومع ذلك، تبدو مايا حداد عمتفائلة بقولها إن "الأمل لا يزال موجوداً، خصوصا في ظل الجهود الكبيرة التي تبذلها الجمعيات بالإضافة إلى المبادرات الفردية والجماعية".

"الأمر يتطلب الكثير من الصبر والنفس الطويل. لكن الأمل كبير ويغذيه السعي لإحداث فرق ولو بشكل تدريجي"، تتابع حداد، مبينّةً أن "جمعية كفى تناضل كل يوم من خلال القوانين التي تطرحها وهذا ما قمنا به مؤخرا، من أجل الدفع باتجاه قانون موحد للأحوال الشخصية والمساواة ليس فقط بين الرجال والنساء والأطفال بل بين جميع النساء بغض النظر عن الطائفة والمذهب والدين في تطبيق القوانين المناهضة للعنف".

"كما أننا ننظم دورات توعية وتدريب ونشارك إما من خلال الوقاية أو من خلال التدخل. على مستوى الوقاية ننظم جلسات التوعية حول خطورة الزواج المبكر، وعلى مستوى التدخل نساعد في تخفيف وطأة الأسباب وراء المشاكل كالزواج المبكر الذي يقطع الطريق أمام التعليم. كما نظمنا دورات لتنمية المهارات ودورات التقوية في اللغات الأجنبية كالإنجليزية"، تبيّن حداد.

وتؤكد في ختام حديثها أن الأمل "ينبع بشكل كبير من تفاعل الجمهور المستهدف سواء على مستوى السوريات الراشدات أو القاصرات، اللواتي يبدين في كل مرة حماساً أكبر، فيصلن قبلنا إلى مكان التدريب أو اللقاء ويُظهرن التزاماً صادقاً. وغالبا ما يشاركننا التأثر وتبكي إحداهن قائلة (قد أسامح أهلي على أي شيء إلا الحرمان من التعليم)".