هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك
هالا غوراني مع غلاف كتابها - من حسابها على فايسبوك

كان اسمها هالا إبراهيم باشا. وكانت في العشرين من عمرها، تعيش في باريس في تسعينات القرن الماضي، وقد تخرّجت للتو من إحدى الجامعات المهمة في فرنسا، ولديها خبرة عامين، وتحاول التقدم إلى عمل. جمعت سيرتها الذاتية ورتّبتها، كان اسمها مذكوراً في الأعلى: هالا باشا، وكانت اللغة العربية من ضمن اللغات التي تتحدثها بطلاقة، فوضعت ذلك في السيرة الذاتية كعنصر يفترض أن يكون معزّزاً لفرصها في نيل وظيفة. لكن الأمر كان معاكساً. لم تتلق هالا أي ردّ على سيرتها الذاتية، ولم يصلها أي عرض عمل. حينذاك، أحد أصدقائها نصحها بإزالة اللغة العربية من السيرة الذاتية. قال لها: "فرنسا مجتمع توجد فيه عنصرية مؤسسية وبالتأكيد تمييز ضد العرب، وهذا ما تم إثباته في العديد من التجارب، حيث يتم ارسال السيرة الذاتية الوهمية باسم عربي مقابل اسم غربي، والاسم العربي يحصل على قدر أقل بكثير من الاهتمام".

لهذا، قررت هالا أن تزيل اللغة العربية من سيرتها الذاتية، وأضافت صورتها بشعر أشقر وعيون زرقاء، تبدو فيها أجنية، وقررت أن تغيّر اسم عائلتها، وتعتمد اسم عائلة والدتها بدلاً من والدها، ويصير اسمها الكامل: هالا غوراني، وهو اسم كما تقول له وقع غربي. وهكذا صارت الإعلاميةَ المعروفة أميركياً وعالمياً بسبب عملها في قناة "سي أن أن" وتقديمها برنامجاً حمل اسمها على القناة الأميركية المشهورة.

"لكن لا يبدو عليك أنك عربية"، هذه هي العبارة التي سمعتها هالا مراراً وتكراراً، جعلتها عنوان كتابها الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية. وهو عبارة عن سيرة ذاتية تخوض في تفاصيل حياة غوراني المهنية وتاريخ عائلتها المركّب.

تعتمد الإعلامية في سردها على الدمج بين حياتها الشخصية وبين حياتها المهنية. فهي من جهة ابنة مهاجرين سوريين، وهي في الآن عينه المراسلة المعروفة التي سافرت إلى مختلف أنحاء العالم، لتغطية الأحداث والنزاعات والحروب. تصيغ حياتها كانعكاس لجذورها من جهة، ولانتمائها إلى مهنة الصحافة التي تتحول إلى وطن في غياب الهوية الواضحة.

استطاعت هالا، من خلال تجاربها أن تجد مكانها في جميع الأماكن التي شعرت فيها بأنها "الآخر"، كما في حلب، سوريا، موطن والديها؛ وفي سياتل، واشنطن، حيث ولدت؛ وفي باريس، فرنسا، حيث نشأت. وأيضاً في لندن، إنجلترا، حيث بدأت رحلتها الصحفية، وفي العاصمة الأميركية واشنطن حيث أمضت معظم حياتها المهنية. 

كقطع "البازل" تمكنت غوراني من تجميع حياتها ومسيرتها المهنية من خلال إجراء مقابلات مع عائلتها، وتدوين الملاحظات على مدى عقود، والتحدث إلى زملائها، والاعتماد على ذكرياتها، لكي تصل في النهاية إلى معرفة ذاتها، وفهم هويتها المركّبة، وما عانته طوال رحلتها الشخصية والمهنية، كمهاجرة، من تنميط مارسته هي نفسها مع نفسها، لمحاولة "النجاة"، وتحقيق الطموح والارتقاء في السلم الوظيفي. وحينما حققت غوراني ذاتها مهنياً، راحت عبر الكتاب تبحث عن تاريخها وهويتها وانتمائها. 

باستخدام ذكرياتها عن الماضي والسياسة تتنقل بين شبابها وحياتها المهنية، بين الوظائف والمناصب، والبلدان والمهمات، والأحداث الشخصية والمهنية، مما يساعدها على ترسيخ أقدامها في السعي لاكتشاف نفسها. تعرّج على الأماكن التي زارتها كمراسلة، وتجعل منها محطات في تماسها مع جذورها المشتتة حول العالم. تعود إلى حلب، موطن والديها الأصلي، وتشعر بجراح المدينة التي لم تندمل منذ العام 2011.

عن هذا الجرح تقول في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" التي عملت فيها لسنوات طوال: "للأسف لم يلتئم الجرح فهو لا يزال موجوداً لأنه ما زال يجعلني اشعر بالعاطفة وكل التجارب السابقة التي مررت بها، سوريا، موت سوريا التي أعرفها لا يزال الشيء الذي يحزنني".

تحكي غوراني بأسلوب السيرة الذاتية، سيراً مختلفة لأمكنة وبلدان، وتغوص في سيرة النزوح والهجرة واضطراب الهويات: "أردت أن أروي هذه القصة العالمية للنزوح، للهجرة. كانت عائلتي عائلة عربية سورية تعيش في الغرب الأوسط الأميركي. في وقتٍ مبكرٍ جداً تدرك أن اسمك مختلف وتدرك أن والديك يتحدثان لغة أخرى ويأكلان طعاماً مختلفاً. وليس العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم فقط الذين يشعرون بهذه الطريقة يمكن أن يكونوا لاتينيين أو أشخاصاً من دين أو عرق مختلف، عندما تنتمي إلى أقلية كما كتبت في كتابي، فأنت تنتمي أحياناً إلى قبيلة مكونة من شخص واحد لإنك الطفل الوحيد من تلك الخلفية والوحيد الذي يختلف بلد والديه الأصلي تماماً عن المكان الذي انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار فيه".

يبدو الكتاب كمحاولة لتصحيح تلك السيرة الذاتية التي أخضعتها غوراني لنوع من "التزوير الأبيض" بغرض تفادي التنميط وعدم خسارة فرص بسبب الممارسات العنصرية أو النبذ الاجتماعي. في الكتاب تفصح غوراني عن هويتها في معرض البحث عنها، لتكتشف أنها هوية مركّبة وغير مستقرة. هي الهوية التي تجمع ما بين عدم الإنتماء إلى أي بلد والانتماء في الوقت نفسه إلى مجموعة كبيرة من البلدان. ولهذا فإنها في نهاية كتابها تصل إلى خلاصة أن الوطن، هو في الحقيقة هذه التجربة كلها التي عاشتها ودوّنتها. الوطن يصير هو الكتاب.

غلاف الكتاب

على الغلاف الخلفي للكتاب، الصادر في فبراير من العام 2024، عن دار "هاتشيت" في نيويورك، مراجعة قصيرة كتبها الكوميدي المصري باسم يوسف، يقول فيها: "لكن لا يبدو عليكِ أنك عربية"، يمكن أن يكون "لا يبدو عليك أنك مسلمة، مسيحية، يهودية، أميركية.. هذا الكتاب يخاطب كل من شعر بالحاجة للظهور بشكل معين، أو ليتكيف مع وضع معين، أو التأقلم مع توقعات الآخرين عنه". ويضيف يوسف: "هذا الكتاب يجب أن يضاف إلى طلبات الهجرة التي نقدّمها".

مواضيع ذات صلة:

مستشفى في العاصمة السورية دمشق
صورة تعبيرية من داخل إحدى مستشفيات دمشق

تعود أخبار الأخطاء الطبية إلى واجهة التداول في سوريا مع كل حادثة جديدة يفقد فيها المريض حياته، فيما تبقى الأسباب والمعالجات خارج نطاق الاهتمام، في بلد تعاني المنظومة الصحية فيه كغيرها من القطاعات، انهياراً غير مسبوق.

وخلال الأيام الماضية ضجّت صفحات سورية على مواقع التواصل بخبر وفاة شاب يدرس في كلية الطب بجامعة دمشق اسمه أحمد رعد المصري بسبب خطأ طبّي في أحد مشافي العاصمة.

ونقلت مواقع محلية عن عمّ الشاب مؤيد المصري، أن ابن أخيه تعرض لإصابة في الكبد بسبب فيروس انتقل إليه أثناء تجربة كان يجريها في مختبر الجامعة، فتم نقله إلى "المستشفى السوري التخصصي"، وهناك لم يقم الكادر الطبي بإجراء تحاليل أو استشارة قلبية، وبعد بقائه 12 يوماً أُجريت له عملية تنظير في البطن، فتوفّي على أثرها.

ورغم مناشدات مؤيد لاتخاذ الإجراءات العقابية الخاصة بالمسشفى، إلا أن الجهات التابعة لحكومة النظام السوري لم تعلن حتى الآن اتخاذ أيّ إجراء.

في 21 مارس الماضي تُوفيت الشابّة لانا فيض الله رجب، من مدينة قدسيّا، إثر وقوع خطأ طبي أثناء خضوعها لعملية جراحية في إحدى المشافي بالعاصمة دمشق، وقبلها في منتصف فبراير الفائت تُوفيت امرأة من مخيم جرمانا للاجئين الفلسطينيين، بعد تعرضها لخطأ طبي في مستشفى "المجتهد" الحكومي في دمشق أيضاً.

"استهتار بحياة الناس"

لا تُقدّم وزارة الصحّة في مناطق النظام إحصائيّات دقيقة لهذه الحوادث، غير أن رئيس فرع نقابة الأطباء في دمشق عماد سعادة تحدّث أواخر عام 2023، عن معالجة 100 شكوى وردت إلى النقابة بحق أطباء واتخاذ قرار نهائي فيها، إما بوجود خطأ طبي أو اختلاط.

وبيّن لصحيفة "الوطن" الموالية للنظام، أنه بموجب بعض تلك الشكاوى "تم اتخاذ قرار نهائي بإحالة بعض الأطباء إلى المجلس المسلكي وهناك أطباء تم إيقافهم عن العمل لفترة محددة إضافة إلى إيقاف أحد الأطباء عن العمل لمدّة ثلاث سنوات".

"ارفع صوتك" التقى بطبيب مختص يعمل في مشفى "المواساة" بدمشق، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية. يقول الطبيب إن "الأرقام أو الحوادث التي يتم الإعلان عنها في مواقع التواصل لا تعبّر عن حقيقة الوضع في مشافي الحكومة السورية التي باتت كأنها مسالخ بشرية".

يروي: "خلال جائحة فيروس كورونا عاينتُ ما لا يمكن وصفه من الاستهتار الطبي بحياة الناس، الذين قضى كثير منهم نحبه في المشفى لأسباب يمكن تخطّيها مع القليل من الاهتمام والمعرفة. دخل إلى المشفى آنذاك أشخاص يحملون فيروسات الكريب (الرشح) الموسمية الطبيعية، غير أن التخبّط وفقدان النُّظم الطبّية المعروفة، أخرجتهم من المشفى جثثاً هامدة".

ويشير الطبيب إلى أن "الكثير من أهالي الضحايا لا يصرّحون بما يحصل معهم، إما خوفاً من المُساءلة، أو يتمّ إقناعهم بأنها حوادث قضاء وقدر اعتيادية" وفق تعبيره.

في السياق ذاته، يقول الطبيب مازن عبودي، اختصاصي أمراض القلب، الذي يقيم حالياً في إسطنبول التركية، إن الأمر سيّان بالنسبة للأخطاء الطبية بين المشافي العامة والخاصّة، موضحاً
"يلجأ الكثير من السوريين إلى المشافي الخاصة رغم أجورها الباهظة خوفاً من الدخول للمشفى الحكومي، غير أن النتائج لا تختلف كثيراً في ظل سوء البنية التحتية والتجهيزات اللازمة للمستشفيات، ونقص الكوادر الطبية المؤهّلة، والأهم هو غياب الرقابة والمحاسبة".

وكان الطبيب السوري غادر دمشق قبل نحو عامين، بعد عمله لسنوات في مستشفيات عمومية وخاصّة، بحكم قلّة عدد الأطباء والاختصاصيين في مناطق النظام نتيجة الهجرة المستمرة منذ سنوات إلى خارج سوريا.

يضيف عبودي لـ"ارفع صوتك" أن "الطبيب المشرف وحده لا يستطيع ضبط كل مفاصل العلاج للمريض، مع وجود كوادر غير مؤهّلة، أو مع غلبة النزعة التجارية في المشافي الخاصة". 

"فالكثير من الأخطاء الطبية المهدّدة للحياة تحصل عادةً في غرف العمليات بسبب ندرة أطباء التخدير في مناطق الحكومة السورية من جهة، والتعاطي التجاري البحت مع المريض من جهة ثانية، حيث تختار بعض المشافي الخاصة منتجات دوائية أو جراحية من الدرجة الثالثة أو الرابعة، لكي يبقى بمقدور ذوي المريض تأمين فاتورة العلاج"، يوضح عبودي.

وقريباً من حديثه، كانت رئيسة رابطة أطباء التخدير وتدبير الألم في نقابة الأطباء السوريين زبيدة شموط، قالت في تصريح صحافي، إن "معظم الأخطاء الطبية تكون بسبب عدد من المشافي الخاصة باعتبار أنها تعتمد في كثير من الأحيان على فنيي التخدير وليس أطباء تخدير".

وطالبت وزارة الصحة في حكومة النظام أن تعزز دورها الرقابي في المستشفيات الخاصة، مضيفةً "من الملاحَظ أن جمعية المشافي الخاصة هي التي تدير الوضع في هذه المشافي والوضع لم يعُد طبيعياً".