تأسس فصيل "المعتصم بالله" في مدينة مارع شمال حلب، صيف العام 2015.

لا تزال حالة النزاع والتنافس الفصائلي والاتهامات بالفساد تُخيّم على المشهد في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة فصائل "الجيش الوطني" المدعوم من تركيا، رغم أن المكونات العسكرية تنضوي جميعها تحت سلطة "وزارة الدفاع" في "الحكومة السورية المؤقتة".

ويتألف "الجيش الوطني السوري"، الذي تأسّس بدعم تركي عام 2017، من ثلاثة فيالق تنضوي تحتها فرق وألوية. وتتقاسم هذه الفصائل السيطرة في مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي وجزء من ريفي الحسكة والرقة الشماليين.

وشهدت مدينة مارع شمال حلب، التابعة لما يُعرف بـ"منطقة درع الفرات"، مواجهات مسلّحة داخلية بين مكوّنات "فرقة المعتصم" التابعة للفيلق الثاني في "الجيش الوطني"، بعد خلاف بين القائد العام للفرقة "المعتصم عباس"، وقيادات من المجلس العسكري أبرزهم، مصطفى سيجري والفاروق أبوبكر.

 

البدايات والنشاط العسكري

طفت أزمة فرقة المعتصم إلى السطح عندما نشر قادة "المجلس العسكري" بياناً أعلنوا فيه عزل القائد، المعتصم عباس،  وتجريده  من جميع  الصلاحيات  العسكرية والأمنية والإدارية، في خطوة وصفها ناشطون سوريون بأنها "انقلاب" داخل الفرقة.

ودعا البيان إلى التحقيق مع عباس  بعدّة تُهم أبرزها "الخيانة والفساد وإساءة استخدام السلطة وسرقة أموال الثورة والمال العام"، قبل أن تتناقل مواقع محلية أخباراً حول اعتقال القادة الذين أصدروا بيان العزل.

بدأ تشكيل فصيل "المعتصم بالله" في مدينة مارع شمال حلب، صيف العام 2015، بصفة "لواء" حمل اسم الخليفة العباسي الثامن، المعتصم، حيث اندمجت عدّة فصائل محلية تحت هذا الاسم بغية مواجهة تنظيم داعش الذي كان قد بدأ التمدد في مناطق ريف حلب.

وبلغ عدد مقاتلي اللواء عند تشكيله نحو 500 مقاتل مجهّزين بأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة، بقيادة محمد حسن خليل، الذي كان يقود مجموعة مقاتلة في ريف اللاذقية الشمالي قبل أن ينشب خلاف بينه وبين "جبهة النصرة" التي أجبرته على المغادرة إلى ريف حلب.

وخاض اللواء في تلك المرحلة عدة معارك مع تنظيم داعش من جهة، والوحدات الكردية من جهة ثانية، ثم بعد عام في صيف 2016، شارك مع القوات التركية في عملية "درع الفرات" التي كان من نتائجها طرد داعش من ريفي حلب الشرقي والشمالي.

 

من "لواء" إلى "فرقة"

تحوّلت فرقة المعتصم من "لواء" إلى "فرقة" في العام 2019، بعد ازدياد رقعة انتشارها وعدد مقاتليها الذين يفوقون الآن 2000 مقاتل، بحسب عضو المكتب الإعلامي في الفرقة، محمد الخطيب.

ويقول الخطيب لموقع "ارفع صوتك" إن عناصر "فرقة المعتصم" يتوزعون على معظم مناطق درع  الفرات (ريف حلب الشمالي والشرقي) ومدينة عفرين وريفها، بالإضافة  إلى  "رأس العين" شمال الحسكة، بينما تُعد مدينة مارع على الحدود مع تركيا،  المقرّ الرئيسي للفرقة.

ويوضّح الخطيب أن الفرقة دخلت في عدة تحالفات مع معظم فصائل"الجيش الوطني"،  و"كانت شريكة في بناء المؤسسات العسكرية والحكومية التابعة للحكومة السورية المؤقتة وداعمة لها وخاضعة تحت قوانين هذه المؤسسات  العسكرية والقضائية".

وأوضحت دراسة صادرة في العام الماضي أن الفرقة ليس لها تمثيل مباشر في مؤسسات المعارضة السورية السياسية، "باستثناء أنها جزء من الفيلق الثاني للجيش الوطني الذي يمتلك تمثيلاً من عضوين في الائتلاف الوطني، وهما أصلاً مرتبطان بفصائل أخرى".

وبحسب الدراسة نفسها، يبدو الوزن السياسي لفرقة المعتصم محدوداً لغياب التمثيل المباشر  في مؤسسات المعارضة  السياسية، ولضعف نطاق تأثيرها كقوّة عسكرية في مناطق المعارضة، إذ يعتبر انتشارها العسكري محدودا  قياساً إلى  سواها.

 

موارد مالية و تهم فساد

منذ مشاركة الفرقة في عملية "درع الفرات" صيف العام 2016، ثم دخولها ضمن مكونات "الجيش الوطني" في العام 2017، أصبحت كغيرها من الفصائل العاملة في شمال حلب تتلقى الدعم بشكل رئيسي من الجانب التركي.

ويوضح محمد الخطيب  أن رواتب عناصر الفصيل يتم تسليمها من قبل وزارة الدفاع في الحكومة  السورية المؤقتة، بالإضافة  إلى "واردات مالية محدودة" تقوم وزارة  الدفاع بتوزيعها على الفصائل،  والتي تأتي من إدارة الوزارة  للمعابر الحدودية  والداخلية  في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري. 

لكن ملفات فساد مالي كبير تسبّبت منذ أشهر باندلاع خلافات واحتقان واسع بين عدة مكونات في الفرقة، وصلت حدّ الانفجار في أبريل الحالي، حيث اتهم قادة في المجلس العسكري قائد الفرقة، المعتصم عباس، بإنشاء "إمبراطورية مالية ضخمة" يستفيد منها هو وأقاربه.

وبدأت جذور الخلاف داخل الفرقة منذ شهور مضت، عندما اطّلع القيادي، مصطفى سيجري،  وقادة آخرون على الكشوفات  المالية الخاصة بالفصيل العسكري، ومصاريف الكتلة المالية، بحسب ما أفاد الباحث  السوري في مركز"جسور للدراسات"،  وائل  علوان، لموقع "الحرة".

رمضان قديروف وفلاديمير بوتين
كيف انتقل صراع الفصائل الشيشانية إلى سورية؟
قبل نحو 18 عاما بدأ الروس حملة عسكرية في الشيشان أطلقت شرارة صراع مسلح في البلد القوقازي يتردد صداها الآن في سورية، حسب مراقبين.

كان فلاديمير بوتين رئيسا لوزراء روسيا آنذاك، وكانت موسكو تخوض صراعا في الشيشان دعما لميليشيا القديروفيين، نسبة إلى المفتي الشيشاني والرئيس اللاحق للبلاد أحمد قديروف، ضد الإتشكيريين، نسبة إلى ما يعرف جمهورية إتشيكيريا الشيشانية المستقلة، وكذلك ضد تنظيم إمارة القوقاز الإسلامية المتشدد.

وزعم القيادي في الفرقة، مصطفى سيجري،  أن قادة المجلس العسكري اكتشفوا  "أكبر ملف فساد مالي وأخلاقي في تاريخ  الثورة السورية، تورط فيه المدعو أبو العباس (المعتصم) وإخوته".

واتهم سيجري القائد العام للفرقة المعتصم عباس بأنه "حوّل الفصيل من عسكري ثوري  إلى شركة تجارية أمنية خاصة بعائلته في مارع". وقال إن عباس كوَّن  "ثروة وإمبراطورية مالية هائلة من خلال تهريب وبيع شحنات ضخمة من الأسلحة أميركية النوعية، والأسلحة والذخائر الروسية  من سوريا إلى ليبيا، وتقدر بملايين الدولارات"، إضافة إلى "نهب وسرقة رواتب المقاتلين القادمة من تركيا، والمخصصات الشهرية من المعابر الداخلية والخارجية والمشاريع الاقتصادية، وتقدر بمئات الآلاف من الدولارات شهرياً".

وتحولت هذه الخلافات إلى اشتباكات مسلحة تسببت أولا في اعتقال قائد الفرقة ومقتل شقيقه أحمد عباس، وتسليمه إلى "الجيش الوطني السوري"، وهو تحالف الفصائل المدعوم من تركيا.

لاحقا، أطلق سراح المعتصم عباس، ونفت فرقته كل الاتهامات الموجهة له.

وفي المقابل، تناقلت المواقع السورية أنباء عن توقيف "الجيش الوطني السوري" أعضاء في المجلس العسكري الذي قام بعزل المعتصم عباس، فيما سلم آخرون أنفسهم.

 

"مصالح على حساب التضحيات"

إضافة إلى الاتهامات بالفساد، اتهم القيادي علاء الدين أيوب، المعروف بـ"الفاروق أبو بكر"، قائدَ الفرقة المعتصم عباس بالتنسيق مع "هيئة تحرير الشام" بزعامة  الجولاني، للتوغل في مناطق ريف حلب الشمالي والاستيلاء على مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الوطني.

ويمثّل الخلاف بين مكونات "فرقة المعتصم" جانباً من المشهد الكلّي في الشمال السوري، حيث "أصبحت عناوين الثورة والدفاع عن المدنيين مجرد ذكريات، وتحوّل الأمر إلى مصالح تجارية على حساب تضحيات السوريين ومعاناتهم"، بحسب الناشط الإعلامي، زيدان حسين.  

ويقول حسين لموقع "ارفع صوتك"، إن "الخلاف بين القادة في الفصائل العسكرية التابعة للجيش الوطني يتعلق بشكل دائم بما يخص عناوين السيطرة والنفوذ والصراع على الموارد المالية كالمعابر وطرق التهريب التي تجلب لقادة الفصائل مبالغ طائلة، وهذا ما يجعل المدنيين في تلك المناطق ضحية للخلافات والاشتباكات التي تندلع بين تلك الفصائل".

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.