لا تزال حالة النزاع والتنافس الفصائلي والاتهامات بالفساد تُخيّم على المشهد في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة فصائل "الجيش الوطني" المدعوم من تركيا، رغم أن المكونات العسكرية تنضوي جميعها تحت سلطة "وزارة الدفاع" في "الحكومة السورية المؤقتة".
ويتألف "الجيش الوطني السوري"، الذي تأسّس بدعم تركي عام 2017، من ثلاثة فيالق تنضوي تحتها فرق وألوية. وتتقاسم هذه الفصائل السيطرة في مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي وجزء من ريفي الحسكة والرقة الشماليين.
وشهدت مدينة مارع شمال حلب، التابعة لما يُعرف بـ"منطقة درع الفرات"، مواجهات مسلّحة داخلية بين مكوّنات "فرقة المعتصم" التابعة للفيلق الثاني في "الجيش الوطني"، بعد خلاف بين القائد العام للفرقة "المعتصم عباس"، وقيادات من المجلس العسكري أبرزهم، مصطفى سيجري والفاروق أبوبكر.
البدايات والنشاط العسكري
طفت أزمة فرقة المعتصم إلى السطح عندما نشر قادة "المجلس العسكري" بياناً أعلنوا فيه عزل القائد، المعتصم عباس، وتجريده من جميع الصلاحيات العسكرية والأمنية والإدارية، في خطوة وصفها ناشطون سوريون بأنها "انقلاب" داخل الفرقة.
ودعا البيان إلى التحقيق مع عباس بعدّة تُهم أبرزها "الخيانة والفساد وإساءة استخدام السلطة وسرقة أموال الثورة والمال العام"، قبل أن تتناقل مواقع محلية أخباراً حول اعتقال القادة الذين أصدروا بيان العزل.
الفضائح مرعبة مذهلة❌
— مزمجر الثورة السورية (@mzmgr941) April 25, 2024
القيادي العسكري الثائر الفاروق أبو بكر يرد على أبو العباس قائد فرقة المعتصم المخلوع بأن القضاء سيشهد ثبوتيات خيانة الثورة وسرقة أموالها بمبالغ ضخمة عدا آخر سطر بالتغريدة
📌كم انتظرنا هذه الخطوات التي تخلع تجار الثورة وتحاسب الفساد وأهله لتطهير المحرر من… pic.twitter.com/QPSz1Azi1t
بدأ تشكيل فصيل "المعتصم بالله" في مدينة مارع شمال حلب، صيف العام 2015، بصفة "لواء" حمل اسم الخليفة العباسي الثامن، المعتصم، حيث اندمجت عدّة فصائل محلية تحت هذا الاسم بغية مواجهة تنظيم داعش الذي كان قد بدأ التمدد في مناطق ريف حلب.
وبلغ عدد مقاتلي اللواء عند تشكيله نحو 500 مقاتل مجهّزين بأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة، بقيادة محمد حسن خليل، الذي كان يقود مجموعة مقاتلة في ريف اللاذقية الشمالي قبل أن ينشب خلاف بينه وبين "جبهة النصرة" التي أجبرته على المغادرة إلى ريف حلب.
وخاض اللواء في تلك المرحلة عدة معارك مع تنظيم داعش من جهة، والوحدات الكردية من جهة ثانية، ثم بعد عام في صيف 2016، شارك مع القوات التركية في عملية "درع الفرات" التي كان من نتائجها طرد داعش من ريفي حلب الشرقي والشمالي.
من "لواء" إلى "فرقة"
تحوّلت فرقة المعتصم من "لواء" إلى "فرقة" في العام 2019، بعد ازدياد رقعة انتشارها وعدد مقاتليها الذين يفوقون الآن 2000 مقاتل، بحسب عضو المكتب الإعلامي في الفرقة، محمد الخطيب.
ويقول الخطيب لموقع "ارفع صوتك" إن عناصر "فرقة المعتصم" يتوزعون على معظم مناطق درع الفرات (ريف حلب الشمالي والشرقي) ومدينة عفرين وريفها، بالإضافة إلى "رأس العين" شمال الحسكة، بينما تُعد مدينة مارع على الحدود مع تركيا، المقرّ الرئيسي للفرقة.
ويوضّح الخطيب أن الفرقة دخلت في عدة تحالفات مع معظم فصائل"الجيش الوطني"، و"كانت شريكة في بناء المؤسسات العسكرية والحكومية التابعة للحكومة السورية المؤقتة وداعمة لها وخاضعة تحت قوانين هذه المؤسسات العسكرية والقضائية".
وأوضحت دراسة صادرة في العام الماضي أن الفرقة ليس لها تمثيل مباشر في مؤسسات المعارضة السورية السياسية، "باستثناء أنها جزء من الفيلق الثاني للجيش الوطني الذي يمتلك تمثيلاً من عضوين في الائتلاف الوطني، وهما أصلاً مرتبطان بفصائل أخرى".
وبحسب الدراسة نفسها، يبدو الوزن السياسي لفرقة المعتصم محدوداً لغياب التمثيل المباشر في مؤسسات المعارضة السياسية، ولضعف نطاق تأثيرها كقوّة عسكرية في مناطق المعارضة، إذ يعتبر انتشارها العسكري محدودا قياساً إلى سواها.
موارد مالية و تهم فساد
منذ مشاركة الفرقة في عملية "درع الفرات" صيف العام 2016، ثم دخولها ضمن مكونات "الجيش الوطني" في العام 2017، أصبحت كغيرها من الفصائل العاملة في شمال حلب تتلقى الدعم بشكل رئيسي من الجانب التركي.
ويوضح محمد الخطيب أن رواتب عناصر الفصيل يتم تسليمها من قبل وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، بالإضافة إلى "واردات مالية محدودة" تقوم وزارة الدفاع بتوزيعها على الفصائل، والتي تأتي من إدارة الوزارة للمعابر الحدودية والداخلية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري.
لكن ملفات فساد مالي كبير تسبّبت منذ أشهر باندلاع خلافات واحتقان واسع بين عدة مكونات في الفرقة، وصلت حدّ الانفجار في أبريل الحالي، حيث اتهم قادة في المجلس العسكري قائد الفرقة، المعتصم عباس، بإنشاء "إمبراطورية مالية ضخمة" يستفيد منها هو وأقاربه.
وبدأت جذور الخلاف داخل الفرقة منذ شهور مضت، عندما اطّلع القيادي، مصطفى سيجري، وقادة آخرون على الكشوفات المالية الخاصة بالفصيل العسكري، ومصاريف الكتلة المالية، بحسب ما أفاد الباحث السوري في مركز"جسور للدراسات"، وائل علوان، لموقع "الحرة".
كان فلاديمير بوتين رئيسا لوزراء روسيا آنذاك، وكانت موسكو تخوض صراعا في الشيشان دعما لميليشيا القديروفيين، نسبة إلى المفتي الشيشاني والرئيس اللاحق للبلاد أحمد قديروف، ضد الإتشكيريين، نسبة إلى ما يعرف جمهورية إتشيكيريا الشيشانية المستقلة، وكذلك ضد تنظيم إمارة القوقاز الإسلامية المتشدد.
وزعم القيادي في الفرقة، مصطفى سيجري، أن قادة المجلس العسكري اكتشفوا "أكبر ملف فساد مالي وأخلاقي في تاريخ الثورة السورية، تورط فيه المدعو أبو العباس (المعتصم) وإخوته".
واتهم سيجري القائد العام للفرقة المعتصم عباس بأنه "حوّل الفصيل من عسكري ثوري إلى شركة تجارية أمنية خاصة بعائلته في مارع". وقال إن عباس كوَّن "ثروة وإمبراطورية مالية هائلة من خلال تهريب وبيع شحنات ضخمة من الأسلحة أميركية النوعية، والأسلحة والذخائر الروسية من سوريا إلى ليبيا، وتقدر بملايين الدولارات"، إضافة إلى "نهب وسرقة رواتب المقاتلين القادمة من تركيا، والمخصصات الشهرية من المعابر الداخلية والخارجية والمشاريع الاقتصادية، وتقدر بمئات الآلاف من الدولارات شهرياً".
وتحولت هذه الخلافات إلى اشتباكات مسلحة تسببت أولا في اعتقال قائد الفرقة ومقتل شقيقه أحمد عباس، وتسليمه إلى "الجيش الوطني السوري"، وهو تحالف الفصائل المدعوم من تركيا.
لاحقا، أطلق سراح المعتصم عباس، ونفت فرقته كل الاتهامات الموجهة له.
وفي المقابل، تناقلت المواقع السورية أنباء عن توقيف "الجيش الوطني السوري" أعضاء في المجلس العسكري الذي قام بعزل المعتصم عباس، فيما سلم آخرون أنفسهم.
"مصالح على حساب التضحيات"
إضافة إلى الاتهامات بالفساد، اتهم القيادي علاء الدين أيوب، المعروف بـ"الفاروق أبو بكر"، قائدَ الفرقة المعتصم عباس بالتنسيق مع "هيئة تحرير الشام" بزعامة الجولاني، للتوغل في مناطق ريف حلب الشمالي والاستيلاء على مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الوطني.
ويمثّل الخلاف بين مكونات "فرقة المعتصم" جانباً من المشهد الكلّي في الشمال السوري، حيث "أصبحت عناوين الثورة والدفاع عن المدنيين مجرد ذكريات، وتحوّل الأمر إلى مصالح تجارية على حساب تضحيات السوريين ومعاناتهم"، بحسب الناشط الإعلامي، زيدان حسين.
ويقول حسين لموقع "ارفع صوتك"، إن "الخلاف بين القادة في الفصائل العسكرية التابعة للجيش الوطني يتعلق بشكل دائم بما يخص عناوين السيطرة والنفوذ والصراع على الموارد المالية كالمعابر وطرق التهريب التي تجلب لقادة الفصائل مبالغ طائلة، وهذا ما يجعل المدنيين في تلك المناطق ضحية للخلافات والاشتباكات التي تندلع بين تلك الفصائل".
