تظاهرات السويداء تصاعدت مؤخرا
تظاهرات السويداء تصاعدت مؤخرا

تسلّط حادثة اعتقال داني عبيد، قبل شهرين، ومن ثم الإفراج عنه صباح الاثنين، من قبل أجهزة النظام السوري، الضوء على "معادلة" لطالما ارتبطت بالمحافظة ذات الغالبية الدرزية التي ينتمي إليها الشاب، الواقعة جنوبي سوريا.

وكان اعتقاله بتهمة "النيل من هيبة الدولة" قد أشعل توترا خلال الأسابيع الماضية، وصلت آخر تداعياته إلى حد اختطاف ضباط كبار من قوات النظام السوري، على يد مجموعات أهلية ومسلحة.

وبعدما رفض النظام لأكثر من مرة الإفراج عن الشاب، وهو الأول الذي يعتقل بسبب رأيه المناصر للحراك اضطر لإخلاء سبيله، عندما اعتقل هؤلاء الضباط ووضعوا في "ميزان التبادل"، حسبما يوضح مراقبون وصحفيون لموقع "الحرة".

وتشهد السويداء، منذ أكثر من 200 يوم، مظاهرات مناهضة للنظام، وبينما يردد المحتجون بهتافات تطالب برحيل رئيسه بشار الأسد، يؤكدون على ضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن الخاص بالحل في البلاد، المعروف برقم 2254.

وحتى الآن لا تعرف النقطة التي سيصل إليها الحراك الشعبي، في ظل غياب أي تعليق أو تعاطي جدي من جانب النظام السوري، إن كان بالسلب أو الإيجاب.

ونشرت شبكات إخبارية محلية تسجيلات مصورة عبر مواقع التواصل أظهرت إقدام المحتجين في "ساحة الكرامة" على رفع عبيد على الأكتاف، وترديدهم لشعارات مناهضة للأسد.

كما عبّروا بأهازيج أخرى عن فرحتهم بالإفراج عن الشاب، بعدما اعتقلته أجهزة النظام السوري الأمنية قبل شهرين في جامعة تشرين بمدينة اللاذقية.

"ضباط مقابل معتقلين"

ومنذ عام 2014 دائما ما كانت مجموعات مسلحة وأهلية في السويداء تتجه إلى خطف ضباط وعناصر للنظام، كي تتم مبادلتهم بأي شخص يتم اعتقاله، بتهم سياسية أو غير ذلك.

ورغم أن هذا السلوك ينطبق على حالة الشاب عبيد، يشير صحفيون في حديثهم لموقع "الحرة" إلى وجود اختلاف يتعلق بالجهة التي فرضت "ميزان التبادل"، والحالة العامة التي تعيشها السويداء في الوقت الحالي.

وكان على رأس الضباط الذين اختطفوا من أجل الإفراج عن عبيد قبل أيام رئيس فرع الهجرة والجوازات في السويداء، العميد الركن منار محمود، والعناصر المرافقون له.

كما احتجز بالتزامن معه ضابط، وعناصر آخرون بالقرب من بلدة المزرعة غربي السويداء، وأفرج عنهم جميعا الاثنين بعد التأكد من وصول الشاب عبيد إلى المدينة.

ويوضح مدير تحرير شبكة "السويداء 24" المحلية، ريان معروف أن "المعادلة الأمنية" القائمة على خطف ضباط مقابل اعتقال مدنيين من السويداء لم تتغير منذ عام 2014.

وعلى مدى السنوات الماضية وقعت الكثير من تلك الحوادث، منها ما كان معلنا وآخر غير ذلك.

ويقول معروف لموقع "الحرة" إن حركة "رجال الكرامة"، وهي فصيل محلي، كانت تدخل على الخط في الحوادث السابقة، وتعمل من خلال وساطتها على الإفراج عن المعتقلين مقابل الضباط المختطفين.

وفي المقابل اتخذت فصائل وعائلات من المحافظة ذات المسار. وهؤلاء دائما ما كانوا يلجؤون للقوة، في إشارة من الصحفي إلى اختطاف الضباط على الطرقات الرئيسية، كي يرضخ النظام ويفرج عن الأشخاص الذين اعتقلتهم أفرعه الأمنية.

ويُعتبر الشاب داني عبيد أول حالة يتم اعتقالها بفترة الحراك السلمي الحالي، الذي تشهده المحافظة ذات الغالبية الدرزية، وفق معروف.

ويشير الصحفي إلى أن قضيته كشفت عن "قدرة المعارضة في السويداء على إطلاق سراح معتقلين، دون الحاجة لتدخل فصائل كبرى مثل حركة رجال الكرامة".

ولم يكن أي دور للفصيل المذكور في الإفراج عن عبيد، رغم أنه تبلغ بحادثة اعتقاله سابقا.

ويضيف مدير تحرير "السويداء 24" أن "فصائل محسوبة على الحراك السلمي، وشبان منخرطون في المظاهرات، هم من أخذوا على عاتقهم عملية خطف الضباط، ومن ثم إطلاق سراحهم بعد فك أسر عبيد".

"تغيّر طرأ على معادلة التبادل"

ولا يزال الاعتقال التعسفي في سوريا يجري ضمن سياسة مركزية من قبل النظام السوري، الذي يقوم بإخفاء الغالبية العظمى منهم بشكل منهجي ومدروس، حسب "الشبكة السورية لحقوق الإنسان".

ووفق البيانات التي تتيحها الشبكة الحقوقية، تبلغ حصيلة المختفين قسريا في سوريا ما لا يقل عن 111907 شخصا، بينهم 3041 طفلا و6642 سيدة (أنثى بالغة).

وهؤلاء لا يزالون قيد الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا منذ مارس 2011 حتى أغسطس 2022. والنظام السوري مسؤول عن قرابة 86 بالمئة منهم.

ونادرا ما تسلك محافظات أو مناطق سورية السياسة التي تطبقها السويداء، المتعلقة بخطف ضباط مقابل الإفراج عن معتقلين.

وينسحب ذلك إلى حالة التظاهر المناهض للأسد أيضا، إذ لم يستخدم الأخير سياسة الحديد والنار في المحافظة ذات الغالبية الدرزية، بعدما اتبعها سابقا في مدن ومناطق أخرى، مثل درعا وحمص ومناطق في ريف العاصمة دمشق وحلب.

وبوجهة نظر الناشط، شادي رفاعة، طرأ تغير على "معادلة الضباط والمعتقلين" في حالة اعتقال الشاب داني عبيد.

ويشرح في حديثه لموقع "الحرة" أن "حركة رجال الكرامة" كانت تتولى سابقا التنسيق مع المخابرات للإفراج عن المعتقلين السياسيين أو المسافرين بطرق غير شرعية أو أي قضية لا يوجد فيها ادعاء شخصي.

لكن اليوم تولت هذه المهمة "فصائل مساندة للحراك السلمي"، إذ اتجهت على الفور إلى اختطاف ضباط وعناصر، على الطرقات ودون "أي تنسيق مع المخابرات"، وفق رفاعة.

ويرى أنه، وبهذه الحالة، تكون "المعادلة الأمنية السابقة قد انكسرت"، ويردف بالقول: "وعلى أساس ذلك رأينا كيف شعر المحتجون في ساحة الكرامة بالانتصار".

ويختلف الصحفي معروف بفكرة أن "معادلة الخطف مقابل المعتقلين انكسرت بحالتها المعروفة والثابتة".

ويشير إلى أن "حركة رجال الكرامة" كانت قد احتجزت قبل شهر ضباطا من النظام السوري وبشكل غير معلن، للضغط على الأخير للإفراج عن شخص مرتبط بها.

والصيف الماضي كانت فصائل مؤيدة للحراك السلمي قد خطفت 20 ضابطا للنظام، وأخرجت مقابلهم شخصا اعتقله النظام السوري أثناء توجهه برا إلى لبنان.

ويعتقد معروف أن "المعادلة تغيرت بجزء مرتبط بقدرة المعارضة السلمية الآن على إطلاق سراح معتقليها بشروطها وليس بشروط النظام"، الأمر الذي يضغط على الأخير من اليد التي توجعه.

"عقلية النظام السوري"

وكان الحراك السلمي في السويداء، الذي انطلق في أغسطس 2023، أخذ خلال الأشهر الماضية عدة أشكال.

وكان اللافت منها إقدام المحتجين على تخريب مقار "حزب البعث" وحرق صور الأسد وأبيه حافظ وصورة "الدولة الأمنية"، أو كما يصفها الموالون بـ"دولة الأسد".

ورغم أنه شهد حادثة إطلاق نار أسفرت عن مقتل متظاهر سلمي قبل شهرين، لم تدخل مجريات الأوضاع هناك في دوامة عنف.

ويسود ترقب في الوقت الحالي بشأن التعزيزات التي يستقدمها النظام السوري بكثرة إلى السويداء، وتشمل دبابات ووحدات ترافقها أسلحة متوسطة وعربات.

وكانت قد وصلت بشكل تدريجي خلال الأسبوع الماضي، وكان آخرها أمس الأحد، حيث تحدثت شبكات محلية عن وصول أكثر من 50 آلية عسكرية توزعت على نقاط جيش النظام هناك.

ويعتقد الصحفي ريان معروف أن "عقلية النظام السوري التي أدارت السويداء في السنوات الأولى للحراك السلمي تحاول الحفاظ الآن على خفض التصعيد".

ويقول إن "السلطة الأمنية لديها إدراك أنها إذا صعدت ولم تستجب فإن الأمر قد يؤدي لتدحرج الأوضاع إلى حالة عنف".

وتثبت حالة الإفراج عن الشاب داني عبيد أن "النظام لا يريد الصدام مع الأهالي" في المحافظة، وفق معروف.

ومع ذلك، يشير إلى أن وصول التعزيزات والحشود العسكرية إلى السويداء يطرح سؤالا بشأن ما إذا كانت تلك العقلية قد تغيّرت.

ويوضح أن البيان الذي صدر عن زعيم طائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري يوم الاثنين يصب في ذات السياق، إذ حذّر الأخير من "مغبة أي تصعيد من أي جهة كانت".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لمستشفى إدلب المركزي- ا ف ب
صورة تعبيرية لمستشفى إدلب المركزي- ا ف ب

يواجه الملايين من سكّان شمال غرب سوريا كارثة صحية محتملة على خلفية توقّف الدعم عن العديد من المنشآت الطبية، وتوقف عمل المنظمات الراعية لها.

ويقطن في محافظة إدلب وريفها وريف حلب الغربي نحو 5 ملايين مدني، أكثر من نصفهم نازحون داخلياً من مناطق مختلفة، تحت نفوذ "هيئة تحرير الشام" وواجهتها المدنية "حكومة الإنقاذ".

وتعمل في تلك المناطق عشرات المنظمات الإغاثية والطبية التي تحصل على تمويلها بشكل كامل من منظّمات إغاثية دولية، أعلن بعضها توقف الدعم، بينما تسود مخاوف من إيقاف التمويل كلّياً عن البقية التي لا تزال قيد التشغيل.

وفي يونيو الماضي، قالت مديرية الصحة التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" في إدلب إن مدير الصحة الدكتور زهير القراط التقى مع مُديري مراكز الرعاية الصحية الأولية؛ لمناقشة واقع انخفاض دعم المراكز الصحية والخروج بمقترحات تساعد في التخفيف من الآثار الكارثية المترتبة على ذلك.

English Below استكمالاً لسلسلة اللقاءات التي تعقدها مديرية صحة إدلب مع المنشآت الصحية نتيجة تقليص الدعم الدولي للقطاع...

Posted by ‎مديرية صحة إدلب - Idlib Health Directorate‎ on Monday, June 3, 2024

 

"لا بوادر إيجابية"

وعبر صفحتها الرسمية في "فيسبوك"، قالت مديرية صحة إدلب إن عدد المراكز الصحّية التي توقّفت وسيتوقف عنها الدعم حتى نهاية يونيو بلغ 22 مركزاً، وسيرتفع هذا الرقم مع نهاية العام إلى 95 مركزاً في ظل عدم وجود أية بوادر أو مؤشرات لمنح جديدة تدعم تشغيلها.

وفي حملة تحت عنوان "أنقذوا الأرواح"، نظّمت كوادر طبّية في محافظة إدلب في 9 يوليو الجاري، وقفة احتجاجية ندّدت بتقليص الدعم الدولي عن القطاع الصحي في شمال غرب سوريا، وطالبت بإعادة دعم وتمويل المنشآت الصحية المتوقّف عنها الدعم.

وتُضاف أزمة إيقاف الدعم الدولي عن القطاع الطبي في شمال غربي سوريا إلى سلسلة من الأزمات المعيشية والخدمية التي تضرب المنطقة، في ظل اعتمادها بشكل كلّي على الدعم الخارجي وعدم توفّر موارد ماليّة مُساعدة، كما يقول الطبيب عمار الزين، الذي يعمل في مركز "السلام" الصحي بريف إدلب.

ويرى لـ"ارفع صوتك" أن إيقاف الدعم الطبي في منطقة لا تزال تعيش آثار الحرب المُدمّرة بعد أن حظيت ببضع سنوات من الهدوء النسبي "أشدُّ فظاعة من عودة القصف والمعارك".

يوضح الزين: "أيام القصف والغارات الروسية والسورية كانت المراكز الطبية قادرة نوعاً ما على استقبال الجرحى، أما اليوم فإن إيقاف الدعم سيكون كفيلاً بإنهاء حياة الآلاف بسبب أمراض أو إصابات يمكن تلافيها".

وفي مايو الماضي، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إنه لم يتمّ الحصول إلا على 6% من التمويل المطلوب لعام 2024 في سوريا، وهو 227 مليون دولار من أصل 4.07 مليار دولار يحتاج إليها، واصفاً نقص التمويل والاستجابة الإنسانية لسوريا بأنه أمر "مُثير للقلق".

وأضاف المكتب حينها "سيضطرّ ما يقرب من 160 منشأة صحية بما في ذلك 46 مستشفى، إلى تعليق عملياتها بحلول يونيو إذا لم تتم زيادة التمويل".

 

كارثة "يمكن تلافيها"

في السياق، يقول الطبيب العام سعيد جملو إن أبرز المراكز الصحية التي توقّف الدعم عنها فعلياً في محافظة إدلب، هي مستشفى "أريحا" للنسائية والأطفال، ومجمع "سرمدا" الطبي، ومستشفى "حارم" العام، ومركز "الأمل" لجراحة العظام، ومركز "الرحمة الجراحي"، ومستشفى "كفرتخاريم" للنسائية والتوليد، ومركز "معرتمصرين" للعلاج الفيزيائي.

ويضيف أن كلاً من هذه المراكز يستقبل بشكل يومي عشرات الحالات، فيما تستقبل مراكز الصحة النسائية والتوليد العدد الأكبر من المراجعين.

ويحذر جملو خلال حديثه لـ"ارفع صوتك" من أن الأخطر في إيقاف الدعم عن تلك المراكز والمنشآت يتمثل في جانب الصحّة النسائية والتوليد، إضافة إلى المراكز التي تستقبل حالات غسيل الكلى، ما قد يشكل "كارثة حقيقية، يمكن تلافيها بدعم من دولة واحدة في حال تقرّر إيجاد حلول". 

وتسود حالة من القلق والخوف والترقّب في أوساط سكّان شمال غرب سوريا، بعد إيقاف ثلث المراكز الطبّية والصحّية المدعومة، وسط مناشدات للإبقاء على المراكز التي لا تزال قيد التشغيل، والمُهدّدة بالإيقاف مع نهاية العام الحالي.

أحد سكان ريف إدلب الشمالي ويُدعى وليد حاجي، يعتبر أنه في ظلّ الحالة الاقتصادية الهشّة التي تعيشها الغالبية من سكان شمال غرب سوريا، تبدو المشافي والمراكز الصحية الخاصة هي البديل الوحيد في حال حصول السيناريو المُرعب (وقف الدعم عن العامة).

يقول حاجي (46 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "غالبية السكان في شمال غرب سوريا يعيشون على متوسط أجر يومي لا يتجاوز 100 ليرة تركية (نحو 3 دولارات)، بينما وصلت أجرة المعاينات الخاصة إلى أكثر من هذا الرقم، في حال م يتمّ حساب تكلفة التصوير الشعاعي أو الرنين المغناطيسي والتحاليل المختلفة".