صورة تعبيرية لعناصر من جيش النظام السوري - أرشيف.
صورة تعبيرية لعناصر من جيش النظام السوري - أرشيف.

اعتبر نشطاء وحقوقيون محليون من السويداء، أن إرسال النظام السوري تعزيزات عسكرية كبيرة إلى محافظتهم الجنوبية التي تشهد حراكا سلميا يطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ينطوي على "رسائل تهديد"، وذلك وسط مخاوف من تحولها إلى مواجهات عسكرية.

وأوضح رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في تصريحات إلى موقع "الحرة"، أن إرسال تلك التعزيزات بدأ "قبل انتهاء أزمة الطالب الجامعي، داني عبيد، الذي أفرجت عنه سلطات دمشق مؤخرا، إثر اعتقاله في فبراير الماضي بتهمة النيل من هيبة الدولة".

وكان قد جرى اعتقال ذلك الطالب، الذي يبلغ من العمر 20 عاما، خلال تواجده في السكن الجامعي بمدينة اللاذقية الساحلية، حيث تعرض للضرب والتعذيب في مقار للأمن، وفقا لما ذكرت والدته في حديث سابق.

وللإفراج عنه، أقدمت فصائل محلية في السويداء على احتجاز عدد من ضباط وعناصر الجيش والشرطة التابعين للنظام السوري في المحافظة، إلى أن أفضت وساطات إلى إطلاق سراحهم على دفعتين قبل وبعد عودة الطالب، الإثنين، إلى بيت ذويه.

وعن آخر تطورات إرسال قوات وميليشيات عسكرية إلى المحافظة التي تشهد احتجاجات سلمية منذ 17 أغسطس من العام الماضي، للمطالبة بتنفيذ القرار الدولي 2254 الهادف إلى إنهاء الأزمة الدامية التي تشهدها البلاد منذ نحو 13 عاما، قال الناشط الإعلامي، حمزة المعروفي، لـ"موقع الحرة": "على مدى 5 أيام، دخل المحافظة ما يقارب ١٠٠ سيارة تحمل رشاشات متوسطة، و10 دبابات وأكثر من 500 عنصر".

وتابع المعروفي، المقيم في السويداء: "تم دخول الرتل الأكبر إلى مطار خلخلة العسكري.. في حين أن الدفعة الأولى من العناصر دخلت إلى فرع المخابرات الجوية، بينما وزع عناصر آخرون على فرع أمن الدولة وفوج عسكري في أحراج بلدة قنوات".

تحذير من التصعيد

وفي ذات المنحى، رحب العديد من الإعلاميين والنشطاء المواليين للنظام بدخول القوات النظامية إلى السويداء، حيث اعتبروها تمهيدا لـ"إنهاء المشروع الانفصالي وعودة المحافظة إلى حضن الوطن".

وفي هذا الصدد، قال الكاتب والمحلل السياسي الموالي للنظام، محمد هويدي، في تغريدة له على منصة "إكس": "يبدأ إسقاط مشروع فدرلة سورية من الجنوب بإقصاء (عملاء قاعدة التنف)، ثم يمتد إلى الفروع في الشمال والشرق".

ويتماشى كلام هويدي، مع ادعاءات سابقة ومكررة تتهم الحراك السلمي في السويداء، بأنه يحمل "أجندة غربية تسعى إلى انفصال السويداء" عن "الوطن الأم"، وهو الأمر الذي نفاه أبرز نشطاء الحراك.

في المقابل، حذر ت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدورز على لسان شيخ العقل، حكمت الهجري، من أي تصعيد محتمل في المحافظة.

وأوضح الهجري في بيان صدر الإثنين : "نحذر أية جهة كانت من أي تصعيد أو تحريك أو تخريب أو أذية مهما كان نوعها، ونحمل المسؤولية كاملة عن أي نتائج سلبية أو مؤذية هدّامة قد تترتب على أي حماقة أو تصرفات أو إجراءات مسيئة".

وشدد البيان على أن "الشعب مستمر ومثابر بأعلى صوته وسلميّته ورقيّه لطلب حقوقه عبر النداءات المحقّة، بسلمية تحت ظلال الدستور والقوانين الخاصة والدولية".

وتابع: "لن يستطيع أي فاسد أن يمنع نور الحق من الوصول، ولا أن يقف أمام الإرادة الشعبية الوطنية الصادقة.. ولا تنازل عن الأصول.. ولكل واقعة ما تستحقه.. وعندنا لكل موقع رجاله".

"رسائل تهديد"

ولدى سؤال رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان، عما إذا كانت التحركات الأخيرة تحمل أي نذر للتصعيد، أجاب: "في  الوقت  الراهن فإن النظام في دمشق ليس في موقع قادر فيه على التصعيد مع أهالي السويداء".

وزاد: "نظام الأسد وصل إلى مرحلة من الوهن والضعف الكبيرين، والدليل على ذلك أنه تنازل وقبِل إطلاق سراح الطالب المعتقل، مقابل الإفراج عن عناصره وضباطه الذين جرى احتجازهم".

أما الأكاديمي والمحلل السياسي، فايز القنطار، فرأى حديثه إلى موقع "الحرة"، أن "استمرار النظام السوري في إرسال التعزيزات العسكرية إلى محافظة السويداء أمر يبعث على القلق، خصوصا في غياب أي رد فعل من القوى الدولية الفاعلة في المنطقة، خاصة التي لديها قوات على الأرض".

وتابع الأكاديمي الذي ينتمي إلى نفس المحافظة: "لم نسمع أو نشاهد صدور أي تنبيه أو تحذير لرأس النظام، الأسد، من مغبة محاولة الاعتداء والهجوم على المظاهرات السلمية التي تشهدها السويداء منذ عدة شهور".

وأكد القنطار أنه من "الصعب التهكن بالأهداف التي يرمي إلى تحقيقها النظام من وراء إرسال مثل تلك الحشود، لكن إرهاب المحتجين يعد من أهم غاياتها، خاصة  بعد أن رفض أهالي المحافظة الاعتقالات التعسفية الإجرامية، والتي تعد بالأساس جزءا من طبيعة ذلك النظام منذسيطرته على الحكم".

وشدد عى "أن احتجاز عناصر من النظام كان الخيار الوحيد المتاح لإطلاق سراح المعتقلين الذي جرى الزج بهم في السجون بطريقة تعسفية، تخالف أدنى حقوق الإنسان".

من جانبه، اعتبر رئيس تحرير "شبكة السويداء 24"، ريان معروف، في اتصال مع موقع "الحرة"، أن "قضية  الطالب عبيد وما تبعها من تداعيات، كانت مجرد مبرر لإرسال كل تلك الحشود، لأن أزمته انتهت بالإفراج عنه وإطلاق سراح جميع الضباط والعناصر".

وقال معروف إن "الوضع يبعث على القلق بعد وصول كل تلك التعزيزات، ففي السابق أرسل النظام تعزيزات أمنية وعسكرية في عدة مناسبات، وكانت تتخذ إجراءات محدودة مثل نشر دوريات وإقامة بعض الحواجز، ثم تنسحب تلك العناصر بعد فترة قصيرة دون أن تحدث أي تغيير في المشهد".

وأردف: "لكن الملفت هذه المرة أن النظام لم يكتف بإرسال تعزيزات أمنية بسيطة، بل حشد لواءً كاملاً من الحرس الجمهوري مدعوما بالدبابات والعربات العسكرية في مطار خلخلة، شمال السويداء".

وبدوره، ذهب الناشط الإعلامي، المعروفي، إلى تأييد ما سبق ذكره، قائلا: "في الأحوال العادية كان من المفترض أن تكون تلك التحركات عادية وروتينية باعتباره (جيش الوطن)، لكن الحالة مختلفة اليوم، فالسويداء تشهد منذ نحو 8 أشهر مظاهرات يومية تطالب بإسقاط النظام، وبالتالي يمكن تفسير قدوم تلك التعزيزات بأنها لقمع المحتجين ووأد الحراك الشعبي السلمي".

هل يحدث التصعيد؟

وشدد القنطار للحرة، على أن "الرسالة الأولى من تلك التعزيزات غير المسبوقة خلال فترة الحراك السلمي، تنطوي على إيحاءات بالتهديد، لكن في حال توفرت الظروف الدولية الإقليمية الملائمة للنظام، فإنه سيسعى لأن يعيد فرض سطوته بالحديد والنار على السويداء".

واعتبر  القنطار أنه "في ظل انشغال العالم بملفات أخرى مثل غزة وأوكرانيا، فإن قوات الأسد قد تقدم على ارتكاب مثل تلك الحماقة، خاصة أن النظام غير آبه بسفك الدماء، سواء بين أنصاره أو في صفوف المعارضين والمدنيين المطالبين بالحرية والكرامة بطرق سلمية وحضارية".

من جهته، ورغم استبعاده حصول أعمال عسكرية واسعة النطاق على المدى المنظور، أوضح معروف أن "النظام قد يلجأ لعمليات وإجراءات أمنية محددة، مما قد يؤدي في أي وقت إلى التدحرج نحو العنف، في ظل الظروف التي تعيشها السويداء حاليا".

أما المعروفي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب تتعلق بسلامته، فاعتبر أن "التخوفات بشأن عمليات عسكرية ضد المحافظة موجودة منذ سنوات، قبل بدء الحراك السلمي، خاصة أن سكانها كانوا قد رفضوا الانخراط في أية عمليات قتالية من مبدأ (دم السوري على السوري على حرام)".

وشدد المعروفي على أن "الضخ الإعلامي الكبير الذي رافق التحشيدات والبيانات غير الرسمية على الصفحات الوهمية فتحت باب الخوف والتأويلات، وأظن أن الأمر لن يتجاوز حدود عمليات محدودة في محاولات لاعتقال (الفارين) والمطلوبين لـ(الخدمة العسكرية)". 

وتجدر الإشارة إلى أن آلاف الشبان في محافظة السويداء رفضوا الخدمة الإلزامية في صفوف قوات النظام منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في مارس 2011، كما رفض الكثير ممن كانوا يؤدون الخدمة الإجبارية، قبل بدء الأزمة، العودة إلى معسكراتهم وقواعدهم خارج المحافظة.

وبشأن مخاوف حدوث أعمال تخريب وتدمير في السويداء، أجاب معروف: "هي موجودة حتى لدى الموالين للنظام في المحافظة، فالجيش لم يتحرك فعليا في أي منطقة بسوريا إلا ورافقت تحركاته أعمال تخريب وتدمير وقتل وتهجير".

لكن المعروفي خلص إلى أن "جيش النظام لا يحتمل أن يفتح جبهات جديدة، خاصة أن لديه في السويداء موالين وعصابات مسلحة قد ينقلبون عليه بأية لحظة، وعليه فإن الحراك السلمي مستمر مهما اشتدت الحملات الأمنية وأساليب التخويف".

أما القنطار، فأكد أن "السويداء، ورغم عدم وجود ظهير إقليمي أو دولي لها، فإن أهلها وعبر التاريخ عرفوا كيف يدافعون عن أنفسهم، حيث خاضوا جولات بطولية ضد العديد من الاحتلالات".

وختم بالقول: "ومع ذلك، فإن التصعيد الميداني سيترك آثارا قاسية على المجتمع المحلي، وأكرر أن ما يبعث على القلق حتى الآن هو غياب رد الفعل الدولي بشأن التطورات الأخيرة، وهذا يشكل علامة استفهام كبرى".

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري
تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري

الحرة- ضياء عودة- منذ تاريخ انعقادها الأول في القاهرة، في أغسطس 2023، تسلطت الأضواء كثيرا على لجنة الاتصال العربية الخاصة بسوريا وعلى الدور المناط وأعمالها، وما إذا كانت ستنجح في إحداث خرق عام على المشهد الداخلي البلاد، ولاسيما السياسي منه.

ومع اجتماع أطرافها الستة للمرة الثانية في العاصمة المصرية، الثلاثاء، تثور تساؤلات عما قدمه النظام السوري للدول المعنية بالتواصل معه، سواء على صعيد عملية "خطوة مقابل خطوة"، أو فيما يتعلق بالملفات التي ارتبطت به داخليا، وكان لها ارتدادات واسعة في الخارج

اجتماع اللجنة جاء على هامش جلسة القمة العربية لبحث التطورات المتعلقة بغزة، شارك فيه وزير خارجية النظام، فيصل المقداد ونظرائه في العراق والأردن والسعودية ولبنان ومصر، وبحضور الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط.

وقال بيان نشرته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إن "لجنة الاتصال قررت تشكيل فريق من الخبراء لدراسة الموضوعات التي تتابعها مع سوريا"، وأضاف أيضا أنه "تم التوافق أيضا على أن يكون الاجتماع المقبل في بغداد"، دون تحديد موعد محدد.

وكان من المقرر أن يعقد الاجتماع الثاني للجنة الاتصال في وقت لاحق من العام الحالي، لكن فشل النظام في الرد على الأسئلة المتعلقة بتهريب حبوب "الكبتاغون" وقضايا أخرى دفع أطرافها إلى تأجيل موعد الانعقاد، كما ورد في تقرير تحليلي نشره "معهد واشنطن"، شهر مايو الماضي.

وأوضح تقرير المعهد الأميركي، قبل 4 أشهر، أن عملية التأجيل لم تكن لمرة واحدة فقط خلال الأشهر الماضية، بل تم اتخاذ قرارها لأكثر من مرة (آخرها في مايو الماضي)، ورغم ذلك "فشل النظام في تقديم رد مكتوب على الأسئلة الموجهة له".

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي السوري، عمر كوش، أن اجتماع الثلاثاء يعتبر "روتينيا" كونه انعقد على هامش الجلسة المخصصة لبحث التطورات في غزة، ويرى أنه "لم يسفر عن شيء.. وربما عقد لكي يقال إن اللجنة مازالت حيّة".

ويعتبر كوش في حديثه لموقع "الحرة" أن "لجنة الاتصال دفنت منذ الاجتماع الأول، عندما تبين أن النظام لم يقدم أي شيء على المستوى السياسي أو بخصوص مشكلة اللاجئين وتهريب حبوب الكبتاغون إلى الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن".

ويضيف أن "اجتماع اللجنة السابق كان مقررا في بغداد لكنه ألغي"، وأن "الاجتماع الثاني لا يدخل في أي مسار لعمل لجنة الاتصال بحد ذاتها".

لكن، ومن جهته، يقول المحلل الجيوسياسي الأردني، الدكتور عامر السبايلة إنه "مازالت هناك قناعة واضحة حول رغبة الدول العربية بإعادة دمشق إلى المعسكر العربي".

وبالتالي يضيف السبايلة لموقع "الحرة" أن "كل ما يجري الآن (بما فيها اجتماع لجنة الاتصال) هو عبارة عن استمرار لهذه العملية".

وحتى لو كان المسار العربي مع دمشق بطيئا يشير في المقابل إلى أن "القناعات العربية لم تتبدل ولم تتحول إلى حالات عداء ولم تتحول لقطع علاقات أو تصعيد"، وفق الخبير الأردني.

"خطوة دون خطوات"

وكانت المبادرة التي أدت لعودة النظام السوري "للحضن العربي" تضمنت خمس أولويات أساسية يتعين إنجازها من خلال لجنة الاتصال الخاصة بمواصلة الحوار مع النظام السوري.

وتشمل النقاط الخمس زيادة وتوسيع نطاق تسليم المساعدات الإنسانية في سوريا، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين على نطاق واسع، وإنهاء إنتاج وتصدير المخدرات غير المشروعة من سوريا.

ويضاف إليها ضرورة استئناف عمل اللجنة الدستورية والتوصل لحل سياسي بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي، فضلا عن إنشاء هيئة أمنية دولية لتنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب في سوريا.

ولم يقدم النظام أي بادرة حتى الآن على صعيد عودة اللاجئين وتهيئة الظروف في البلاد لاستقبالهم بصورة آمنة. ورغم أن وتيرة عمليات تهريب "الكبتاغون" انخفضت نسبيا لا يزال الجيش الأردني يعترض شحنات من الجو والأرض.

وعلى الصعيد السياسي كان النظام اتجه مؤخرا لتنظيم "انتخابات برلمانية"، متجاهلا أصوات ملايين السوريين النازحين في البلاد، واللاجئين في الخارج.

وفي غضون ذلك لم يبد منذ تاريخ اجتماع اللجنة الأول، وحتى الآن، أي موقف إيجابي على صعيد استئناف أعمال اللجنة الدستورية، فيما يصر على ضرورة انعقادها خارج جنيف، بزعم أنها "غير حيادية"، مؤيدا بذلك نظرة موسكو.

ويعتقد الكاتب والصحفي، المقيم في دمشق، عبد الحميد توفيق، أن "الجانب السوري لم يقدم حتى الآن استجابة لما يعلن من متطلبات أو شروط عربية، على كل الصعد".

ويوضح لموقع "الحرة" أن سبب ذلك "ذاتي"، ويتمثل بأن "السلطة السورية لا ترى أنها ملزمة في تقديم مثل هذه القضايا ولا تعتبر أنها الوحيدة المطلوب منها".

كما لا يريد النظام السوري أن يوحي بناء على واقع الحال في سوريا بأنه "ضعيف"، وفق توفيق.

ويشير الكاتب، من جانب آخر، إلى أن "ما يتحدث به بشار الأسد في كثير من الأحيان يؤكد على أن علاقات دمشق الأنجح والأفضل مع الدول العربية يجب أن تكون ذات طابع ثنائي وليس علاقات على مستوى جامعة الدول العربية".

ويبدو أن النظام يدرك هذا الأمر، ووفقا لتوفيق "يريد الأسد أن يحاكي مصالح كل دولة عربية على حدى وبما ترغب به".

"عامل عدم استقرار"

وقبل الاجتماع الثاني للجنة الاتصال العربية أعادت المملكة العربية السعودية فتح سفارتها في المقر الرئيسي بالعاصمة السورية دمشق.

لكن، وفي مقابل ذلك، لم يكن الزخم السعودي منسحبا على بقية الأطراف العربية التي يتولى وزرائها تنفيذ مهمة الحوار الخاصة باللجنة، كالأردن ومصر.

وفي حين أن ذلك يشي بتباين مواقف كل دولة على حدى مع النظام السوري وكما يؤكده الكاتب السوري توفيق سابقا يعتقد الخبير الأردني السبايلة أن المشهد يذهب باتجاه مغاير.

ويقول السبايلة إن "السعودية هي البلد الأهم في السياسة العربية والأثقل والأكبر، والقادرة على توجيه البوصلة"، وإن مشهد افتتاح سفارتها قبل أيام يشير إلى أن "فكرة ضم سوريا للمعسكر العربي ما تزال قائمة".

ومع ذلك يوضح أن "إحداث تغيير حقيقي عربي في العلاقة مع سوريا يظل صعبا اليوم، ولاسيما في ظل المناخ الموجود ومرحلة الحرب التي تعتبر البلاد أحد جبهاتها".

ومن الواضح، حتى الآن، أن النظام السوري وفي الجانب غير المعلن "استطاع إبقاء خطوط التواصل مع الجميع، وأن يقدم شيئا غير منظور، مما يعزز الإيمان لدى البعض من الدول العربية، في موضوع إخراج سوريا من عزلتها"، وفق السبايلة.

لكن الخبير الأردني يضيف أن "المسار سيكون تدريجيا، نظرا لظروف الحرب القائمة في المنطقة".

وتختلف وجهة نظر الكاتب والمحلل السياسي كوش عما أشار إليه السبايلة.

ويعتبر الكاتب أن "النظام يحاول أن يستثمر ويفتح بازار وهمّه الدائم البحث عن منقذ لإخراجه من الأزمة الاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرته".

وفي ذات الوقت فإن النظام "ليس مستعدا لأن ينخرط بأي حل، باعتبار أن تهريب الكبتاغون يؤمن له ولأزلامه ورموزه وحاشيته مبالغ خيالية"، بحسب كوش.

ويتابع: "بمعنى آخر.. النظام عامل عدم استقرار في المنطقة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك لأنه سينتهي وبالتالي هو لا يريد إنهاء نفسه بنفسه".

3 عوامل تُحكم مسار الاتصال

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حضر القمة العربية التي نظمت بشكل استثنائي في الرياض في نوفمبر الماضي، وألقى كلمة حينها أمام الزعماء العرب، أكد فيها أن الانتقال "من حضن لآخر" لا يعني تغيير "انتماء" الإنسان.

وبعدما شكك بفعالية جامعة الدول العربية، آنذاك، شدد على ضرورة تطوير آلية عماها ومراجعة ميثاقها ونظامها الداخلي، وتطوير آلياتها "تماشيا مع العصر"، على حد تعبيره.

ورغم حضوره مجددا في المنامة، مايو الماضي، لم يخصص له وقت لإلقاء الكلمة أمام الزعماء العرب.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي توفيق أن الواقع يشير إلى أن مجريات العلاقة السورية العربية محكومة بـ3 عوامل.

ويوضح أن الأول "سوري ذاتي داخلي مرتبط بالسلطة السورية والدولة والقيادة".

ويتمثل الثاني، وهو "موضوعي"، بعدم قدرة أي طرف عربي على اتخاذ موقف مشترك، باستثناء الذي تم التعبير عنه شكليا عندما عادت دمشق لمقعدها في الجامعة العربية.

ويتابع توفيق، من نقطة ثالثة، أنه يوجد "عامل آخر حقيقي وواقعي ويحرك كل ما سبق، ويرتبط بالولايات المتحدة  وصراعها القائم مع روسيا في كل ساحات العالم".

وفيما يتعلق بخطوة فتح السفارة السعودية، يعتقد توفيق، المقيم في دمشق، أنه دليل على أن "العلاقات السياسية تنمو وتطرد".

لكنه في المقابل يقول إن الخطوة أمام "سؤال كبير.. ماذا بعد؟ وهل يمكن للسعودية أن تقدم احتياجات تراها سوريا مهمة".

وبالإضافة إلى ما سبق، يبرز سؤال أكبر بحسب تعبير الكاتب السوري هو: هل تستطيع الرياض أن تقدم لدمشق أو تتبنى مواقف قادرة على محاكاة الأميركيين وتليين موقف واشنطن؟

ولا يرى المتحدث "آفاقا كبيرة وواعدة في الاتجاه المذكور، باستثناء احتمال وجود علاقات ثنائية لن تصل لمراحل متقدمة يتمناها الشعب السوري ويبنى عليها أو أن تكون نقطة تحول على الساحة السورية".

"تكتيك"

ومن جهته يوضح الخبير الأردني السبايلة أن ما يفعله النظام عبارة عن "تكتيك".

ويقول إن (الأسد) "يعلم أن إيران لا تستطيع أن تقدمه للمجتمع الدولي وترفع عنه العقوبات، بل تعمّق أزمته".

وبالتالي فإن النظام السوري "بحاجة لنوع من التوازن، لأن الدول العربية وعودته للجامعة جعلت له مساحة لفكرة الانتقال للحديث مع المجتمع الدولي وإزالة العقوبات".

ويضيف السبايلة: "النظام يعلم أن مصلحته الحقيقة في فك العزلة مع الدول العربية وليس مع إيران غير القادرة على مساعدته، ويمارس أيضا ذات السياسة مع تركيا لكن وفقا لشروطه ومصالحه".

والموقف السوري المتعلق بإيران سواء قبل 2011 وما بعد هذا العام ما يزال على حاله، وفق حديث الكاتب توفيق.

ويوضح الكاتب أن "دمشق الآن ما زالت على ثوابتها، ولا تبد أي مرونة في التوجه العربي بالابتعاد عن إيران، لأنها تعتبر ذلك جزءا أساسيا من قرارها السيادي والسياسي".