الجنود الفرنسيين كانوا في النيجر في إطار الحرب ضد الإرهاب
الجنود الفرنسيين كانوا في النيجر في إطار الحرب ضد الإرهاب

بأكثر من تقرير ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" أن "تركيا نقلت دفعات من المرتزقة السوريين" تضم المئات من العناصر إلى النيجر، وقال الأربعاء إن "9 منهم قتلوا في معارك" هناك، دون أن يورد تفاصيل عن ماهية القتال ومجرياته والأطراف التي شاركت فيه.

يبلغ عدد أولئك العناصر 550 عنصرا حسب تقارير "المرصد السوري"، واللافت أن المعلومات التي نشرها حولهم تأتي بالتزامن مع مواصلة روسيا الزج بقوات هناك، ضمن خطوات تصاعدت بالتدريج منذ الانقلاب الذي شهدته النيجر، العام الماضي.

وأطاح الانقلاب العسكري بالرئيس المنتخب محمد بازوم في نهاية يوليو 2023، وأدى إلى قلب التحالفات في غرب أفريقيا رأسا على عقب، كما وجه ضربة إلى "المبادئ الديمقراطية في المنطقة"، وفق ورقة بحثية لـ"مجموعة الأزمات الدولية".

وفي أعقاب تنفيذه سارع العسكريون الذين استولوا على السلطة إلى المطالبة برحيل الجنود الفرنسيين (نحو 1500 جندي تم نشرهم لمحاربة المتطرفين)، وألغوا العديد من الاتفاقيات العسكرية المبرمة مع باريس.

وغادر آخر الجنود الفرنسيين، المنتشرين في النيجر في إطار الحرب ضد الإرهاب، البلاد في 22 ديسمبر 2023، وبعدما أظهر العسكريون انزعاجا بشأن الوجود الأميركي ألغوا الاتفاق الذي يربط البلد الواقع في غرب أفريقيا مع واشنطن في مارس الماضي.

ووصلت آخر التطورات إلى حد دخول قوات روسية إلى القاعدة الجوية 101 المجاورة لمطار "ديوري حماني" الدولي في نيامي عاصمة النيجر، والتي تستضيف قوات أميركية منذ سنوات، في إطار الحرب ضد الإرهاب.

لماذا العين على النيجر؟

من الناحية الجغرافية تعتبر النيجر أكبر دولة في غرب أفريقيا، وكانت قبل الانقلاب العسكري تستضيف قواعد عسكرية فرنسية وأميركية، وينظر إليها على أنها شريك أساسي ورئيسي في الحرب ضد الإرهاب في منطقة الساحل.

لكن محطة يوليو 2023 غيّرت كل شيء، وجاءت في أعقاب استسلام جاراتها مالي وبوركينا فاسو للانقلابات العسكرية أيضا، ليفتح الباب بعد ذلك على مصراعيه أمام التمدد الروسي في المنطقة، حسبما تشير إليه مراكز أبحاث غربية وتطورات على الأرض.

وبدأت روسيا بنقل الكثير من قوات "فاغنر" إلى الدول التي شهدت انقلابات، وآخرها النيجر، وفي آخر إعلان رسمي في أبريل الماضي قال تلفزيون "آر.تي.إن" الرسمي في الدولة الواقعة غرب أفريقيا إن "مدربين عسكريين روسا وصلوا على طائرة محملة بعتاد عسكري".

وأشار التلفزيون إلى اتفاق بين المجلس العسكري في النيجر والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين "لتعزيز التعاون"، كما بث لقطات لطائرة شحن عسكرية، وهي تفرغ عتادا بينما وقف أشخاص بزي عسكري بجانبها.

ويوضح الباحث في الشأن السياسي الأفريقي، حمدي جوارا لموقع "الحرة" أن دفعة المدربين الروس الأخيرة التي وصلت إلى النيجر هي الثانية من نوعها، ورافقها عتاد عسكري ومعدات ونظام مضاد للطائرات. 

ويقول لموقع "الحرة": "العلاقة الآن يمكن وصفها بشهر العسل"، وتأتي في إطار "ملء الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الفرنسية والأميركية".

والروس ليسوا الوحيدين الذين وضعوا أعينهم على النيجر في أعقاب الانقلاب، بل كان للأتراك نصيب من ذلك وكذلك الصين وإيران، حسب صحيفة "وول ستريت جورنال" وخبراء تحدثوا لموقع "الحرة".

لكن يكمن الاختلاف بماهية التحركات الخاصة بكل دولة عن الأخرى.

ورغم أن تركيا تشترك بعدة اتفاقيات معلنة مع النيجر، ووقعتها قبل حصول الانقلاب وبعده لا تنص إحداها على نشر جنود لها على الأرض أو حتى إنشاء قواعد والتواجد فيها.

ولذلك تثير التقارير التي نشرها "المرصد السوري" تساؤلات عن الهدف من إرسال "المرتزقة السوريين" إلى هناك، وطبيعة العمل الموكل لهم، وهو ما لم يتضح حتى الآن، رغم أنه تم تطبيق ذلك في ساحات سابقة، كليبيا وأذربيجان.

ما قصة "المرتزقة"؟

ويقول الأكاديمي والدبلوماسي النيجري السابق، الدكتور علي تاسع إن التقارير المتعلقة بوصول "مرتزقة سوريين إلى النيجر" غير صحيحة"، ويردف: "النيجر ليست بحاجة لأي مقاتل، بل لتكوين عسكري ومعدات وآليات عسكرية".

وعندما ذهب رئيس وزراء النيجر، علي لامين زين إلى أنقرة في فبراير 2024 (أي بعد حصول الانقلاب) "لم يطلب من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أي شيء"، حسب تاسع.

ويضيف الدبلوماسي النيجري السابق لموقع "الحرة" أن علي لامين زين "زار مصانع الطائرات المسيرة والسيارات المدرعة ومصانع المقاتلات".

وكانت زيارته قبل ثلاثة أشهر "بهدف تنويع علاقات النيجر مع الدول"، وبينها روسيا وإيران والهند وباكستان.

وتابع تاسع أن "أي دولة يمكنها أن تساعد النيجر في التكوين العسكري والاتفاقيات العسكرية التي ستكون في صالح البلدين فإننا سنرحب ذلك".

من جهته يشير الباحث في الشأن السياسي الأفريقي، حمدي جوارا إلى أن "الأتراك يهتمون بالعلاقة مع النيجر، وخاصة فيما يتعلق بشراء الطائرات القتالية بدون طيار".

ويرى أن الاهتمام الكبير الذي توليه الدول بينها تركيا وروسيا له دوافع تتعلق بـ"المعادن الموجودة فيها، والمعروفة لدى الجميع".

وبالتالي "يحاولون عقد صفقات للاستفادة منها، ولاسيما فيما يتعلق باليورانيوم والليثيوم"، كما أنه وبحسب جوارا باتت "النيجر من الأسواق البارزة التي تصدر البترول".

ويضيف أن "هناك توقع عن نمو العلاقات الجديدة أكثر فأكثر"، وأن "تتجه النيجر لعقد شراكات مع دول أخرى مثل الصين ودول آسيا وربما دول عربية".

ومن الناحية الاقتصادية تعتبر النيجر من الأراضي الغنية باليورانيوم، وتنتج 7 بالمئة من إجمالي الإمدادات العالمية. 

ويحتل المعدن المشع مكانة كبيرة في اقتصاد البلاد لدرجة أن أحد أعظم الشوارع في العاصمة، نيامي، يسمى بـ"شارع اليورانيوم".

لكن ورغم ذلك يصنف شعب النيجر باستمرار على أنه يتمتع بأدنى مستويات المعيشة في أي مكان في العالم، ودائما ما يكون "البؤس" ملازم لوجه أفراده هناك.

"تحديات أمنية مفتوحة"

وفق حديث الأكاديمي، علي تاسع فإن "الأوضاع باتت هادئة في النيجر منذ الانقلاب الذي حصل في 26 من يوليو العام الماضي".

وبعدما كان هناك "هزات ومطبات مع دول الإيكواس وفرنسا وغيرها من الدول  الأوروبية عادت تلك الدول إلى رشدها، وعرفت أن شأن النيجر لا يخص إلا النيجريين".

ومع ذلك، يؤكد مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها أن النيجر تواجه مجموعة من التحديات الأمنية، مع انتشار مسلحي تنظيم "داعش" الإرهابي، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي في مناطق متفرقة من البلاد.

وكانت النيجر التي تُعدّ الحليف الرئيسي للدول الغربية في منطقة الساحل، حتى وقت قريب، استثناء بين مجموعة دول منطقة الساحل التي قوّضها عنف الجماعات المسلّحة ونزعة استبدادية مع ميل نحو روسيا، حسب وكالة "فرانس برس".

غير أنه على وقع سيطرة المجلس العسكري على البلاد، قدم رئيس الحرس الرئاسي في النيجر الجنرال عبد الرحمن تشياني نفسه على أنه "رئيس المجلس الوطني لحماية الوطن"، وقرر إلغاء اتفاق عسكري مع فرنسا بعد أيام من الانقلاب، ثم تلا ذلك بعد 7 أشهر إلغاء اتفاقا عسكريا آخرا مع الولايات المتحدة.

وقُتل 23 جنديا في النيجر في "كمين" نصبه تنظيم داعش خلال "عملية تمشيط" نفّذها الجيش في غرب البلاد، حسبما أعلنت وزارة الدفاع، في مارس 2024. وجاءت هذه الحادثة ضمن سلسلة هجمات ما تزال مستمرة حتى الآن.
 ووقع الهجوم في منطقة تيلابيري الواقعة في ما يسمى بمنطقة "المثلث الحدودي" بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو والمعروفة بأنّها معقل للجهاديين في منطقة الساحل.

ويوضح مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها، وهي جماعة مراقبة مقرها الولايات المتحدة أيضا أن النيجر شهدت خلال الفترة من 22 مارس 2023 حتى 22 مارس 2024، سقوط نحو 8,789 حالة وفاة نتيجة الصراعات، بما في ذلك المعارك وأعمال العنف والانفجارات والعنف ضد المدنيين.

كما تصدر "تنظيم داعش- ولاية غرب إفريقيا" المتمركز بشكل أساسي في نيجيريا وجنوب شرق النيجر، معظم الإعلانات الصادرة عن إدارة الإعلام المركزية لـ"داعش" حول مسؤولية التنظيم عن 1121 هجوما منذ مارس 2023، حسبما ذكر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في تقرير حديث.

كيف يتحرك الروس؟

حتى الآن لا تعرف ماهية العلاقة الأمنية والعسكرية التي ستمضي بها النيجر مع روسيا، وخاصة في ظل التهديدات الأمنية القادمة من "المثلث الأخطر في العالم" كما يصفه الخبراء، في إشارة إلى منطقة تيلابيري.

وكذلك الأمر بالنسبة لبقية الدول التي بدأت النيجر بنسج علاقاتها معها، لاعتبارات أمنية وعسكرية في المقام الأول.

وتقدم روسيا عبر مرتزقة "فاغنر" خدمات للأنظمة التي تواجه صعوبات، مثلما الأمر في مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، حتى باتت المجموعة جزءا مهما من نفوذ الكرملين في أفريقيا، حسب تقرير سابق لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.

وتقوم المجموعة شبه العسكرية الروسية بحماية السلطة القائمة وتعرض تدريبات عسكرية أو حتى نصائح قانونية لإعادة صياغة الدستور.

وتتقاضى أجرها من الموارد المحلية لا سيما مناجم الذهب ومعادن أخرى، وفقا تقارير سابقة لوكالة "فرانس برس".

"تركيا قبل بازوم وبعده"

في المقابل وبالنظر إلى العلاقة بين النيجر وتركيا يتضح أنها تندرج ضمن الأهمية التي توليها الأخيرة لجميع الدول الواقعة في القارة الإفريقية.

وعلى مدى السنوات الماضية تردد ذكر تركيا وطائراتها المسيرة في إفريقيا، وخاصة في أثيوبيا وفي توغو الواقعة غربا.

وكانت دولة توغو قد تسلمت شحنة من طائرات "بيرقدار"، في ظل مكافحتها تسلل المقاتلين الجهاديين الذين ينتقلون جنوبا من بوركينا فاسو.

وفي مايو 2022 حصلت النيجر على نصف دزينة من هذه الطائرات متعددة الاستخدامات وبأسعار معقولة لعملياتها العسكرية ضد الجماعات المتمردة في منطقة الساحل جنوب الصحراء الكبرى وحول بحيرة تشاد.

وتتمتع تركيا بعلاقات قوية مع النيجر، وينسحب ذلك على الفترة التي سبقت الانقلاب والتي تلته. ولم تؤثر التطورات التي عاشتها الدولة الواقعة في غرب إفريقيا على أي مسار، حسب وسائل إعلام تركية وتصريحات رسمية.

ما فحوى الاتفاقيات مع الأتراك؟

بالعودة إلى الوراء وبعد مكالمته الهاتفية مع الرئيس النيجري المخلوع، محمد بازوم في نوفمبر 2021، صرح إردوغان أن قدرة القوات العسكرية والأمنية في النيجر ستزداد مع شراء طائرات "بيرقدار" والمركبات المدرعة من تركيا.

وبعد لقائه رئيس وزراء النيجر، علي لامين زين في أنقرة قبل ثلاثة أشهر عبّر إردوغان عن "دعم تركيا للخطوات الرامية إلى تعزيز استقلال النيجر السياسي والعسكري والاقتصادي".

كما صرح بأن بلاده "تقف ضد التدخلات العسكرية الأجنبية التي تلحق الضرر بشعب النيجر وستواصل القيام بذلك"، وتطرق بحديثه إلى الاتفاقيات المشتركة و"الحرب ضد الإرهاب".

ولا تشترك تركيا مع النيجر بالمسار العسكري والأمني والتدريب العسكري فحسب، بل يذهب إلى التبادل التجاري في قطاعات أخرى، واتفاقيات على صعيد التنقيب عن المعادن.

وبحسب البيانات الرسمية التركية، انخفض حجم التجارة الثنائية الذي كان 72 مليون دولار عام 2019 إلى 58 مليون دولار عام 2020 بسبب تأثير وباء كوفيد-19.

وعاود الارتفاع مرة أخرى عام 2021 ليصل إلى 85 مليون دولار أمريكي، مع تراجع تأثير الوباء.

وفي عام 2022 زاد حجم التجارة 3 مرات تقريبا ليصل إلى 203 ملايين دولار، وفق معهد الإحصاء التركي.

وكان وزير الطاقة التركي السابق، فاتح دونماز قد أشار في 2020 إلى أن "تركيا ستقوم بالتنقيب في ثلاثة حقول تعدين في النيجر، هي كولباغا-1، كولباغا-2 ودارس سلام-2 في جنوب غرب".

وأضاف حسب وكالة "الأناضول": "نحن نخطط للانتقال إلى مرحلة إنتاج الخام، الأمر الذي سيزيد من فرص العمل والقوى العاملة لكلا البلدين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.