صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

استقالات متزايدة وتسرب وظيفي مرتفع يشهده القطاع الحكومي في مناطق النظام السوري، لأسباب اقتصادية يتعلق معظمها بضعف الرواتب والتعويضات مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، ما تسبب بنزيف غير مسبوق للموارد البشرية في القطاع العام، وأثر سلباً على كفاءة وفاعلية العمل.

"بعد أن كانت بيئة العمل الحكومي جاذبة للموظفين وفرصة يحلم بها الكثيرون، أصبح حلمنا اليوم أن تُقبل استقالتنا وأن نُعفى من هذا العمل الذي لا يطعم خبزا"، يقول حازم  بلوري (42 عاماً) العامل في وزارة المالية، مبينا أنه تقدم باستقالته ثلاث مرات، لكنها رُفضت بسبب النقص الكبير في الموظفين الذين استقالوا سابقا، أو تركوا العمل دون استقالة، غير آبهين بما يحمله ذلك من محاسبة وعقوبة بموجب القانون السوري.

وكانت حكومة النظام منعت العاملين في مؤسساتها من تقديم استقالاتهم بعد تزايد طلبات الاستقالة، واضعة شروطاً شبه تعجيزية لقبولها، بينها اشتراط الحصول على موافقات أمنية.

يَعتبر القانون السوري أن ترك العمل في مؤسسات الدولة من دون استقالة رسمية، جرماً  يعاقب عليه القانون. فالمادة (364) من قانون العقوبات تنص على "المعاقبة بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة، لكل من يترك عمله، أو ينقطع عنه، من العاملين في الوزارات أو الإدارات أو المؤسسات أو الهيئات العامة، أو البلديات، أو المؤسسات البلدية، أو أي جهة من جهات القطاع العام أو المشترك، قبل صدور الصك القاضي بقبول استقالته من المَرجِع المختص".

 

"رشاوى" مقابل الاستقالة

يقول محمد. ح الذي تحفظ على ذكر كنيته، إنه "اضطر لدفع رشوة حتى تُقبل استقالته، بعد أن حاول مرارا وتكرارا تقديمها دون جدوى".

"راتبي الحكومي لم يكن يكفي كلفة المواصلات أو مصاريف أسبوع واحد، فكنت أعكل في أكثر من وظيفة لإعالة أسرتي" يضيف محمد (39 عاما) لـ"ارفع صوتك".

يتابع: "لم تُفلح جميع محاولاتي، حتى دفعت مبلغا كبيرا استدنته من أقاربي، وكان يوم قبول استقالتي أفضل ما حصل لي هذا العام، وأنا الآن خارج سوريا وموظف براتب أعلى ب 40 ضعفاً من راتبي السابق".

المدرّس أسعد (فضّل عدم ذكر اسمه الكامل) المتعاقد مع وزارة التربية التابعة لحكومة النظام، ما زال يسعى للاستقالة، يقول لـ"ارفع صوتك" إن الكثير من زملائه استقالوا ويعملون حالياً في مدارس خاصة برواتب أفضل، وبعضهم ترك العمل ولجأ للدروس الخصوصية التي تؤمن دخلاً يومياً يوازي راتب شهر كامل وأكثر.

من جهته، يوضح زياد (فضّل عدم ذكر اسمه الكامل)، وهو مسؤول الموارد البشرية في أحد المؤسسات الحكومية، أن الوزارة التي يعمل بها "تشهد ظاهرة تسرب كبير من الموظفين الإداريين والفنيين، بالإضافة إلى استقالات جماعية".

"هناك حالة من اليأس والإحباط بين العاملين بسبب  ضعف الرواتب"، يؤكد زياد.

ويُلفت إلى أن التسرب ليس حكرا على قطاع بذاته، فهو "ظاهرة عامة في مختلف القطاعات الحكومية، أدى إلى عرقلة الأعمال، وسيتسبب بتوقفها مستقبلا ما لم تعمد الحكومة إلى تصحيح الرواتب ومنح البدلات والحوافز لتشجيع الموظفين على البقاء في وظائفهم" بحسب تعبيره.

يتكرر الأمر ذاته في وزارة الصحة التي تعاني نزيفاً حادا تمثل باستقالة وهجرة كوادر طبية وتمريضية بالإضافة لتقنيي الأشعة والمختبر.

يقول تقني الأشعة أدهم قلعجي الذي قدم استقالته منذ شهرين وغادر إلى العراق  "لن يبقى أحد، كل من يستطيع المغادرة سيفعلها، لأنه لا يبدو أن هناك أي حلول في الأفق، والوضع مستمر في التدهور".

الأمر ذاته بالنسبة لوزارة النقل، حيث صرّح رئيس نقابة عمال النقل البحري والجوي في اللاذقية سمير حيدر، لصحيفة "تشرين" المحلية، بأن الظروف المعيشية للعامل صعبة جداً، وراتبه لا يكفي أجور النقل والحاجات الضرورية جداً لعائلته".

وأكد حدوث "الكثير من الاستقالات في القطاع البحري وبين المهندسين"، مضيفاً "بعد أعوام قليلة لن يكون هناك عمال لديهم خبرة في العمل البحري سواء في التوكيلات الملاحية، أو النقل البحري، أو الموانئ".

 

اتجاه للتأنيث

يشهد القطاع الحكومي في مناطق سيطرة النظام السوري تزايدا في العنصر النسائي مقابل التسرب الكبير للذكور. تقول هناء بيازيد العاملة في منشأة تابعة لوزارة الزراعة، إن "معظم العاملين من النساء".

"فغالبية الذكور تقدموا باستقالاتهم ومن بقي هم من كبار السن وعلى مشارف التقاعد، إذ غادر الشبان للبحث عن مصدر دخل أفضل من راتب القطاع العام، الذي يتراوح بين 200 و250 ألف ليرة شهرياً كحد أقصى (17دولاراً) تقريبا، ويستحيل على الشاب أن يفتح بيتا براتب كهذا"، توضح هناء لـ"ارفع صوتك".

وأفادت دراسة نشرها المعهد الوطني للإدارة العامة (INA) في أبريل الماضي، أن أكثر من 50% من موظفي ست وزارات، تسرّبوا، خلال الفترة (2010- 2022).

وقالت إن نسبة التسرب في خمس وزارات بلغت أكثر من 50% وأن التسرب الأكبر كان لدى الذكور، إذ تراوح ما بين ضعفين وخمسة أضعاف مقارنة بالإناث.

كما أشارت الدراسة إلى وجود زيادة في عدد الإناث داخل وزارات النفط والثروة المعدنية والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، والكهرباء، والتربية، والداخلية، والمالية.

واعتبرت أن قوة العمل تتجه نحو التأنيث، لأن معدل التسرب لدى الذكور بشكل عام بلغ 32.7% من مؤسسات القطاع الحكومي والعام، وبلغت الزيادة في الإناث نسبة 9.7%.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".