FILE PHOTO: Children in al-Hol camp in Jan, 2020
متوسط الأجور الشهرية في سوريا يتراوح بين 15 و20 دولارا أميركيا حسب بعض التقديرات

أكد خبراء اقتصاديون لموقع "الحرة"، أن التقرير الذي أصدره "البنك الدولي"، مؤخرا، بشأن الأوضاع الاقتصادية في سوريا بعد مرور نحو 13 عاما على الأزمة الدامية التي تعيشها البلاد، "متحفظ للغاية، ولا يعكس مدى سوء الأوضاع التي وصل إليها الناس" في ذلك البلد العربي.

ووفقا للتقرير الدولي الذي نُشر قبل بضعة أيام، فإن "أكثر من ربع السوريين يعيشون في فقر مدقع"، مما أدى إلى أزمات اقتصادية متلاحقة، وجعل ملايين السكان عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الرئيسية.

وقال البنك الدولي، الذي نشر تقريرين عن سوريا: "أدى أكثر من عقد من النزاع إلى تدهور كبير في رفاه الأسر السورية"، مشيراً إلى أن "27 في المئة من السوريين، أي نحو 5,7 ملايين نسمة، يعيشون في فقر مدقع"، حسب وكالة فرانس برس.

وأضاف: "على الرغم من عدم وجود الفقر المدقع فعلياً قبل اندلاع الصراع، لكنه طال أكثر من واحد من كل 4 سوريين عام 2022، وربما زاد حدة وشدة بسبب الآثار المدمرة لزلزال فبراير 2023"، الذي أودى بحياة نحو 6 آلاف شخص.

وكانت تقديرات سابقة للأمم المتحدة قد ذكرت أن "مليوني سوري يعيشون في فقر مدقع" بعد عقد من الحرب، فيما يرزح "غالبية السوريين" تحت خط الفقر.

وفي هذا الصدد، أوضح المستشار الاقتصادي الدولي، أسامة قاضي، في حديث إلى موقع "الحرة"، أن السوريين "معتادون على الفقر في ظل حكم حزب البعث، الذي يمسك بمقاليد السلطة منذ أكثر من 5 عقود عجاف"، على حد قوله.

وتابع الأكاديمي الذي درّس علوم الاقتصاد في عدة جامعات: "عام 2004، وحسب الأرقام الرسمية، فإن حوالي 34 بالمئة من السوريين كانوا تحت خط الفقر، وهذا قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية بنحو 9 أعوام".

وزاد: "في عام 2011، أصبح أكثر من نصف السوريين تحت خط الفقر المدقع، وكان ذلك واحدا من العوامل التي أدت إلى تفجر الثورة ضد النظام الحاكم في دمشق".

ونوه قاضي بـ"الظلم الاقتصادي" الذي كان يتعرض له الشعب، موضحا: "نسبة الطبقة الوسطى في البلاد كانت تتناقص بنسبة 7 إلى 9 بالمئة سنويا منذ عام 2005، واليوم في سنة 2024 وبعد مرور 14 عاما على الثورة، بات السوريون يتوزعون في 3 مناطق نفوذ مختلفة، ومعظمهم تحت خط الفقر".

من جانبه، رأى مدير مركز "حرمون للدراسات المعاصرة"، سمير سعيفان، في تصريحات لموقع "الحرة": "رغم عدم وجود مسوح دقيقة بشأن معدلات الفقر في سوريا، فإن البنك الدولي يقدر أن 25 في المئة من الشعب السوري تحت خط الفقر المدقع، لكن حتى هذه النسبة المرتفعة تعكس الوضع جزئيًا فقط، فمعدلات الفقر في سوريا بمناطق سيطرة النظام، تبلغ نحو 80 بالمئة، حسب تقارير وتقديرات دولية".

وأضاف الخبير الاقتصادي: "تقارب معدلات الفقر المدقع نسبة 50 بالمئة من السكان، حيث لا تزيد معدلات معظم الرواتب عن 25 إلى 50 دولار في الشهر، وبالتالي يمكن اعتبار أية أسرة تعتمد على الراتب أو الأجر اليومي أو الأسبوعي، أنها تقع تحت خط الفقر المدقع، ويشكل هؤلاء معظم قوة العمل السورية، وهذا الوضع هو نتيجة للحرب المستمرة منذ 13 عاما".

وفي نفس السياق، أوضح الإعلامي والحقوقي المختص بالقضايا السياسية والاقتصادية بسوريا، عبد الكريم الثلجي، لموقع "الحرة"، أن "الإحصائية التي أوردها البنك الدولي غير صحيحة، فنحن نأخذ بحد الفقر الأدنى الذي وضعه البنك الدولي، حيث يحصل الشخص الواحد على 1,2 دولارا يوميا، ليكون على تلك العتبة، وبالتالي فإن عائلة المكونة من 4 أشخاص، ستحتاج 210 دولارات شهريا، وهذا أجر لا يحصل عليه معظم الناس في مناطق سيطرة النظام والمعارضة على حد سواء".

وشدد الثلجي على أن "معظم الرواتب في مناطق النظام هي بحدود 30 دولارا شهريا، وترتفع لتصل إلى نحو 200 دولار في المناطق الأخرى، وبالتالي لا أحد ممن يحصل على هذه الأجور قد تجاوز عتبة الفقر".

وتابع: "مقولة ربع السكان في حالة فقر مدقع هي مقولة خاطئة.. إذا حسبنا انتشار البطالة بنسبة 80 بالمئة، فأجرة العامل اليومية في (المناطق المحررة) لا تتجاوز 200 ليرة تركية في أحسن أحوالها (6 دولارات أميركية).. وعليه فالأصح أن يقال إن ثلاثة أرباع السكان في حالة فقر مدقع".

وهو نفس الأمر الذي ذهب إليه المستشار الاقتصادي، أسامة قاضي، عندما قال: "السوريون منقسمين إلى فئتين، الأولى فقيرة والثانية تعيش تحت وطأة الفقر المدقع، مع وجود نسبة لا تتجاوز 2 أو 3 بالمئة تعيش في حالة ميسورة، وذلك إما لأن أفرادها كانوا بالأساس أغنياء لكنهم أصبحوا أقل ثراء بعد الحرب، أو لأنهم مرتبطين بشبكات الفساد والسرقة والمخدرات التابعة للنظام وأعوانه". 

"عوامل خارجية"

وأورد البنك الدولي عدة أسباب خارجية ساهمت في "تراجع رفاه الأسر السورية" مؤخراً، بينها الأزمة المالية التي تعصف منذ عام 2019 بلبنان المجاور، حيث يودع سوريون كثر أموالهم، إضافة الى تداعيات كل من جائحة كوفيد-19، والغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في أواخر فبراير 2022.

ونبّه التقرير إلى أن "استمرار النقص في التمويل ومحدودية المساعدات الإنسانية" إلى البلاد، أديا إلى "زيادة استنزاف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية وسط ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات الأساسية، وزيادة معدلات البطالة".

وتشهد سوريا منذ عام 2011 نزاعاً دامياً تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص، وألحق دماراً واسعاً بالبنى التحتية واستنزف الاقتصاد ومقدراته، كما شرّد وهجّر أكثر من نصف عدد السكان داخل البلاد وخارجها.

ولم تحصل خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في سوريا لعام 2024 إلا على 6 في المئة فقط من الاعتمادات المطلوبة، المقدرة بأكثر من 4 مليارات دولار، وفق الأمم المتحدة.

وأصبح عدد كبير من السوريين يعتمد، حسب البنك الدولي، على التحويلات المالية من الخارج، التي "تمثل شريان حياة بالغ الأهمية"، مقدراً قيمتها الإجمالية عام 2022 بنحو 1,05 مليار دولار، في وقت تُقدّر قيمة الناتج الإجمالي المحلي لسوريا لعام 2023، بـ6,2 مليارات دولار.

وتوقع البنك الدولي مع تعرض "إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لحالة غير مسبوقة من عدم اليقين"، أن "ينكمش بنسبة 1,5 في المئة عام 2024، إضافة إلى التراجع الذي بلغ 1,2 في المئة خلال السنة الماضية".

ورجح كذلك أن "يبقى التضخم مرتفعاً في عام 2024 بسبب الآثار الناجمة عن انخفاض قيمة العملة، فضلاً عن العجز المستمر في أرصدة العملات الأجنبية، واحتمال إجراء مزيد من الخفض في دعم الغذاء والوقود".

ولدى سؤاله عن تفشي ظاهرة الفقر المدقع في المناطق التي يسيطر عليها النظام، أجاب سعيفان: "هي المناطق الأشد معاناة مقارنة بمناطق شمالي سوريا الخارجة عن سيطرة (رئيس النظام بشار) الأسد، حيث تعد مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية هي الأفضل اقتصاديًا بحكم موارد النفط التي تتركز في المنطقة، إضافة إلى كونها مناطق زراعية وعدد سكانها قليل بعد هجرة ونزوح جزء كبير منهم".

وزاد: "الأوضاع في شمال غرب سوريا حيث يسيطر الجيش الوطني المعارض بدعم تركي، وحيث تسيطر هيئة تحرير الشام على محافظة إدلب، صعبة بسبب اكتظاظ السكان، حيث يعيش قرابة 5 مليون في رقعة صغيرة، كما أن 1,8 مليون نسمة يعيشون في الخيام ضمن ظروف تفتقد لأبسط مقومات الحياة".

"نحو الأسوأ"

أما بالنسبة للعوامل التي تقف وراء ذلك، فقال: "الحرب دمرت القدرات الاقتصادية لسوريا، وحوّلت الموارد المادية والبشرية نحو تمويل القتال، كما أن اتساع رقعة سيطرة النظام بعد عام 2017، وتزايد أعداد السكان بالمناطق تحت سيطرته، أدى إلى تزايد الأعباء المالية".

وشدد على أن النظام "يصر على الاحتفاظ بجيش ضخم وأجهزة أمن كبيرة تلتهم الكثير من الموارد الشحيحة، ناهيك عن احتفاظه بمؤسسات دولة متهالكة وقطاع عام كبير مترهل غير منتج، إضافة إلى تدني كفاءة جهازه الإداري والاقتصادي".

وأشار أيضا إلى أن "هجرة الكوادر الشبابية والمهنية والعملية المستمرة استنزفت القدرات البشرية لقوة العمل السورية"، مردفا: "يضاف إلى ذلك الطبيعة المافيوية الريعية للنظام الاقتصادي والإداري والسياسي القائم، الذي يحوّل الموارد إلى جيوب مجموعة صغيرة من الفاسدين، لذلك نرى التناقض الفاضح بين الفقر المدقع وبين الثراء الفاحش والبذخ الوقح من قبل حفنة حاكمة ومن يلوذ لها".

وإضافة إلى ما تم ذكره سابقا، رأى الثلجي أن "هروب العديد من رجال الأعمال وأصحاب المنشآت الاقتصادية إلى خارج البلاد، أدى لانتشار البطالة والفقر بين الناس في مناطق النظام".

ونوه بأن مغادرة رجال المال والاقتصاد البلاد "يعود إلى قوانين منع التعامل بالدولار، والإتاوات التي تفرضها جهات عديدة، مما جعلهم يهربون بأموالهم وينقلون استثماراتهم إلى خارج سوريا".

أما بالنسبة للمناطق في شمال غرب سوريا، فأوضح الثلجي أن هناك "حرية اقتصادية أكثر وإمكانية تحسن أفضل لأوضاع السكان، حيث لا توجد قيود مفروضة كتلك في مناطق النظام، مع التنويه بأن معظم الناس يعيشون تحت خط الفقر، خاصة مع ارتفاع نسبة النازحين، حيث يوجد 2,3 مليون نازح، بينهم 1,9 مليون يعيشون في المخيمات، وفق إحصائية للأمم المتحدة".

كما نبّه إلى أن النازحين "يعيشون في فقر مدقع، إذ تم قطع المساعدات الإنسانية عن 300 ألف نسمة منذ بداية العام الحالي، وبالتالي زادت نسبة الفقر".

وفيما إذا كانت العقوبات المفروضة على النظام وأركانه تؤثر على الأوضاع الاقتصادية، أجاب سعيفان: "العقوبات الأميركية والأوروبية تسهم في الأزمة الاقتصادية، لكنها ليست السبب الرئيسي، بل إن هناك أسبابا أكثر أهمية، والعقوبات في الأساس هي جزء من الأزمة، وستبقى ما بقي النظام متمسكًا برفض أي حل سياسي". 

وخلص الاستشاري الاقتصادي أسامة قاضي، إلى أنه في حال طالت الأزمة "فإن الأمور ستزداد وبالا وقسوة بالنسبة للفقراء، وذلك مع انهيار المنظومة الصحية ودمار البنية التحتية، والفلتان الأمني في العديد من المناطق، ناهيك عن التسرب المدرسي الكبير وانتشار الجهل والأمية".

وختم بالقول: "لا يوجد لدى المجتمع الدولي استراتيجية حقيقية لإنقاذ سوريا، ومن هنا طرحنا في (التحالف العربي الديمقراطي)، بالتعاون مع منظمة (غلوبل جستس) الأميركية- السورية، وهيئة (الكتلة الوطنية السورية)، مبادرة (توحيد سوريا) كحل إبداعي للخروج من هذه الأزمة الخانقة".

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.