من مظاهرات أهالي إدلب ضد قيادة "هيئة تحرير الشام" خلال مارس الماضي- فرانس برس
من مظاهرات أهالي إدلب ضد قيادة "هيئة تحرير الشام" خلال مارس الماضي- فرانس برس

تجاوزت الاحتجاجات المُناهضة لـ"هيئة تحرير الشام" في إدلب ثلاثة أشهر، مع اتّساع رقعة الحراك الشعبي وإصراره على تحقيق مطالبه كافّة، في ظلّ استخدام عناصر الهيئة القوّة لتفريق بعض المظاهرات.

ومنذ مارس الماضي، يخرج مئات السوريين في مدن وبلدات إدلب وريف حلب، في مظاهرات تطالب بإسقاط زعيم الهيئة المعروف بـ"أبو محمد الجولاني"، في تعبير عن غضب شعبي متصاعد من سياساتها خلال السنوات الماضية، سواء على الصعيد الداخلي أو العسكري.

وتركّزت أهمّ مطالب المُحتجّين حول ممارسات "جهاز الأمن العام" التابع للهيئة، الذي يصفه المتظاهرون بـ "جهاز الظلم العام" في إشارة إلى انتهاكاته ضد المدنيين وممارسات الملاحقة والاعتقال والتعذيب لمعارضي "هيئة تحرير الشام" والناشطين المدنيين، ويطالبون بإطلاق سراح جميع المعتقلين الموقوفين في قضايا غير جنائية.

"حكومة الإنقاذ" التي تُعدّ الواجهة المدنيّة والسياسية للهيئة، برّرت استخدام العنف في مواجهة بعض المظاهرات بأنه هدفه "منع إثارة الفوضى وتعطيل الحياة العامة في المحرّر"، بحسب تصريحات لوزير الداخلية في الحكومة محمد عبد الرحمن.

ونقلت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في "حكومة الإنقاذ" تصريحات لعبد الرحمن يحذّر فيها مما سمّاه "انتهاج الأساليب التحريضية ونشر الفتن"، متعهّداً بمواجهة ذلك "بالشدة في التعامل معه".

ومنذ عام 2017 تقريباً بسطت "هيئة تحرير الشام" المعروفة سابقاً باسم "جبهة النصرة"، سيطرتها الكلية على جميع محافظة إدلب إضافة إلى مناطق ريف حلب الغربي، لتتقاسم السيطرة مع "الجيش الوطني" على مناطق شمال غرب سوريا، وذلك بعد إنهاء وجود الكثير من الفصائل العسكرية المحسوبة على "التيار المُعتدل" في المعارضة السورية المسلّحة.

"على نهج النظام"

يقول الناشط أبو بكر الشامي لـ"ارفع صوتك"، إن "المبررات التي تسوقها الهيئة لقمع الحراك الشعبي المناهض لها لا تختلف كثيراً عن الحجج التي أعلنها النظام السوري لقمع الثورة في 2011، من حيث الحديث عن الفوضى ودخول عناصر تحريضية لبثّ الفتنة واستهداف تعطيل الحياة العامة".

ويضيف أن المتظاهرين في إدلب "لن تنطلي عليهم هذه الشعارات، فكمّ التضحيات التي بذلها السوريون المقيمون في شمال غرب سوريا سيدفعهم لمواصلة الحراك حتى تحقيق كافة المطالب" على حد تعبيره.

ورغم أن قائمة المطالب تتوزع بين السياسي والاقتصادي والأمني، إلا أن أهم ما فيها ينحصر بالجانب الأمني والسياسي، بحسب عبد المعين الكنج (48 عاما)، الذي يعمل مدرّساً في مدينة إدلب.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن الناس في إدلب "أصابها اليأس من سياسات الجولاني وحكومته والسلوك الأمني الذي تحكم به الناس" مردفاً "لو كان الجولاني حريصاً على المناطق المحررة كما يدّعي، يتوجّب عليه ترك القيادة لأشخاص يختارهم الشعب وعدم جرّ المنطقة لمستقبل مجهول".

ويطالب المتظاهرون بعدّة إصلاحات يتوجّب القيام بها لإيقاف الحراك الشعبي، أبرزها تنحّي الجولاني عن حكم المنطقة وإنشاء جسم سياسي تشاركي للحكم، وحلّ جهاز الأمن العام، وإطلاق كافّة سجناء الرأي من المعتقلات.

وخلال سنوات سيطرة الهيئة على إدلب، شهدت المحافظة عدّة حراكات شعبية للتنديد بسياساتها الأمنية وامتلاء مُعتقلاتها بمدنيين أو ناشطين مُناهضين لها، لكنّ الحراك الحالي حمل بصمات خاصة بسبب اتّساع رقعة التظاهر في مدينة إدلب ومختلف أريافها، وارتفاع سقف مطالب المتظاهرين، الذي يُقابَل بالتسويف تارةً والإهمال تارةً أخرى.

 

"لا بد من تنازلات"

يرى وائل علوان، الباحث في مركز "جسور" للدراسات، أن تحقيق مطالب المتظاهرين السوريين لا يبدو بالأمر السهل اليسير من جانب "هيئة تحرير الشام"، لأسباب كثيرة "بعضها بنيوي وبعضها خارجي، فالجولاني يظن أن فاتورة المواجهة مع المتظاهرين أخفّ من فاتورة تحقيق مطالبهم".

يقول لـ"ارفع صوتك" إن "الطبيعة الأيديولوجية للهيئة تجعلها بعيدة عن تحقيق مطالب المتظاهرين، حيث ترى أن ذلك سيهدّد وجودها بشكل كلي في المناطق التي تحكمها، إضافة إلى أنها في النهاية سلطة أمر واقع تحكم مناطقها بقوة السلاح، وتعتقد أن قوّة السلاح ستحافظ على وجودها" وفق تعبيره.

ويتابع علوان: "الأزمة الداخلية في إدلب ستستمرّ خلال الفترة المقبلة، وسيكون لها تأثيرها، سواء باضطرار هيئة تحرير الشام إلى تقديم تنازلات أمام حركة الاحتجاج الشعبية، أو بوجود طريقة جديدة تتعامل بها مع السخط الشعبي تجاهها".

ويعتقد أن "طريقة تعامل الهيئة مع الاحتجاجات يمكن أن تجرّ المنطقة إلى فوضى واضطرابات، سيكون النظام السوري وحلفاؤه أكبر المستفيدين منها".

مواضيع ذات صلة:

يُعرف الزواج العرفي بأنه زواج شرعي يتم بعيداً عن الشكل الرسمي المؤسسي الذي تشرف عليه الدولة. وتغلب عليه الصفة السرية.
تعبيرية

فرضت ثلاثة عشر عاماً من الحرب في سوريا آثاراً بالغة على مجمل العادات الاجتماعيّة لدى السكان، بسبب العوامل الاقتصادية من جهة والتغيير الديمغرافي من جهة ثانية.

يستعرض هذا التقرير أبرز مظاهر التغيير في عادات الزواج بسوريا خلال فترة الحرب.

 

1- التحدّيات الاقتصادية

كان المهر النقدي (المقدّم والمؤخّر) وشراء المصاغ الذهبي من أساسيات الزواج في سوريا، وهو ما بات اليوم مهمة شبه مستحيلة بالنسبة للغالبية الساحقة من الشباب، في ظل وصول غرام الذهب الواحد إلى أكثر من مليون ليرة سورية، والصعوبة البالغة في تأمين المهر، في ظل نسب التضخّم الرهيبة، وبقاء الرواتب عند معدلات 20 دولاراً كحدّ وسطي.

وبناءً على ذلك، لم تعُد حفلات الزفاف الفاخرة شائعة كما كانت في فترة ما قبل الحرب، وبات الأمر يقتصر على عائلة العريس والعروس والقليل من المدعوين، كما أن الكثير من العوائل باتت تتنازل عن وجود المصاغ الذهبي مراعاة للوضع الاقتصادي السائد.

الكثير من الفتيات تنازلن عن شراء الذهب مكتفيات بالمحبس (خاتم الزواج)- صورة تعبيرية
في سوريا.. تكاليف الزواج تتضاءل لحدودها الدنيا
اختلفت عادات الزواج وتقاليده في سوريا نتيجة تأثيرات الأزمة الاقتصادية وضعف الإمكانات المادية للعائلات، متسببة بعزوف الكثير من الشبان عن الارتباط، أو اختصار العديد من أساسيات حفلات الزواج، وتخفيض قيمة المهور التي يطلبها أهالي الفتيات. 

2- الزيجات العابرة للمناطق

دفعت الحرب بالكثيرين إلى النزوح الداخلي بين المحافظات التي شهدت صراعات ومعارك والمناطق التي بقيت بحكم الآمنة، ما أدى إلى انتقال عائلات بأكملها من شرق البلاد مثلاً نحو منطقة دمشق وريفها، أو من حلب نحو مدن الساحل السوري.

فرض هذا الانتقال لشريحة واسعة من السكان نمطاً جديداً في الزواج، إذ كان المجتمع السوري يفضّل تزويج الفتاة لرجل من نفس المدينة، وقلّما كان يحصل أن يتم الزواج من محافظة ثانية، لكن ذلك تغيّر كليّاً في الوقت الحالي، إذ ارتفعت معدلات المصاهرة بين المدن والمحافظات بطريقة غير مسبوقة.

وأسفر ذلك في الوقت نفسه عن كسر واندماج في كثير من العادات المختلفة في الزواج بين المحافظات السورية، التي كانت حاضرة بقوة في فترة ما قبل الحرب. 

 

3- للتكنولوجيا دور محوري

مع انقطاع التواصل التقليدي بين العوائل والمعارف والأصدقاء، بسبب ظروف النزوح والحرب، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا هي البديل الأساسي للتعارف في مرحلة الخطبة.

كانت الخطبة التقليدية في المجتمع السوري تتم عبر رؤية الفتاة من قبل الأهل أولاً ثم من قبل الخاطب، وهذا ما لم يعد شرطاً لإتمام الزواج.

يتمّ قسم كبير من الخطبات اليوم عن طريق التواصل بتطبيقات المنصات المختلفة، حيث تُرسل صورة الفتاة لأهل الشاب، الذي يرى الفتاة بالطريقة نفسها، ثم يحصل التواصل والاتفاق على المهر والإجراءات بنفس المنوال.

على الرغم من أن هذه الطريقة تسببت بالكثير من المشاكل في بعض الزيجات، بسبب عدم الاختلاط والمعرفة المسبقة بين العائلتين أو بين العروسين، إلا أنها باتت طريقة رائجة، حتى أن بعض المدن مثل العاصمة دمشق تم فيها افتتاح مواقع إلكترونية أو مكاتب تقوم بمهنة "الخطّابة" التقليدية.

وترتفع الحاجة إلى الطريقة الإلكترونية بين طالبي الزواج في حال كان الشاب يقيم خارج سوريا، فهنا يستحيل اللقاء إلا عن طريق مكالمة فيديو يتعرف فيها الخاطب للفتاة وأهلها، قبل إتمام بقية الخطوات.

ولا يقف دور التكنولوجيا على التعارف فقط، بل إن بعض الفتيات أقمن حفلات مختصرة للأقارب والصديقات، بينما يكون الزوج خارج البلاد يشارك في الاحتفال عن طريق الإنترنت.

4- تغيّر معايير اختيار الشريك

فرضت ظروف الحرب على السوريين نسف غالبية الشروط الواجب توفرها في الزوج أو الزوجة، ولم تعُد الفتيات أو أهلهنّ مثلاً يبحثن عن شباب أغنياء أو جامعيين، في ظل الهجرة الواسعة للشباب خارج البلاد، وبقاء من لم يهاجر منهم تحت سيف التجنيد الإجباري والأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وبات اختيار الشريك لا يخضع لتلك الشروط الجوهرية التي كانت مطلوبة قبل الحرب، لدرجة أن الكثير من العوائل السورية انتشرت لديها عبارة "نبحث عن السّترة فقط"، في إشارة إلى عدم رفع سقف المطالب وتيسير الزيجات.

   

5- ارتفاع نسبة الزواج المبكر

رغم أن عادة الزواج المبكر كانت موجودة في فترة ما قبل الحرب، إلا أنها كانت على نطاق قليل. بعد الحرب، رفعت التحدّيات الاقتصادية وظروف النزوح النسبة إلى مستويات كبيرة. 

وقال تقرير سابق لمركز "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، إن زواج القاصرات في مرحلة ما قبل الحرب في سوريا مثّل 12% من زيجات السوريين، فيما ارتفعت النسبة إلى 18% عام 2012، وإلى 25% في 2013، وفي أوائل 2014 وصلت النسبة إلى 32% وبقيت ثابتة منذ ذلك الحين.