رغم أن حرّاقات النفط البدائية في مناطق شمال شرق سوريا تُعد شرياناً اقتصادياً رئيساً في مرحلة ما بعد الحرب للسكان المحليين، إلا أنها شكلت خلال سنوات كارثة بيئية متواصلة، وقاتلاً صامتاً لا يقتصر تأثيره فقط على العاملين في المجال.
وتتركّز معظم منابع النفط السوري في محافظتي الحسكة والرقة اللتين خرجت غالبية مدنها وقراها من سيطرة النظام السوري في وقت مبكر من عام 2012، ما جعل المئات من حقول النفط الكبيرة والصغيرة مصدر ثروات طائلة للأهالي والجماعات المسلحة التي سيطرت على تلك المناطق.
انتشار واسع
كان النظام السوري يستجرّ النفط الخام من مناطق الشرق إلى مصفاتين رئيستين في حمص وبانياس لتحويله إلى مشتقات نفطية كانت تغطّي حاجة البلاد، ومع عدم وجود مصافٍ نظامية للنفط في شرق البلاد بات استخدام الحراقات البدائية هو الطريقة الأكثر انتشاراً لاستخلاص مواد البنزين والديزل عبر ما يسمى "التكرير اليدوي".
ولا تحتاج الحرّاقات النفطية البدائية إلى رأس مال كبير، وفقاً لمحمد برهوم، الذي عمل منذ سنوات في هذا المجال في منطقة "الصبحة"، شمال شرق محافظة دير الزور.
يقول برهوم لـ "ارفع صوتك": إن "حراقة النفط البدائية تحتاج فقط عدة براميل فارغة وأنابيب بلاستيك، وخزان بسعة نحو 10 براميل يجري دفن معظمه بباطن الأرض وإشعال نيران كبيرة فيه".
ويضيف "مع عملية حرق النفط الخام وتقطيره يبدأ بفرز عدة أنواع من المشتقات لا يحتاج التفريق بينها لخبرة كبيرة"، غير أن الكارثة تكمن فيما يحدث أثناء عملية الحرق، حيث تخرج أدخنة وعوادم شديدة الكثافة وذات رائحة كريهة جداً وسريع الانتشار في المحيط، ليصل تأثيرها إلى عدة كيلومترات مع وجود الرياح النشطة.
ورغم انتشار ما يعرف محلياً باسم "الحراقات الكهربائية" التي تُعدّ أقل ضرراً بيئياً وصحّياً وتخرج أنواع الوقود بشكل أنظف وأكثر نقاءً، إلا أن العاملين في مجال تكرير النفط لا يزالون يفضّلون الحراقات البدائيّة، بسبب ارتفاع أسعار الحراقات الكهربائية من جهة، وغلاء المشتقات النفطية الصادرة عنها من جهة ثانية.
تأثير كارثي
ولا يقتصر وجود الحراقات البدائية على مناطق شمال وشمال شرق سوريا، إذ تنتشر كذلك في مناطق ريفي حلب وإدلب في شمال غرب البلاد، التي تعتمد إما على النفط المستورد القادم من تركيا، أو على النفط الخام القادم من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
وأمام الربح الوفير بالنسبة لتجّار النفط المحليين، ورخص أسعار المشتقات النفطية المُستخرَجة من الحراقات البدائية، تمّ خلال السنوات الماضية إهمال واسع للآثار المدمّرة الناتجة عن عمليات الحرق البدائية، التي تجري في كثير من الأحيان قريباً من المنازل السكنية أو حظائر الحيوانات، مع عدم تدخّلٍ إيجابي من سلطات الأمر الواقع، أو وضع ضوابط وقوانين لتخفيف الأضرار.
ويبدأ التأثير الكارثي للحرّاقات البدائية من العاملين في هذا المجال بشكل رئيس، ويُقدّر عددهم بالآلاف، حيث يتعرّضون خلال ساعات طويلة للأبخرة السامّة والعوادم الخطيرة دون مراعاة ارتداء أقنعة واقية تخفّف من التأثير، ما يجعلهم مُعرّضين بشكل مباشر لأمراض تبدأ بفقدان حاسّة الشمّ، وتنتهي بأنواع خطيرة من السرطانات، بحسب الطبيب، برزان عبد الباقي.
يقول عبد الباقي، وهو طبيب عام يُقيم في ريف القامشلي بريف الحسكة، إن "عشرات العاملين في مجال الحراقات النفطية راجعوا مراكز صحّية وعيادات محلية بعد إصابتهم بعدة أمراض تتنوّع بين الالتهابات الجلدية والربو والسرطان والتهاب الكبد".
ويضيف لـ"ارفع صوتك": "حالات الوفاة أو الأمراض المزمنة التي نجَمت عن هذه المهنة باتت معروفة بشكل واسع لدى الناس، لكن قلة فرص العمل والطمع بالأجور المرتفعة يدفع الشباب للعمل فيها مهما كانت النتائج".
تأثير يتجاوز العمّال
في ريف قبّاسين شرق مدينة الباب الواقعة شمال شرق محافظة حلب، تصل الآلاف من براميل النفط الخام يومياً من "معبر الحمران" في المحافظة نفسها، قادمةً من مناطق الشرق السوري، حيث يقوم مئات العمّال خلال ساعات طويلة بعمليات الحرق البدائية، ويعتبرونها مصدر رزق لإعالة آلاف الأسر في المنطقة.
يقول شاكر عزّو (43 عاما) الذي يعمل في حرّاقة في ريف قباسين، إنهم يعملون في ظروف قاسية تزداد وطأتها في فصل الصيف، حيث "تلتصق الملابس الخفيفة بالجلد بسبب الحر والتعرُّق، وتصبح عملية التنفس مجرّد مضخّة لإدخال مئات السموم إلى الجسم".
وقال مكتب باشليه إن من بين الضحايا أشخاص يُنظر إليهم على أنهم متحالفون مع أحزاب معارضة أو ينتقدون تصرفات الفصائل المسلحة الموالية لتركيا
ويوضّح شاكر لـ"ارفع صوتك" أن أصحاب الحراقات يهتمّون فقط بالكميات التي يجب إنتاجها يومياً، دون تأمين أي لوازم تقلّل الآثار الضارّة، ودون أي اعتراف أيضاً بتأمين صحي أو تعويضات أو مساعدة للعامل في حال مرضه.
الطبيب برزان عبد الباقي، يكشف أن الآثار المُدمّرة لحراقات النفط البدائية لا تقتصر فقط على العاملين بهذا المجال فقط، رغم أنهم "أكثر المتضرّرين"، إذ يمتدّ تأثير العوادم السامة في محيط يصل إلى ثلاثة كيلومترات بالأوضاع الطبيعية.
ويؤكد لـ"ارفع صوتك" أن الأطفال يتعرّضون لأمراض لا تقل عن تلك التي يتعرض لها العمال، بسبب عدم قدرة جهازهم التنفّسي على مواجهة الأدخنة والعوادم، كما يصل التأثير إلى الأجنّة، مع توقع حصول حالات تشوّهات خلقيّة أو حتى وفيات جراء ذلك.
يضاف إلى ذلك تأثير الغازات السامّة على البنية النباتية والحيوانات في المحيط الذي توجد فيه الحرّاقات، بحسب عبد الباقي.
