متهم سوري بارتكاب جرائم حرب يخفي وجهه عن الكاميرات.

في 13 يناير 2022 قضت محكمة ألمانية على الضابط السابق في جهاز أمن الدولة السوري أنور رسلان، بالسجن مدى الحياة لإدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة خلال فترة ترأسه قسم التحقيقات في "الفرع 251" المعروف أيضاً بـ"فرع الخطيب".

كذلك صدر حكم على المساعد المنشق إياد الغريب بالسجن أربع سنوات ونصف سنة لإدانته بالتواطؤ وتسهيل ارتكاب جرائم تعذيب ضد المعتقلين.

محاكمة رسلان والغريب شكلت حدثاً استثنائياً بالنسبة للسوريين، حيث كانت الأولى فيما يتعلق بالانتهاكات المرتبطة بالنظام السوري، كما جاءت لتؤكد الشائعات عن وصول مجرمين إلى الدول الأوروبية تحت غطاء اللجوء.

وبالتزامن مع وصول اللاجئين السوريين إلى أوروبا، انطلقت حملات لتعقب أشخاص انخرطوا في الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري قبل انتقالهم إلى أوروبا تحت غطاء اللجوء، فكانت حملة "مجرمون لا لاجئون" التي وجهت الاتهامات للعشرات بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين السوريين.

يقول المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" بسام الأحمد إن "الدول الأوروبية أخذت الحملة على محمل الجد، لكن غالبية المعلومات المقدمة كانت غير دقيقة وتفتقر لوجود الأدلة".

"هذا لا ينفي وجود عشرات وربما مئات المتورطين في جرائم حرب ممن وصلوا إلى أوروبا تحت غطاء اللجوء"، يستدرك الأحمد، مؤكداً لـ"ارفع صوتك" على "ضرورة أن تستند الملاحقة إلى أدلة ومستمسكات تقبلها المحاكم".

حديث الأحمد يأتي في وقت عادت حملة "ملاحقة مجرمي الحرب بين صفوف اللاجئين" إلى الواجهة، حيث نشر العديد من الناشطين السوريين صوراً للاجئين في الدول الأوروبية إلى جانب صور قديمة تظهرهم على محاور القتال في سوريا وهم يرتدون ملابس عسكرية ويحملون السلاح.

ويعتبر أن ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد السوريين في أوروبا "خطوة عظيمة على طريق تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا"، كذلك فإن "الطريق الصحيح لذلك يمر عبر المسارات القانونية وليس مواقع التواصل الاجتماعي".

يشرح الأحمد: "حملات الملاحقة على مواقع التواصل الاجتماعي سيف ذو حدين، قد يؤدي إلى القبض على مرتكبي جرائم، وقد يدفعهم للهرب".

ويلفت إلى أن بعض الأسماء "يتم زجّها في قوائم الملاحقة نتيجة ثأر شخصي ورغبة في تشويه السمعة دون دليل حقيقي" على ارتكاب صاحبها جرائم ضد المدنيين.

 

وجهاً لوجه

بالعودة إلى قضية أنور رسلان، فقد قرر الضابط السابق في أمن الدولة الانشقاق عن النظام في ديسمبر 2012، حيث فرّ إلى الأردن قبل أن ينتقل إلى ألمانيا مع عائلته في صيف 2014.

في ألمانيا تعرف المحامي والناشط السوري في مجال حقوق الإنسان أنور البني على رسلان لتبدأ فصول الملاحقة والمحاكمة.

المفارقة أن نحو 12 ضحية لرسلان ممّن لجأوا إلى أوروبا أدلوا بشهاداتهم أمام المحكمة حول الاعتداءات التي تعرضوا لها في مركز الخطيب على يده، كان من بينهم وسيم مقداد.

يتذكر مقداد اللقاء مع المسؤول عن تعذيبه: "تواجهت معه في قاعة المحكمة، لقد كان المسؤول المباشر عن تعذيبي في فرع الخطيب. وصل إلى برلين كلاجئ وهي نفس الصفة التي وصلت فيها إلى برلين. لكن كنت أنا اللاجئ الضحية وهو اللاجئ المجرم".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن محاكمة رسلان "دليل على وجود الكثير من المجرمين بحق الشعب السوري تحت غطاء اللجوء".  

أما انشقاق رسلان عن النظام "فلا يُعفيه من المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبها" يتابع مقداد، مردفاً "تجب محاكمتهم على الجرائم واستخدام إفاداتهم لإدانة النظام وغيرهم من المجرمين".

وفيما يدافع مقداد عن ملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الشعب السوري بكل السبل والوسائل الممكنة، يشير في الوقت نفسه إلى "ضرورة التحقق قبل إصدار الاتهامات".

إضافة إلى قضية رسلان والغريب، تنظر محكمة ألمانية في الاتهامات الموجهة لعضو سابق في ميليشيا تابعة للنظام شاركت في "مجزرة حي التضامن"، كذلك يُحاكم أمام القضاء السويدي الضابط السابق في الجيش السوري محمد حمو، بتهمة المساهمة والتحريض على ارتكاب جرائم ضد المدنيين.

مواضيع ذات صلة:

مصر التي يناهز عدد سكانها 106 ملايين يعيش ثلثهم تحت خطّ الفقر - صورة تعبيرية.
مصر التي يناهز عدد سكانها 106 ملايين يعيش ثلثهم تحت خطّ الفقر - صورة تعبيرية.

"يضرون بالأمن القومي، وتسببوا في ارتفاع الأسعار، ويأخذون وظائفنا، ولذلك يجب ترحيلهم عن البلاد"، تلك فحوى دعوات تطالب بترحيل اللاجئين السودانيين والسوريين عن الأراضي المصرية، فما أسباب تلك الحملة؟، وهل يقف هؤلاء "الضيوف" حقا وراء الأزمات التي تشهدها مصر؟

مطلب شعبي؟

مع عدد سكان يبلغ 106 ملايين نسمة، فإن مصر هي البلد العربي "الأكبر ديموغرافيا"، بينما تشير تقديرات إلى أن نحو 60 في المئة من سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر أو يقتربون منه.

ويوجد في مصر 9 ملايين "مقيم ولاجئ" من نحو 133 دولة يمثلون 8.7 في المئة من حجم السكان البالغ عددهم نحو 106 ملايين نسمة، وفق "مجلس الوزراء المصري".

ويُشكل السودانيون العدد الأكبر من "المقيمين واللاجئين" في مصر بنحو 4 ملايين، يليهم السوريون بحوالي 1.5 مليون، واليمنيون بنحو مليون والليبيون مليون نسمة، حيث تمثل الجنسيات الأربع 80 في المئة من المهاجرين المقيمين حاليا في البلاد، وفق تقديرات "المنظمة الدولية للهجرة".

وخلال الأيام الماضية، انطلقت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بترحيل السودانيين والسوريين من مصر تحت شعار " ترحيل جميع اللاجئين مطلب شعبي".

ومن بين الداعمين لتلك الدعوات الكاتب والمحلل السياسي، مجدي حمدان، الذي يرى أن اللاجئين يضرون بمصر "سياسيا واقتصاديا وأمنيا" وخاصة "السودانيين".

وعندما جاء السوريين إلى مصر قاموا بعمل "مشروعات" باستثمارات خاصة، واحترموا القوانين المصرية ولم يتطاولوا على الشعب المصري، لكن العكس صحيح بالنسبة للسودانيين، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير حمدان إلى أن "اللاجئ السوداني لم يدشن استثمارات خاصة، لكنه يزاحم المواطن المصري في وسائل المواصلات والسلع الغذائية والمواد الأساسية والأدوية"، ما تسبب في تضاعف أسعار السلع والخدمات خلال الفترة الماضية.

وبالنسبة للسوريين فهم يضرون بالاقتصاد لأنهم يحولون الجنيه المصري إلى دولار ويقومون بتحويل تلك الأموال إلى خارج مصر، وبذلك تفقد الدولة "عملة صعبة"، وفق المحلل السياسي المصري.

لكن على جانب آخر، يؤكد خبير السكان ودراسات الهجرة وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أيمن زهري، أن الحملات "لا تمثل الرأي العام المصري تجاه اللاجئين".

ويقود تلك الحملات "شباب محبط" لا يجد وسيلة للتعبير عن رأيه، ويضغط على "الجانب الأضعف" وهم الأجانب في مصر، لكن هناك "رفض رسمي" لمثل هذه المطالب، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وهناك حالة "تضخيم" لتأثير الأجانب المتواجدين بالتراب المصري على الأوضاع في مصر وخاصة الاقتصادية، لكن في الحقيقة تلك الأزمات بدأت منذ فترة طويلة، حسبما يوضح زهري.

ويشير إلى أن تأثير الأجانب على الأزمات التي تعيشها مصر "محدود جدا"، وبالعكس فهناك نسبة كبيرة منهم يتلقون تحويلات بالعملة الأجنبية كحال أسر المصريين بالخارج.

"قنبلة موقوتة"؟!

تمر مصر بـ"أزمة اقتصادية شديدة" من جراء نقص النقد الأجنبي، وتواجه تبعات جيوسياسية لنزاعين مفتوحين على حدودها وهي الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، والنزاع في السودان إلى الجنوب.

ولذلك يصف الباحث بمنتدى الشرق الأوسط في لندن، أحمد عطا، ملف اللاجئين في مصر بـ"القنبلة الموقوتة"، مرجعا ذلك لعدة أسباب.

و"إذا كانت الحكومة المصرية تتباهى بأن لديها (ضيوف وليس لاجئين)، من مختلف الدول التي تشهد نزاعات مسلحة مثل السودان واليمن وليبيا وسوريا، لكن في الحقيقة فإن هؤلاء يضغطون على الاقتصاد المصري الذي يعاني بالفعل"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشدد عطا على أن الاقتصاد المصري لا يتحمل هذا العدد من "اللاجئين"، بعدما تجاوزت نسب التضخم في مصر 27 في المئة، وفي ظل وجود نسب بطالة بين المصريين سواء كانوا خريجي جامعات أو من ممارسي الأعمال الحرة.

وتبلغ نسبة البطالة في مصر 7.2 في المئة، وفق ما أظهرته "بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" لعام 2022.

ويشير عطا إلى أن "قرابة 10 ملايين لاجئ يتقاسمون مع المصريين الدعم بمختلف أشكاله بجانب تسببهم في رفع سعر الوحدات السكنية بنظام الإيجار المؤقت من متوسط شهري يبلغ 4 آلاف جنيه إلى ١٥ ألف جنيه".

ومن جانبه، يشير الباحث بالاقتصاد السياسي، أبو بكر الديب، إلى أن "اللاجئين يمثلون عبء اقتصادي كبير في مصر لأنهم يضغطون على البنية الاقتصادية بالبلاد".

وتسبب اللاجئون السودانيون في "أزمة سكن وارتفاع أسعار المنتجات والخدمات"، لكن دعوات ترحيلهم "محدودة ولا تحظى بقبول شعبي مصري كبير"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

والشعب المصري يعرف أن "السودانيين في أزمة"، وبالتالي فدعوات "ترحيلهم لا تلقى قبول الأغلبية"، ولذلك "تتضاءل المخاوف الاقتصادية أمام الجانب الإنساني"، حسبما يؤكد الديب.

عبء أمني

ويتحدث عطا عن "عبء أمني يشكله اللاجئين وخاصة السودانيين على الأجهزة الأمنية المصرية".

ولم يدخل كافة السودانيين المتواجدين في مصر إلى البلاد "بطريقة شرعية"، وهذا يعني أن قطاع كبير منهم "يمثل عبئا على الأمن المصري لمتابعتهم"، وفق الباحث بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

وحاول موقع "الحرة" التواصل مع وزارة الداخلية المصرية للتعليق إلا أنه لم يتلقى جوابا حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

لكن على جانب آخر، يؤكد زهري أن "اللاجئين لا يؤثرون على الأمن القومي المصري"، واصفا الحديث عن ذلك بـ"أمر مبالغ به جدا".

وهؤلاء اللاجئين "لا يمثلون أي تيارات سياسية مناهضة أو مناصرة للتوجهات الرسمية المصرية"، وفق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر.

وفي سياق متصل، لا يري الديب أن "اللاجئين يمثلون أي تهديد للأمن القومي المصري".

وجميع اللاجئين تحت "أنظار الأجهزة الأمنية المصرية"، والدولة لديها "قاعدة بيانات لكافة الضيوف"، ولذلك "فلا توجد مخاوف أمنية من وجودهم على أرض مصر"، وفق الباحث بالاقتصاد السياسي.

طاقة بشرية أم كارثة مستقبلية؟

يمكن استغلال الطاقة البشرية الكبيرة من اللاجئين في "تحريك وإدارة عجلة الإنتاج لأن بينهم عمالة مدربة وأصحاب خبرات وكفاءات، ما يعود بالفائدة على الاقتصاد المصري"، وفق الديب.

ويشير إلى أن الدولة المصرية تتقاضى "دعما ماليا" من الأمم المتحدة ودول أوروبية من أجل برامج دعم اللاجئين، ولا يمكن لمصر أن تكون "دولة طاردة للاجئين".

لكنه يؤكد في الوقت ذاته أهمية "زيادة دول العالم وخاصة الاتحاد الأوروبي مساعدة مصر ودعمها بشكل أكبر"، فيما يخص اللاجئين المتواجدين على الأراضي المصرية.

وإذا ترك هؤلاء اللاجئين الأراضي المصرية سوف يتجهون إلى أوروبا عن طريق الهجرة الشرعية أو غير الشرعية، ما سوف يتسبب في مشكلات كبيرة لدول الاتحاد الأوروبي، حسبما يحذر الديب.

لكن على جانب آخر، يحذر عطا من "كارثة اجتماعية وأمنية واقتصادية مستقبلية" بسبب وجود ملايين اللاجئين على الأراضي المصرية.

ويتساءل: "إلى متى ستكون مصر حاضنة للاجئين وهي لا تمتلك وافر اقتصادي كدول الخليج مثلا؟".

ولذلك "لابد على الحكومة مراجعة ملف الضيوف من مختلف البلدان العربية والأفريقية وإلا ستكون هناك نتائج كارثية اجتماعية وأمنية واقتصادية على المصريين قريبا"، وفق الباحث بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.