في كل عام تتكرر أزمة ندرة المياه في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، بينما تتفاقم الأزمة عاماً بعد عام، إثر اعتماد غالبية السكان على مياه غير صحّية، تكون بالغالب مجهولة المصدر.
وتعتمد مدينة الحسكة على السدّين الجنوبي والشرقي اللذين يقومان بتجميع مياه الأمطار، غير أن موسم الصيف يحرم السكان الاستفادة من مياه السدود، فتبرز المشكلة سنوياً.
ورغم دخول خطّ رأس العين شمال المحافظة في الخدمة منذ عام 2014، إلا أن التوترات المستمرة بين الجيش الوطني المدعوم تركياً على رأس العين وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تغذي المنطقة بالكهرباء، تحول دون استفادة المدينة وريفها القريب من هذا الخطّ الحيوي.
"تقاذف المسؤولية"
تتقاسم السيطرة على مدينة الحسكة، حكومة النظام السوري والإدارة الذاتية التابعة لـ"قسد"، ما يتسبّب في أغلب الأوقات بتقاذف المسؤليات بينهما، كما يقول مجيد سلو (52 عاماً)، أحد سكان حيّ "المطار" في المدينة.
ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن نحو مليون ونصف المليون شخص - موزعين بين الحسكة وريفها- باتوا "يائسين" من حلّ مشكلة المياه في الصيف، مع عجز السلطات المحلية عن توفير البديل المناسب.
ويرى مجيد أن أعيان المدينة قصدوا في أكثر من مناسبة مسؤولين من الحكومة السورية والإدارة الذاتية للنظر في معاناتهم "لكنهم لم يلقوا أيّ استجابة".
وفي نهاية يونيو الفائت، وجّه مجلس محافظة الحسكة كتاباً لوزارة الموارد المائية التابعة لحكومة النظام، أكد فيه توقف غالبية محطات التحلية البالغ عددها 20 محطة في مدينة الحسكة، نتيجة الاستجرار الزائد وارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق، ما أدى لانخفاض منسوب المياه في الآبار وجفافها.
تسمّم وأمراض
بحسب ما نقل موقع "أثر برس" المحلي عن المدير العام للمياه في الحسكة محمد العثمان"، فإن حلولاً مثل حفر سبع آبار سطحية جانب محطات التحلية لدعم الآبار القائمة "أصبحت دون جدوى" مع عدم كفايتها لتلبية حاجة السكان.
في العام الحالي برزت مشكلة جديدة في ظل ارتفاع قياسي بدرجات الحرارة مقارنة بمواسم الصيف الماضية، وهي اعتماد الغالبية من السكان على مياه مجهولة المصدر يشترونها من الصهاريج بأسعار أقل من تلك التي تُباع من الآبار والعيون العذبة، القليلة أصلاً التي لا تكفي حاجة السكان.
وخلال الأسابيع الأولى من الصيف الحالي استقبلت المشافي والمراكز الطبية مئات الحالات المصابة بالتهابات معوية أو إسهال شديد، جراء تناول أصحابها مياهاً ملوّثة، غير صالحة للشرب أو الطبخ.
ووجّهت مجموعة أطباء في "مشفى الشعب" بحي "العزيزية" الواقع تحت سيطرة "قسد" تحذيرات للسكان من تناول المياه مجهولة المصدر أو حتى الاستحمام بها.
يقول الطبيب برزان مجيد، إن غالبية المراجعين ممن أصيبوا بالتهابات معوية أو إسهالات شديدة، أبلغوه أنهم استخدموا مياهاً ذات لون غير صافٍ ورائحة كريهة.
ويبيّن لـ"ارفع صوتك" أن تناول المياه الملوّثة لا يسبب فقط الإسهال والتقيؤ، إنما قد تصل للإصابة بأمراض التلوث مثل "السالمونيلا" والتهاب الكبد والفشل الكلوي، إضافة إلى الإصابة بأمراض جلدية جرّاء الاستحمام بها.
المياه النظيفة "نادرة"
يقول سالم عزو، من حي "غويران" في مدينة الحسكة، إن سبب أزمة المياه المتواصلة وكثرة الطلب على المياه المنقولة من آبار عذبة، أن "مخزون الآبار تضاءل بشكل كبير وأصبحت هذه المياه تُباع بأسعار مرتفعة".
ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "سعر الخزان الواحد بسعة 5 براميل من المياه النظيفة، وصل في مايو الماضي إلى نحو 30 ألف ليرة سورية، ما جعلها حكراً على العائلات الميسورة".
يضيف سالم: "أمام ارتفاع سعر مياه الآبار النظيفة والمياه المُعبأة التي تباع في المتاجر، لم يعد أمام غالبية الناس سوى شراء مياه غير نظيفة، لا نعرف بالضبط من أين يجلبها سائقو الصهاريج، لا سيما أن أسعارها تبلغ نصف سعر تلك النظيفة".
