أحد السجناء المفرج عنهم في العفو العام الذي أقرته الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سوريا- ا ف ب
أحد السجناء المفرج عنهم في العفو العام الذي أقرته الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سوريا- ا ف ب

أصدر مجلس "الشعوب الديمقراطية" في الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا قانوناً للعفو العام رقم (10)، استجابةً لتوصيات ومطالب شيوخ ووجهاء عشائر المنطقة، الذين تداولوا مقترح العفو خلال ملتقى الوحدة الوطنية للعشائر والمكونات السورية الذي انعقد في 15 مايو الماضي بمدينة الحسكة.

وينص القانون الذي صدر في السابع عشر من يوليو الجاري، على منح العفو على الجرائم المرتكبة من قبل السوريين قبل هذا التاريخ، والمنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب (رقم 7 لعام 2021) وتعديلاته، بالإضافة إلى الجرائم الواقعة على أمن "الإدارة الذاتية" والمنصوص عليها في قانون العقوبات العام رقم 2 لعام 2023.

يتكون القانون من ست مواد، تنص الثانية على العفو عن عقوبة نصف السجن المؤقت، واستبدال عقوبة السجن المؤبد بالسجن لمدة 15 عاما. ويتم العفو عن كامل العقوبة المؤقتة والمؤبدة للمحكوم المصاب بمرض عضال غير قابل للشفاء، وممن أتم 75 عاماً بتاريخ صدور القانون.

يُستثنى من العفو المتورط في الجرائم الإرهابية المنصوص عليها في القانون (7 لعام 2021) والأمراء والقادة في التنظيمات الإرهابية، والمشاركون في أعمال التفجيرات والأعمال القتالية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكذلك الجرائم التي أفضت لموت إنسان.

كما يُسثتنى مرتكبو الجرائم الإرهابية الذين لم يثبت صلاحهم بكتاب إدارة مركز الإصلاح والتأهيل، ومرتكبو الجرائم المنصوص عليها في المواد (رقم 131، 132، 133، 144، 147) من قانون العقوبات العام (رقم 2 لعام 2023).

ولن يستفيد من العفو أيضا المحكومون المتوارون عن الأنظار والفارون من وجه العدالة إلا إذا سلموا أنفسهم خلال 60 يوماً من تاريخ نفاذ هذا القانون، إذا ما كانوا ضمن مناطق الإدارة الذاتية، وخلال 90 يوماً بالنسبة للموجودين خارجها.

ويهدف قانون العفو العام حسب "قسد" إلى "تعزيز السلم الأهلي ومنح فرصة الاندماج في المجتمع للسوريين الذين غُرر بهم ولم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين، ولتمكين العيش المشترك بين مكونات إقليم شمال وشرق سوريا".

ومن المنتظر بموجب توصيات مؤتمر العشائر أن يتم أيضاً إخراج العوائل المنحدرة من شمال شرقي سوريا من مُخيم الهول.

 

الدفعات الأولى

 بدأت "قسد" يوم الأحد الماضي بالإفراج عن الدفعات الأولى من المعتقلين والمشمولين بالعفو الصادر عن مركز التأهيل والإصلاح في الحسكة، وكان عددهم 180 معتقلا جرى إطلاق سراحهم على دفعتين من سجن "غويران" في الحسكة شمال شرقي سوريا، وهو السجن الذي حاولت داعش اقتحامه في يناير 2022.

وفي اليوم التالي أُخلي سبيل دفعة جديدة من المعتقلين من سجون الرقة، وأكد حمدان العبد نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا أن "المفرج عنهم لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين".

وجرى أمس الأول الإفراج عن دفعات أخرى من المعتقلين في سجون كوباني ومنبج بريف حلب. وأكدت الإدارة الذاتية أن العفو العام الذي أصدرته قبل أيام سيشمل 1512 سجيناً، بينهم 60 امرأة، وسيتم إطلاق سراحهم على مرحلتين خلال الفترة المقبلة.

ونقلت وكالة أنباء "هاوار" الكردية عن القيادي في "قسد" حسين عثمان قوله إن "المرحلة الأولى ستضمن إطلاق سراح 1112 شخصاً على دفعات، بدءاً من المعتقلين في سجن الرقة، ثم سجون الحسكة ودير الزور ومنبج".

وأضاف أن "المرحلة الثانية ستشمل إطلاق سراح 400 شخص ممن شملهم  قانون العفو عن نصف مدة المحكومية، وهؤلاء سيُطلق سراحهم في وقت لاحق".

من جهته، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن "الإدارة الذاتية تتجهز لإخراج مساجين عبر دفعات ليبلغ عددهم 1111 خلال الفترة القريبة، على أن يصل عددهم في نهاية العام إلى 1500 سجين".

ترحيب وتحفظ

سادت حالة فرح في أوساط العائلات التي شمل قانون العفو أفراد فيها، وانتظر العشرات من الأهالي خلف أبواب السجون في الحسكة والقامشلي والرقة وكوباني لاستقبال المفرج عنهم بفيض من مشاعر الأمل والابتهاج.

من جهتها، قالت آية مجذوب، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن "المنظمة تأمل أن يخفف العفو من أحكام السوريين المدانين بعد محاكمات غير عادلة في محاكم الدفاع عن الشعب، أو في بعض الحالات، يتيح لهم الفرصة ليكونوا أحرارًا ويستأنفوا حياتهم".

ودعت سلطات الإدارة الذاتية إلى "توسيع نطاق القانون ليشمل العدد القليل من العراقيين الذين حوكموا أيضًا في محاكم الدفاع عن الشعب".

وأكدت مجذوب أن المنظمة "تظل قلقة بشأن عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال المحتجزين لدى سلطات الإدارة الذاتية، ومضى على احتجاز بعضهم أكثر من خمس سنوات دون توجيه تهمة لهم أو دون محاكمة".

في المقابل، أبدت مكونات عشائرية تحفظها على الطريقة التي تم بها تنزيل قانون العفو، وشموله أشخاصا مدانين بالإرهاب، أو لهم علاقة بتنظيم داعش.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن مناطق الإدارة الذاتية عمّتها "حالة كبيرة من الاستياء الشعبي بعد أن تأكد خروج الكثير من الأشخاص ممن كانوا سابقاً على صلة بتنظيم داعش".

وكان وفد من العشائر الكردية في شمال شرقي سوريا، طالب الأحد الماضي، قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، بالإفراج عن معتقلي المجلس الوطني الكردي، الذين لم يشملهم قانون العفو مع أنهم لم يتورطوا في جرائم جنائية، حسب موقع تلفزيون سوريا.

وكشف القيادي في المجلس الوطني الكردي نشأت ظاظا، عن وجود 18 معتقل رأي في سجون الإدارة الذاتية الكردية شمال وشرق ‎سوريا لم يستفيدوا من العفو العام.

وبمزيج من السرور والحذر من تسريب أسماء مشبوهة أو تفاصيل أمنية حساسة، تداول أنصار تنظيم "داعش" على منصاتهم الرقمية مستجدات قانون العفو، لا سيما أن عددا ممن لهم علاقة بالتنظيم شُملوا بالقانون.

في إحدى المنصات كتب "الدمشقي" وهو اسم مستعار لأحد أنصار "داعش": "نبشركم بخروج عدد من المسلمات من سجن المالكية يا رب لك الحمد".

وكتب "أمير" وهو ناشط آخر في ذات المنصة: "سوف يتم إطلاق سراح 1511 سجيناً، معتقلين منذ سنوات بتهمة الانتماء لتنظيم الدولة الإسلامية، ومنهم قادة ميدانيون مهمون كانوا معتقلين لسنوات في  سجن غويران وسجن الحسكة المركزي.. الحمد لله حمدا كثيرا دائما وأبدا".

بينما كتب "حبق" معلقا "أَخرجوهم على دفعات، إلى الآن أخرجوا أربع دفعات نسأل الله أن يفك أسر جميع الموحدين في بقاع الأرض".

جدير بالذكر أن سجون الإدارة الذاتية طالما كانت هدفاً لتنظيم "داعش"، سعياً منه لتحرير عناصره المعتقلين داخل أسوارها. وكان سجن غويران في الحسكة هدفا لعملية اقتحام كبيرة استمرت أياما، وأشرف عليها شخصيا زعيم "داعش" الأسبق عبد الله قرداش المدعو "أبو إبراهيم الهاشمي" في يناير 2022.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".