قافلة حافلات تحمل أشخاصا تم إجلاؤهم من محافظة حمص وسط سوريا إلى حاجز أبو الزندين- صورة أرشيفية.
قافلة حافلات تحمل أشخاصا تم إجلاؤهم من محافظة حمص وسط سوريا إلى حاجز أبو الزندين- صورة أرشيفية.

رغم أن عملية افتتاح معبر "أبو الزندين" في ريف مدينة حلب السورية واجهت في عام 2019 حالة من المعارضة والرفض لم تصل إلى ما عليه الآن، سواء على صعيد ما يجري على الأرض أو التوقيت الذي أزيلت فيه الحواجز والبلوكات من الطريق الواصل بين مناطق سيطرة النظام السوري وفصائل المعارضة.

ويقع المعبر الداخلي بالقرب من مدينة الباب الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، ويصلها بشكل مباشر مع المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام السوري في ريف المحافظة ذاتها.

وبعد افتتاحه لساعات قبل أيام، دون أي بيان محلي رسمي وواضح، أعادت وحدات "الشرطة العسكرية" التابعة لفصائل المعارضة إغلاقه، بعدما شيّد مدنيون غاضبون بالقرب منه "خيمة اعتصام"، وتزامن معها سقوط قذائف مجهولة المصدر، أسفرت عن إصابات.

ولا تزال خيمة الاعتصام قائمة ويرفض القائمون على تشييدها عملية فتح المعبر مع مناطق سيطرة النظام. وتنتشر عدة دعوات في الوقت الحالي للتجمع فيها يوم الجمعة للتأكيد على مطلب الإغلاق، ومطالب أخرى برفض منح السلطة في دمشق أية نافذة اقتصادية.

ويسود اعتقاد بين الأوساط المحلية في مناطق المعارضة بريف حلب الشمالي والتقارير التي تنشرها وسائل إعلام مقربة من حكومة النظام السوري أن فتح المعبر يندرج ضمن تنسيق تركي-روسي، ويعتبر أول اختبار فعلي على الأرض للدفع بالعلاقة ما بين أنقرة والنظام السوري.

وبينما تؤكد مؤشرات على ذلك لم يصدر أي تعليق رسمي من الجانب التركي أو الروسي يتبنى عملية الافتتاح أو يعلّق على الحوادث التي تبعت ذلك من اعتصام وقصف لم يتحدد مصدره حتى الآن.

وفي حين لم يعلن النظام انخراطه في افتتاح "أبو الزندين" وكطرف أساسي ومستفيد غابت البيانات الرسمية والتوضيحية من جانب مؤسسات المعارضة في ريف حلب، وأبرزها "الحكومة السورية المؤقتة".

وتواصل موقع "الحرة" مع وزير الاقتصاد والمالية في الحكومة المعارضة، عبد الحكيم المصري وقال إن افتتاح "أبو الزندين" لم يتم من جانبهم، وأن العملية مرتبطة بـ"إدارة المنافذ الداخلية".

وأكد المصري أنه لا علم لهم بحيثات افتتاح المعبر، وهو الوحيد بين مناطق النظام والمعارضة في ريف حلب، وأضاف أن "إدارة المنافذ الداخلية لا تتبع لوزارة الاقتصاد والمالية في الحكومة المؤقتة".

"بين 2019 و2024"

وقبل افتتاح المعبر كان النظام السوري قد أزال الحواجز من الجانب الذي يسيطر فيه على الطريق، واتبعت فصائل المعارضة ذات المسار، متحدية الدعوات الرافضة، التي وصلت أيضا إلى حد إقدام مسلحين وأشخاص على اقتحامه.

كما اعترض مسلحون ومدنيون قبل أن تشيّد "خيمة الاعتصام" الشاحنات المحملة بالبضائع، عندما كانت بصدد العبور من مناطق سيطرة فصائل المعارضة في ريف حلب باتجاه الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام.

افتتاح المعبر في البداية كان خطوة أولى تذهب باتجاه عبور الشاحنات المحملة بالبضائع من وإلى مناطق سيطرة النظام السوري، وسادت توقعات بأن يتم الانتقال في مرحلة لاحقة إلى فتحه أمام عبور المدنيين، كما حصل في عام 2019.

وقبل خمس سنوات شهد المعبر عبور البضائع والمدنيين أيضا، وأجرت فصائل المعارضة والنظام السوري ومن خلاله عدة صفقات تبادل، برعاية الدول الراعية لمسار "أستانة".

لكنه أغلق بعد تفشي جائحة "كورونا" في البلاد عام 2019 وبقي موصدا إلى أن تم افتتاحه قبل أسبوع.

ويعتقد الباحث السياسي التركي، عمر أوزكيزيلجيك أن السبب الرئيسي وراء الحوادث الحاصلة بشأن "أبو الزندين" ترتبط بـ"الافتقار إلى التواصل وسوء الإدارة من حيث التوقيت".

ويعتبر معظم الناس في مناطق المعارضة أن فتح "أبو الزندين" يعتبر جزءا من عملية التطبيع بين تركيا ونظام الأسد.

لكن في الواقع كما يعتبر الباحث التركي في حديثه لموقع "الحرة" هو "محاولة لإحياء الاقتصاد والمصالح المشتركة لتركيا والمنطقة الآمنة في شمال سوريا، وكذلك لنظام الأسد".

ونظرا لأن عملية الفتح كانت "في غير توقيتها" ساد تصور أن ما حصل هو "جزء من عملية التطبيع بين تركيا والنظام السوري"، كما يضيف أوزكيزيلجيك.

لكن الباحث يتابع مستدركا أنه "على العكس من ذلك يبدو أن عملية التطبيع بين (أنقرة ودمشق) لا تسير على ما يرام".

ويوضح أنه بعد تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان يبدو أن الموقف الذي خرج على لسان بشار الأسد من دمشق "أوقف العملية"، ولم نشهد أي تطورات حقيقية أخرى على الأرض أو في المجال الدبلوماسي تشير إلى أن "عملية التطبيع مستمرة".

"بُعد محلي"

وكان الرئيس التركي إردوغان وجه عدة دعوات للقاء الأسد في الأسابيع الماضية.

ورغم أن رئيس النظام السوري لم يقطع الطريق أمامه أكد في حديث له للصحفيين على "متطلبات" و"نتائج" تضمن الانسحاب التركي من سوريا في مرحلة لاحقة.

وترعى روسيا المسار القائم بين تركيا والنظام السوري، كما أن لموسكو تفاهمات كثيرة مع أنقرة، ضمن محادثات "أستانة" وسوتشي الخاصة بإدلب والمناطق الحدودية في شمال شرق سوريا.

وبينما كانت الأنظار تتجه نحو الخطوة التالية التي ستقدم عليها دمشق وأنقرة أعاد وزير الدفاع التركي، يشار غولر قبل أسبوع التأكيد على 3 شروط للانسحاب من سوريا، وعلى رأسها وضع دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات.

ويعتقد الباحث السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، أيمن الدسوقي أن ما حدث في معبر "أبو الزندين" مؤشر بأن الطريق للاستقرار والسلام في سوريا ما يزال بعيدا، ويظل محفوفا بعدم اليقين ورهن لمفاوضات معقدة، تحكمها متغيرات ومصالح متضاربة.

كما تؤكد الأحداث الأخيرة التي رافقت إعادة افتتاح المعبر بأنه من غير الواقعي تجاوز البعد المحلي، سواء في مفاوضات الحل الشامل أو فيما يتعلق بأي ترتيبات أو تسويات جزئية، وفق الدسوقي.

ويقول لموقع "الحرة" إن الأحداث التي حصلت والجارية الآن "تدلل على مدى قوة اقتصاد الحرب وإمكانية تخريب المنخرطين فيه لأي اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار مصالحهم".

"بالون اختبار"

ومن غير الواضح معدل الاستفادة الذي سيعود على كل من النظام السوري وفصائل المعارضة في ريف حلب ومن افتتاح المعبر.

ويسود غموض أيضا بشأن نوعية السلع والبضائع التي ستمر، وما إذا كانت ستكون بالتساوي أو بنسب أكبر من مناطق سيطرة النظام للطرف المقابل.

وتؤسس هذه الأسئلة حالة من عدم اليقين، ويضاف إليها أخرى مرتبطة بالأطراف اللاعبة على الأرض، وبينها روسيا وتركيا وإيران.

وعلاوة على ذلك يشير الباحث الدسوقي إلى أن مسار التطبيع بين النظام السوري وتركيا يفترض التزامات متبادلة بين الطرفين، وهذا يطرح سؤال القدرة والرغبة لدى كليهما للإيفاء بهذه الالتزامات والتعاطي مع أي تحديات قد تنشئ.

ويرى الدسوقي أن "ما حدث في معبر أبو الزندين مؤشر بأن كليهما غير جاهز بعد. وهذا يشي بأن القضايا الخلافية الأكبر محل التفاوض بين الطرفين ستكون مرهقة ومحفوفة بعدم اليقين وكلاهما غير جاهز للانخراط فيها بعد".

ويعتقد الدسوقي أن "فتح أبو الزندين يتجاوز البعد الاقتصادي وإن كان يتضمنه، ويعتبر بمثابة بالون اختبار لإعادة تموضع تركيا في الملف السوري لتأخذ موقع الضامن بين النظام والمعارضة".

وكذلك اختبار "لمدى جدية النظام في الانخراط في مفاوضات تثار حولها أسئلة حدود قدرته ورغبته".

والأهم من ذلك كما يتابع الباحث السوري "قياس رد فعل إيران تجاه هكذا ترتيبات لا تتضمنها، فضلا عن مدى جدية الروس لدفع مسار التطبيع بين النظام وتركيا، والبناء عليه لتسوية الأزمة السورية".

"إيرادات"

لكن ومن ناحية أخرى يعتبر الباحث التركي، أوزكيزيلجيك أن فتح معبر أبو الزندين الحدودي قد يساعد شمال غرب سوريا أكثر مما قد يساعد نظام الأسد.

ويقول: "من حيث العلاقات الاقتصادية، إذا تم فتح هذا المعبر، فإن الصادرات إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام ستكون أكثر بكثير من الواردات من المناطق التي يسيطر عليها".

"نظام الأسد ليس لديه ما يقدمه ويصدره لشعب شمال غرب سوريا"، وفقا لأوزكيزيلجيك.

وعلى أساس ذلك يضيف أنه "إذا تم فتح (أبو الزندين) فسيكون هذا بمثابة إيرادات كبيرة للسلطات في شمال غرب سوريا، وخاصة الحكومة السورية المؤقتة".

كما سيساعد "أبو الزندين" في إحياء المنطقة الصناعية في الباب، ويزيد من قواعد الاقتصاد وسوق العمل، ويفتح فرص عاملة للسكان في المنطقة، وفق ذات المتحدث.

ويشير أيضا إلى أن "تركيا تأمل من عملية فتح الحدود الداخلية في سوريا إحياء الاقتصاد وتعزيزه بطريقة ما وتخفيف تكاليف نقص المساعدات الإنسانية والدولية".

ومن جهته يعتقد الباحث الدسوقي أن إعادة فتح المعابر الداخلية بين مناطق النفوذ أمام الحركة السكانية والتجارية يقلل من احتمالات ترسيخ مناطق النفوذ كحالة أمر واقع.

ومن شأن ذلك أن "يخلق مصالح جديدة عابرة لمناطق النفوذ وإعادة انتعاش سلاسل القيمة وطنيا، كما يعيد تشكيل تصورات المجتمعات المحلية تجاه بعضها، وهذه عوامل قادرة على تحريك معادلات الأمر الواقع كمناطق نفوذ"، وفق الباحث السوري.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية
صورة أرشيفية لأحد عناصر قوات سوريا الديمقراطية- تعبيرية

عادت العلاقات المُتأرجحة بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى واجهة الأحداث مجدّداً، بعد المواجهات الأخيرة في ريف دير الزور بين ضفّتي منطقة الجزيرة والشاميّة، حيث يتقاسم الطرفان السيطرة فيها منذ عام 2017.

انعكست بشكل سريع في بقعة جغرافية ليست بالبعيدة، وتحديداً في مدينة الحسكة المجاورة، التي يتقاسم الطرفان السيطرة فيها أيضاً، لكن بشكل أكثر تداخلاً وحساسية من الوضع في دير الزور.

استطاعت القوات الكردية -المكوّن الأساسي لِقسد- التمدّد سريعاً في مدينة الحسكة، منذ سيطرتها على بضعة أحياء في أطرافها الشمالية بين عامي 2012 و2014، حتى تموضعها بأحياء الجنوب والجنوب الشرقي ووسط المدينة في العام 2015، وتحديداً بعد طرد فلول تنظيم داعش التي هاجمت الحسكة صيف العام نفسه.

وعلى نحوٍ دراماتيكي، باتت سيطرة حكومة النظام تنحصر فقط في منطقة "المربع الأمني" وسط المدينة، التي تضم عدة أحياء صغيرة وشوارع رئيسة، فيها دوائر حكومية ومبنى القصر العدلي وأفرع المخابرات والتجنيد.

إثر المواجهات الأخيرة في دير الزور، حاصرت "قسد" المربّع الأمني ومنعت قوات النظام من الدخول والخروج وإدخال الإمدادات الغذائية والمياه، فانعكس ذلك على سكان تلك المنطقة الذين "يعانون الأمرّين" جرّاء معيشتهم في مدينة واحدة تحكمها "دولتان" وفق تعبير البعض ممن التقيناهم.

غالبية سكّان مدينة الحسكة يقطنون في أحياء تسيطر عليها "قسد" وذلك لعدة اعتبارات، أهمّها ابتعادهم عن سطوة الفروع الأمنية التابعة للنظام السوري وهروب الشباب من حملات التجنيد، بالإضافة لوضع الخدمات الجيّد نسبياً مقارنة بمنطقة المربّع الأمني.

غير أن ازدواجية العيش في مدينة الحسكة التي تظهر عبر أشكال مختلفة، تجعل السكّان يعيشون "تناقضاً صارخاً" كما يقول الناشط المدني عبد الرحمن بكرو، الذي يعيش في القسم التابع لـ"قسد".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن  "الأهالي والسكّان كانوا يأملون أن تسيطر الإدارة الذاتية على كامل أحياء الحسكة، لينتهي هذا الصراع المتجدّد بين طرفين يحكمان أحياء متداخلة داخل مدينة واحدة".

كما أن الكثير من السكان في مناطق سيطرة "قسد"، يتابع بكرو "هم موظفون في دوائر حكومية تابعة للنظام السوري، ويقبضون رواتبهم الشهرية منه، الأمر الذي يجبرهم على إنجاز التعاملات القانونية والأمنية مرتين، مرة في مناطق سكنهم، وأخرى في مناطق عملهم".

يبيّن: "هذه المشكلة تزداد تعقيداً مع وجود بعض الكليات والمعاهد والمدارس في منطقة سيطرة النظام السوري، ما يضطر الطلاب إلى استخلاص تأجيل دراسي من شعبة التجنيد التابعة لحكومته، كما يقومون بإنجاز أوراق مشابهة في مناطق سكنهم الأصلية".

"إذاً، عليك القيام بكل واجباتك القانونية لدولتين في وقت واحد"، يقول بكرو.

 

المدنيون "يدفعون الثمن"

بحسب بعض سكان الحسكة الذين تحدث إليهم "ارفع صوتك"، فإن الشارع الواحد داخل المدينة (مثلاً طوله نحو 300 متر)، قد يضم حاجزين أمنيين، أحدهما تابع لشرطة "قسد" وتُدعى "الأسايش"، والآخر يتبع النظام.

يقول عباس سلو (46 عاماً)، إن هذا الأمر يسبب ضغوطات كبيرة على السكان، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "تتميز الحسكة بأنها مدينة صغيرة جداً، وأحياؤها متداخلة بشكل كبير جداً، لذلك فإن التنقل بين شارع وآخر ضرورة لا مفرّ منها".

"لا سيما أن النظام السوري يسيطر عملياً على قلب المدينة، بما تحويه هذه المنطقة من دوائر حكومية وأسواق رئيسية. لا يمكن لسكان الحسكة أن يقولوا (لن نمرّ من هناك)"، يتابع سلو.

يعود آخر تاريخ للمواجهات المسلّحة بين "قسد" وقوات النظام في الحسكة إلى ربيع 2021، ورغم ذلك، فإن الأهالي يعبّرون دائماً عن تخوّفهم من أنّ أي توتّر بين الجانبين في أيّ مكان من نقاط التماسّ بينهما، سينعكس سلباً على حياة المدنيين واستقرارهم.

وأدّت المواجهات السابقة بين الطرفين إلى وقوع ضحايا بين المدنيين، يقول كمال راضي، من سكان حي المحطّة وسط الحسكة "ذنبهم الوحيد أنّهم تواجدوا خلال اشتعال فتيل المناوشات".

يوضح راضي (39 عاماً): "المناوشات بين الجانبين في دير الزور تحصل عادةً بين ضفتي النهر، وهذا يعطي المدنيين فرصة للفرار من مناطق التوتر، أما في الحسكة، فلا يبعد الحاجز العسكري لقسد سوى بضعة أمتار عن حواجز النظام السوري، ما يعني حتميّة الإضرار بالمدنيين في المنطقة، مع عدم وجود فرصة للهروب".

وخلال الحصار الأخير لمنطقة المربع الأمني في مدينة الحسكة، قال سكان مدنيون إنهم تضرّروا بشكل واسع جراء القيود على دخول سيارات الشحن بما تحمله من مواد غذائية وعبوات مياه الشرب.

هذا الأمر، أدى لرفع أسعار بعض المواد الغذائية قبل أن تعود تدريجياً إلى معدّلاتها السابقة.