Men carries a body of a Syrian who died in the earthquake in Turkey and was transported to Syria
من ضحايا الزلزال السوريين- رويترز

لم تنتظر قوات النظام السوري أن يزيل الشمال ركام الدمار الذي خلفه الزلزال المدمر الذي ضربه في 6 فبراير الجاري، ليبدأ قصفا مدفعيا استهدف قرية آفس والطريق الواصلة إلى تفتناز بالإضافة إلى محيط بلدة بنش بريف إدلب، وفق تأكيد فريق الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) الذي قال إن فرقه تفقدت الأماكن التي تعرضت للقصف.

ويبدو أن القصف المتكرر للنظام من أبرز التحديات التي تواجه الشمال السوري بموازة معالجة الأضرار التي خلفها الزلزال، حيث تؤكد صفحة "منسقو استجابة سوريا"، أن التقديرات الأولية للخسائر في شمال غرب سوريا تتمثل بـ ألف منزل مدمر مع وجود نحو 14 ألف منزل غير صالح للسكن وبحاجة إلى الهدم، في حين تعرض نحو 11 ألف منزل آخر للتصدّع.

وشملت الأضرار المنشآت والبنى التحتية، إذ تم رصد أضرار في 293 منشأة تعليمية ما بين أضرار جزئية ومتوسطة، وشملت الأضرار المنشآت الطبية حيث تم تسجيل 48 منشأة متضررة و27 نقطة ضمن مكاتب المنظمات و77 ضمن منشآت إما في الأسواق أو المساجد.

وقدر فريق الاستجابة الأضرار ضمن الطرق الرئيسة والفرعية في المنطقة حوالي 117 كم، ووصل عدد المتضررين إلى نحو 965 ألف نسمة، ومن المتوقع ارتفاع الرقم إلى 1.3 مليون نسمة نتيجة الزيادة الهائلة في أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية الطارئة.

وتقدر الخسائر المادية الأولية وفقا للفريق بحوالي 365 مليون دولار أميركي. كما توقع الفريق أن تتعافى المنطقة بنسبة 60% بعد ثلاث سنوات من الكارثة، وتحتاج 5 سنوات للعودة إلى الوضع الذي كانت عليه ما قبل الكارثة.

في حديثه لموقع "ارفع صوتك"، يؤكد عبد الرزاق عوض، مدير منظمة "سيريا ريليف" في إدلب، أن المناطق الأكثر تضررا هي "المحاذية للحدود التركية بشكل عام خصوصا مناطق حارم وسلقين وجنديرس، وتعرضت الكثير من منازلها لهدم كلي".

ويضيف أنه "يتطلب حاليا إيواء العائلات التي تضررت بيوتها كاحتياجات عاجلة، في حين يتطلب في مرحلة لاحقة بناء شقق سكنية للذين خسروا منازلهم".

وعن أبرز التحديات، يبين عوض، أن نقص التمويل بشكل عام وعدم توفر المواد الإغاثية حتى في السوق المحلية في حال أرادت المنظمات شراء هذه المواد منه، مردفاً "أما المسار التعليمي فلا يسير على ما يرام لأن كثيراً من المدارس تضررت وتخضع لفحص هندسي وهناك توقف شبه كامل في العملية التعليمية، يضاف إلى كل تلك التحديات أن السكان في شمال غرب سوريا ما زالوا يعيشون في خوف دائم مع استمرار الهزات والزلازل، لذلك يبيت معظمهم في العراء". 

وكان منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا، قال إن ما يقرب من 4.1 مليون شخص بحاجة إلى المساعدات في شمال غربيّ سوريا.

وفي رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وجهها شادي حلوة أحد الإعلاميين المؤيدين للنظام السوري، ينقل مشهد الدمار والخراب والكوارث التي تعرضت لها أحياء حلب جراء الكارثة، ويضاف ما ينقله إعلام النظام إلى حديث في المدينة عن الحياة المليئة بالخوف حيث تعاني المدينة بطبيعة الحال من أزمة اقتصادية ومعيشية حادة فاقمها الزلزال.

وتؤكد بعض العائلات في حلب واللاذقية التي تواصل معها "ارفع صوتك"، أن الكثير من المدارس مليئة بالناس الذين تهدمت أو تصدعت بيوتهم، وأن أزمة توزيع المساعدات والحديث عن الفساد الممارس من قبل القائمين على توزيع المساعدات تتصدر المشهد، في حين لا تبدو هناك آمال بجهود من السلطات لتحسين أو تبديل أوضاعهم.

ونقلت صحيفة "الوطن" السورية الموالية للنظام، معلومات عن ارتفاع عدد الطائرات التي تحمل مساعدات من عدة دول إلى 205 طائرات، تزامناً مع تواصل قدوم قوافل مساعدات عبر البر من العراق وسلطنة عُمان ولبنان.  

وعلى الجانب الآخر المتمثل بالجهود الحكومية، لا تبدو هناك خطط يمكن البناء عليها للملمة الأزمة خصوصا بعد أن وافق مجلس الوزراء على الموازنة التقديرية لصندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية لعام 2023 البالغة 50 مليار ليرة سورية فقط (700 ألف دولار).

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي السوري الدكتور فراس شعبو، لـ"ارفع صوتك"، إن الخسائر بالدرجة الأولى هي خسائر بشرية لأن "لا مرافق حقيقية في البلاد، حيث لا توجد جسور وأنفاق ليدمرها الزلزال، كما تعاني سوريا أصلا أزمة كهرباء حادة ولا توجد شبكات ماء وغاز حتى يصيبها الضرر". 

ويوضح أن الخسائر التي سببها الزلزال "تعود لأفراد وشركات وليست على مستوى دولة"، مؤكداً أن "الأضرار أكبر بكثير في مناطق الشمال الذي يخضع لسيطرة المعارضة ولا يوجد عمل إحصائي لتقييم حجمها الحقيقي، في حين أن الدعم الحالي هو دعم إغاثي وليس تنموياً أو مستداماً".

ويتابع شعبو، أن التحديات والصعوبات في مناطق المعارضة "أكبر من مناطق سيطرة النظام الذي استفاد من الزلزال بعد تلقيه أموالاً ومساعدات، لن يستفيد منها بطبيعة الحال أي متضرر بشكل ملموس، خصوصا مع افتراش العائلات العراء والحديث عن بيع المساعدات وعدم وجود حديث عن إصلاح أو إعادة إعمار من قبل حكومة النظام".

مواضيع ذات صلة:

Syrian artist Salam Hamed's daughter Sima, sits on rubble of damaged buildings in the rebel-held town of Jandaris
كارثة الزلزال خلفت عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين في تركيا وسوريا

قبل الزلزال المدمر كان أمل الآلاف من مرضى السرطان في شمال سوريا معلّقٌ بـ"جرعة يتلقونها خارج الحدود"، وبينما كانوا يعبرون أسبوعيا عبر الشريان الوحيد (معبر باب الهوى) قاصدين المشافي التركية، جاءت الكارثة لتقطع "الأمل الوحيد" وتقلص عامل الزمن ومراحل الصراع مع الأيام، للبقاء على قيد الحياة.

منذ يوم السادس من شهر فبراير الماضي – أي تاريخ حلول الزلزال في سوريا وتركيا- توقفت عمليات إحالة هؤلاء المرضى إلى المشافي التركية لتلقي العلاج بالجرعات الكيماوية والعلاج الإشعاعي، بعدما كان هذا المسار معمولا به منذ سنوات طويلة من خلال "باب الهوى".

وعلى مدى الأيام الماضية اقتصر العبور من خلال هذا المعبر الحدودي، الذي يصل تركيا بمناطق شمال غرب سوريا، على دخول المساعدات الإنسانية وجثث الضحايا السوريين الذين قضوا في ولايات تركية متفرقة، بالإضافة إلى من يرغب من المنكوبين "قضاء إجازة في الوطن".

ورغم وجود مشافٍ ونقاط طبية في مناطق الشمال السوري، إلا أنها غير قادرة على تقديم العلاج للآلاف من مرضى السرطان، وبينما تقتصر الإمكانيات على إعطاء الجرعات الكيماوية وبشكل محدود لقسم منهم في مشفى "إدلب المركزي" (مشفى المحافظة)، تنعدم الخيارات فيما يتعلق بالعلاج المناعي والإشعاعي.

ويوضح مدير مركز التنسيق الطبي في "باب الهوى" الطبيب بشير إسماعيل أن جميع إحالات الحالات الإسعافية والباردة إلى المشافي التركية توقفت منذ لحظة حلول الزلزال، وأنه "لم تدخل أي حالة طبية إلى تركيا في أعقاب الكارثة، سوى الطفلة شام التي كانت مصابة بمتلازمة الهرس".

وبشكل شهري وقبل الزلزال كان المعبر الحدودي يشهد تحويل 300 حالة إسعافية إلى المشافي التركية، معظمها خاصة بالأطفال والولادات الحديثة (الخدّج)، إلى جانب 450 من الحالات الباردة، معظمها من الجراحات القلبية ومرضى السرطان.

ويقول إسماعيل لموقع "الحرة": "بعد إغلاق المعبر وتوقف نظام الإحالات إلى المشافي التركية تضرر عدد كبير من المرضى، وخاصة المصابين بالأورام الخبيثة". مشيرا إلى أن "العامل الزمني مهم لعلاجهم".

وتشير إحصائيات خاصة بعام 2022 إلى وجود 1264 حالة مرضية بالأورام الخبيثة كانت تعبر لتلقي العلاج في الداخل التركي، وبشكل شهري سجلت الجهات الطبية هناك عبور 150 مريض من "باب الهوى" للحصول على الجرعات والخضوع للخدمات الإشعاعية.

ينقسم علاج مرضى السرطان إلى ثلاث مراحل، وفق الطبيب إسماعيل، الأولى بالجرعات الكيماوية، إلى جانب العلاج المناعي والإشعاعي.

ويشرح أنه "يمكن تأمين العلاج الكيماوي معظم الجرعات إذا توفر الدعم المادي لغالبية أنواع السرطانات، بينما يحتاج عدد كبير من المرضى علاجا مناعيا تتطلب مراحله أدوية غالية الثمن".

في غضون ذلك تفتقد مشافي الشمال السوري لجهاز الأشعة، وفي حال تم تأمينه في المرحلة المقبلة لن تحل المشكلة، حيث تعاني المنطقة من انعدام الأطباء الاختصاصيين، بينما يشير الطبيب السوري إلى أن "تأمين الجهاز يحتاج لتكلفة مادية كبيرة جدا، ومع ذلك وبسبب فقدان الأخصائيين للعمل عليه يمكن الاستعانة بأطباء سوريين وأتراك في الداخل التركي".

"أنقذوهم"

وكانت كارثة الزلزال المدمر قد خلفت خلال الأيام الماضية، سواء في تركيا أو سوريا، عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين، فضلا عن آلاف المصابين في المشافي، في وقت بات القطاع الطبي مرهقا ويواجه تحديات في كلا البلدين.

وعلى اعتبار أن عبور حالات الأمراض المزمنة التي كانت تعبر من شمال سوريا إلى تركيا لتلقي العلاج في المشافي هناك لم تكن مقتصرة على مصابي السرطان، إلا أنهم الفئة الأكثر ضعفا، نظرا لندرة الأدوية وحساسية العلاجات التي يحتاجونها ضمن آلية يحكمها الزمن، دون أي تأخير.

ويستعد أطباء وناشطون في القطاع الطبي في شمال سوريا خلال الأيام المقبلة إطلاق حملة تحت عنوان "أنقذوهم"، في مسعى لمحاولة تأمين جرعات كيماوية، والحصول على تبرعات مالية يحتاجها المصابون، فضلا عن تأمين أجهزة طبية لا تتوفر في الوقت الحالي ضمن المراكز الطبية.

ويقول الطبيب السوري زهير القراط مدير "صحة محافظة إدلب" إنه لا حلول متاحة حتى الآن بخصوص علاج مرضى السرطان، بسبب "إغلاق معبر باب الهوى أمام الإحالات الطبية، وإعادة مرضى آخرين من مشفى هاتاي إلى سوريا خلال الأيام الماضية".

يضيف القراط لموقع "الحرة": "الاحتياج كبير. هناك أطباء في الشمال السوري لكن تكلفة الجرعات كبيرة جدا، عدا عن وجود مرضى يحتاجون علاجا إشعاعيا، وهو ما لا يتوفر"، وأشار إلى تشخيص مرضى جدد بالسرطان في المنطقة، ليزيد عددهم مع المرضى القدماء.

ووفق وزير الصحة في "الحكومة السورية المؤقتة" التابعة للمعارضة، الطبيب مرام الشيخ فإن "أحد أبرز المشاكل التي يواجهونها بعد كارثة الزلزال هي حال مرضى السرطان والأوعية الإكليلية والقصور الكلوي".

ويوضح الشيخ لموقع "الحرة": "رغم وجود مراكز تتيح إعطاء الجرعات الكيماوية في الشمال السوري، إلا أن العلاج بالأشعة غير متوفر، بسبب غياب الأجهزة والاختصاصيين".

"هناك تراكم لعدد كبير من مرضى السرطان في المنطقة، وتأخر آلية دخولهم تسفر عن مشاكل كبيرة بالنسبة لقطاعنا الصحي"، بينما يشير الشيخ إلى أنهم يتواصلون مع الجانب التركي "لإعادة تفعيل إحالات بعض المرضى الذين يحتاجون لعلاج كيماوي وشعاعي".

"ثلاثة أطباء في كل الشمال"

وتعتبر الأراضي التركية المتنفس الوحيد أمام المرضى السوريين في شمال سوريا وغربها، وعدا عن كون القطاع الطبي في هذه المنطقة يعاني الآن من مشاكل خلفها الزلزال، سبق وأن دخل في عقبات مشابهة لم ينته منها حتى الآن، في مقدمتها التفشي المستمر لمرض "الكوليرا".

وفي أولى زياراته إلى الشمال السوري عقب الكارثة، دعا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الأربعاء، المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم للسكان المتضررين.

ووصل غيبرييسوس الى محافظة إدلب آتيا من تركيا المجاورة، وزار ثلاثة مستشفيات في مناطق باب الهوى وعقربات وسرمدا، كما تفقدّ مركز إيواء للمتضررين من الزلزال في بلدة كفرلوسين.

وقال خلال مؤتمر صحافي: "يحتاج السكان في شمال غرب سوريا إلى مساعدة المجتمع الدولي للتعافي وإعادة البناء"، داعيا "المجتمع الدولي والحكومات" إلى بذل أقصى الجهود من أجل مساعدة "أولئك الذين يعانون من خسارة لا يمكن تصوّرها ومن الفقر والحرمان".

وفي تلك المنطقة، التي يتجاوز عدد سكانها أكثر من 4 ملايين نسمة توجد مشاف عدة، بالإضافة إلى نقاط طبية ومراكز إسعافية، يعمل معظمها من خلال الدعم المقدم من قبل منظمات أوروبية (مانحون)، بموجب عقود، جزء منها لستة أشهر وآخر لمدة عام كامل، يتجدد سنويا.

وتعتبر "الجمعية الطبية السورية-الأميركية" (سامز) إحدى أبرز المنظمات المعنية بدعم القطاع الطبي، من مشافٍ ومراكز طبية، بينما تنتشر كوادرها في عموم مناطق الشمال السوري. 

وكانت الجمعية قد أدخلت في الأيام الأولى من كارثة الزلزال عددا من الأطباء السوريين القادمين من الولايات المتحدة، بعدما اتضح الحجم الكبير للمصابين، والذين يتطلبون دخلا علاجيا فوريا.

ويقول كبير المستشارين في "سامز" الطبيب عبدالرحمن العمر إن إغلاق الحدود في وجه الإحالات الطبية الخاصة بمرضى السرطان "أسفر عن عبء كبير على المشافي والمراكز"، ما اضطرهم إلى إطلاق مركز رابع في مشفى "باب الهوى"، معني بتقديم الجرعات الكيماوية.

ويتبع للجمعية الطبية السورية – الأميركية مركز رئيسي لمرضى السرطان في مشفى المحافظة بإدلب، ومركزين آخرين في جرابلس والباب بريف حلب الشمالي.

ومع ذلك يضيف الطبيب السوري لموقع "الحرة" أنهم يواجهون معوقات في الوقت الحالي، ترتبط بصعوبة تأمين أدوية العلاج بالكيماوي، موضحا: "في السابق كنا نعتمد على شرائها من تركيا، لكن الآن هناك صعوبات من حيث التوفر واللوجستيات وعملية النقل".

وترتبط معوقات أخرى بندرة الأطباء المختصين بالأورام، إذ يقتصر عددهم على 3 في كل الشمال الغربي لسوريا، بينما لا يوجد أخصائيين بأجهزة الأشعة "غير الموجودة في المنطقة بالأصل".

ويتابع العمر: "الشمال الغربي لسوريا يفتقد لخدمة العلاج بالأشعة، بسبب عدم توفر خدمة المسرع الخطي والجهاز، إضافة إلى عدم توفر الأخصائي وهو الأهم. حتى لو تم توفير الجهاز لا يوجد أي أخصائي أو كادر يمكن تدريبه. العلاج بالأشعة اختصاص قائم بحد ذاته ومدته أربع سنوات".