A member of a rescue team carries the body of a child in the aftermath of a deadly earthquake in Jandaris, Syria
عناصر من "الدفاع المدني السوري" خلال عمليات الإنقاذ في المناطق المتضررة من الزلزال- رويترز

مثل خلايا الكريات البيضاء أو المضادات الحيوية تستجيب فرق الخوذ البيضاء لكل كارثة تسفر عن ضحايا ومنكوبين في الشمال السوري.

وبالنسبة لمنطقة تعيش حالة طوارئ مستمرة وعمليات عسكرية لا تتوقف مع غياب تام لمؤسسات الدولة الخدمية، يقع جزء كبير من عبء إنقاذ الأرواح وتطويق الخسائر على كاهل قوى الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) رغم شح الموارد وضعف الإمكانيات.

فمتى تأسست هذه المنظمة، وما مهامها الرئيسة؟ وما موقف النظام السوري والأنظمة الدولية منها؟ 

 

التأسيس

في أواخر 2012 لجأ النظام السوري إلى استخدام سلاح الجو ضد المدن والأحياء التي بدأت في الخروج عن سيطرته. وإثر انسحاب المؤسسات الخدمية الرسمية، رتبت التنسيقات الشعبية لمبادرات إغاثية تطوعية لرفع الأنقاض وإسعاف الجرحى.

ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية واستخدام النظام أسلحة أشد فتكا وتدميرا، لم تعد المبادرات التطوعية الشعبية كافية للتعامل مع حجم الدمار والخسائر الناجمة عنها، فكان الاتفاق على تأسيس قوات دفاع مدني ذات طابع مؤسساتي وكوادر مدربة، لتتأسس فرق دفاع مدني في حلب وريفها أوائل 2013، أثناء المعارك التي شهدتها أحياء المدينة.

وتشكلت الفرق من متطوعين وناشطين اعتمدوا في عملهم على معدات يدوية، واقتصرت مهامهم على الإنقاذ والإطفاء والإسعاف، وظهرت أول المراكز في مدينة حلب ودوما والباب.

في أكتوبر 2014  أسفر اجتماع موسع لمتطوعين ومهتمين بالعمل الإغاثي عن تأسيس جسم موحد باسم "الدفاع المدني السوري"، وعرفوا لاحقا باسم "الخوذ البيضاء" بسبب الخوذ التي يرتديها المتطوعون أثناء عملهم.

واعتبارا من ذلك التاريخ بدأ عمل المنظمة يأخذ طابعاً مؤسساتيا ويخضع منتسبوها إلى تكوين في المجال الإغاثي الإنساني، وغطى نشاطها الكثير من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فبلغت عدد مراكز المنظمة أكثر من 120 مركزا تضم ما يزيد عن 3200 متطوع.

مجموعة من متطوعي "الخوذ البيضاء" أثناء عمليات الإنقاذ بين الأنقاض التي خلفها الزلزال- ا ف ب
"الخوذ البيضاء": آلاف المتطوعين يقودون عمليات الإنقاذ في شمال سوريا
بعدما اكتسبت خبرة خلال سنوات الحرب الطويلة، تقود منظمة "الخوذ البيضاء"، الدفاع المدني في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة في شمال سوريا، عمليات الإنقاذ بلا كلل منذ الزلزال الذي ضرب البلاد ومركزه تركيا المجاورة.

المهام

كانت استجابة المتطوعون والناشطون عفوية في شهور الانتفاضة الأولى، وعبر دورات التكوين التي شاركوا فيها خارج سوريا أدركوا أن مهامهم يؤطرها القانون الدولي الإنساني ويصنفها ضمن مهام "الدفاع المدني".

لا تنحصر مهام أفراد "الخوذ البيضاء" في التدخل أثناء الهجمات أو الكوارث فقط، بل تبدأ مهامهم قبل ذلك عن طريق تحذير السكان المدنيين من الهجمات والمخاطر الوشيكة، وتستمر إلى ما بعد رفع الأنقاض وانتشال الضحايا وإسعاف الجرحى، بتوفير الرعاية الطبية والدعم النفسي للناجين، إضافة إلى إجلاء المدنيين في مناطق القتال، وتوفير المأوى لهم، وإدارة الملاجئ والتعامل مع الحرائق ومخلفات العمليات العسكرية مثل القنابل والقذائف غير المنفجرة، والتحذير من حقول الألغام والمناطق الخطيرة، وإصلاح المرافق الحيوية المتضررة كشبكات الكهرباء وقنوات الصرف الصحي والطرق المخربة وغيرها. 

تؤكد المنظمة أنها تعمل وفقا لمقتضيات وإرشادات منظمات الدفاع المدني في جميع أنحاء العالم، ووفقا للقانون الدولي الإنساني كما هو محدد في البروتوكول الأول (المادة 61) لاتفاقيات جنيف عام 1949، وتتعهد بتقديم الخدمات المدرجة في الفقرة (5).

وأهدافها تتلخص في "حماية السكان المدنيين من الأخطار الناجمة عن كافة الأعمال العدائية أو الكوارث الأخرى، والمساهمة في الإسراع من التعافي من الآثار المباشرة لمثل هذه الأحداث وتوفير الظروف اللازمة للحفاظ على حياة السكان المدنيين".

خلال جائحة كورونا رابطت طواقم الخوذ البيضاء في الخطوط الأمامية ضد انتشار الوباء في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة. وتولت مسؤولية التوعية والتعقيم والتلقيح وصناعة المعدات الشخصية الخاصة بالوقاية من الفيروس بالتعاون مع جهات دولية مانحة. 

 

النظام وحلفاؤه

روجت الصحف والمواقع الإلكترونية المؤيدة للنظام السوري وإيران وروسيا، عبر مقالات رأي وتقارير يعتبرها مدير المنظمة رائد الصالح "مضللة" حول "الخوذ البيضاء".

وجاء في مقال منشور على أحد المواقع المقربة من النظام السوري، أن المنظمة "مرتبطة بشركة الخدمات الأمنية (بلاك ووتر)، وهي في نفس الوقت منظمة بريطانية الأصل أسسها ضابط عسكري سابق في قوات الأمن الخاصة يدعى جايمس لو موزورييه عام 2013. ومولت تكاليف تأسيسها بلدان عدة كانت تعارض سوريا آنذاك، لكن مصدر معظم تمويلها وتدريبها هو بريطانيا التي مولّتها حتى يومنا هذا بمبلغ 65 مليون جنيه إسترليني. ومولتها الولايات المتحدة الأميركية أيضا عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو أس إيد)".

الغريب أن الاتهامات المواجهة إلى المنظمة توزعت بين الولاء للقاعدة والارتباط بأجهزة المخابرات الأجنبية، فحسب ماريا زخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية، فإن الخوذ البيضاء "على علاقة وثيقة مع المتطرفين في سوريا وساهمت في استمرار النزاع، ومن قدموا أنفسهم على أنهم إنسانيون هم عملاء أجانب عملوا لمصلحة دول أخرى".

وشددت المسؤولة الروسية في آخر تصريح لها حول المنظمة، أنها "أداة يستخدمها الغرب".

يرد الدفاع المدني السوري على مزاعم الارتباط بالإرهاب أو الولاء لجهات خارجية بالقول، إنهم "لا يميزهم أي اعتبار سياسي أو ديني إلا الخوذ البيضاء التي يضعونها على رؤوسهم"، وأكد الصالح أنهم "مستقلون وحياديون وغير منحازين، وليسوا مرتبطين بأي جهة سياسية أو مجموعة مسلحة".

وقد تجددت الاتهامات التي تطال المنظمة مع اشتداد الحرب في أوكرانيا، إذ اتهمتها روسيا بالتورط في النزاع إلى جانب أوكرانيا بإيعاز من دول غربية.

واعترفت المنظمة بإنتاجها محتويات مرئية إرشادية موجهة إلى المتطوعين والمدنيين في أوكرانيا هدفها نقل تجربتهم الإغاثية إلى من هم بأمس الحاجة إليها.

إلى جانب الاستهداف المعنوي لـ"الخوذ البيضاء" كانت أيضا طواقمهم على الأرض هدفا مباشرا وغير مباشر لغارات الطائرات الروسية والنظام السوري، ما أسفر عن مقتل أكثر من 300 متطوعا تابعا للها، والكثير منهم سقطوا نتيجة إعادة قصف الأهداف بعد هروع الإسعاف والدفاع المدني إليها. 

 

العالم

رغم الاتهامات الكثيرة التي وصمتها بها جهات داعمة لنظام الأسد، إلا أن الإشادات العالمية بالمنظمة لم تتوقف منذ تأسيسها.

وحصلت "الخوذ البيضاء" على جوائز تكريمية عديدة أهمها جائز "نوبل البديلة" في 2016، وتم ترشيحها لجائزة نوبل للسلام أكثر من مرة، ولا تزال على قائمة المرشحين لنيل الجائزة المرموقة إلى اليوم، بدعم من صحف عالمية كبرى وشخصيات فنية بارزة.

وشكل حصول الفيلم الوثائقي "الخوذ البيضاء" على جائزة الأوسكار 2017 ذروة الاحتفاء العالمي بها، ووثق الفيلم جهود طواقم المنظمة في انتشال الضحايا تحت الأنقاض، واعتمادها على إمكانيات بسيطة في ظروف بالغة الخطورة.

وهو ما صوره أيضا الفيلم الوثائقي التسجيلي "آخر الرجال في حلب" الذي حظي بدوره بإشادة النقاد وحصد جائزة لجنة التحكيم الكبرى في قسم السينما العالمية في مهرجان "سان دانس" السينمائي.

وفي العام ذاته خصصت مجلة "تايم" غلافها لمنظمة الخوذ البيضاء، وصنفت مديرها رائد الصالح ضمن 100 شخصية مؤثرة في العالم عام 2017، التي ضمت سياسيين وقادة ملهمين ورواد أعمال.

 

كارثة الزلزال

أعاد الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا تسليط الضوء على الجهود الضخمة التي تبذلها فرق "الخوذ البيضاء" في انتشال الضحايا وإسعاف الجرحى، خصوصا بعد مرور أيام على الكارثة دون أن تدخل أية شحنة إغاثية أو أطقم إنقاذ أجنبية إلى شمال غرب سوريا، فكان العبء كله على  قوى الدفاع المدني ومتطوعين مدنيين.

Volunteers carry a pot of food to be distributed to people displaced by the earthquake in the rebel-held town of Jandaris
نشطاء في مواقع التواصل: الأمم المتحدة خذلت الشمال السوري

على مشارف مدينة جنديرس بريف حلب التي تعرضت للزلزال المدمر، يقف الناشط الإعلامي هادي العبد الله وناشطو آخرون، للترحيب بوصول قافلة الإغاثة القادمة من دير الزور وشرق سوريا إلى المناطق المنكوبة في مناطق شمال سوريا الخاضعة للمعارضة السورية.



بذلت طواقم الدفاع المدني جهودا مضنية لرفع الأنقاض وانتشال المصابين وسحب الجثث باستخدام أدوات ومعدات بسيطة لا تتناسب وحجم الدمار الذي خلفته الكارثة.

وكانت استجابتها سريعة وغطت فرقها معظم المناطق المتضررة، وكان عليها أن تدخل في سباق مع البرد والزمن لانتشال أكبر عدد ممكن من الضحايا على قيد الحياة، وتوفير المأوى والرعاية لهم. 

كما أظهرت مقاطع مصورة لعمليات البحث تحت الأنقاض، كيف أنها تتم في الأغلب بواسطة أدوات بسيطة، فكانت الكتل الخرسانية الضخمة تحدياً متعباً أعاق الوصول السريع إلى العالقين تحت الركام. 

وأطلق أفراد الدفاع المدني نداءات استغاثة عاجلة إلى العالم لإمدادهم بما يحتاجون إليه للتعامل مع تداعيات الكارثة، ووعدت جهات مانحة بينها "صندوق قطر للتنمية" بتقديم الدعم في آجال قريبة، كما بدأت فرق إنقاذ أجنبية ومنظمات إغاثية وشحنات مساعدات بالدخول أخيرا إلى المناطق المنكوبة.

كما لجأ الصالح إلى موقع "GoFundMe" المتخصص في جمع التبرعات، وطالب بجمع 500 ألف دولار سيخصص كله لفرق "الخوذ البيضاء"، وقال إن طواقمهم "ما زالت تسمع صرخات الضحايا تحت الأنقاض وأنهم بحاجة ماسة إلى معدات متخصصة لإنقاذ المزيد من الأرواح". وخلال بضعة أيام تمكن من جمع 379.291 دولار بعد تبرع حوالي 4700 شخص.

وفي آخر إحصائية نشرتها قوى الدفاع المدني، قالت إنها سجلت 2170 حالة وفاة تم انتشالها من طرفهم تحت الأنقاض، من أصل 2274 حالة وفاة إجمالية، واستجابت لـ2950 مصابا من إجمالي حوالي 12400 مصابا. وهي أرقام في ارتفاع دائم مع استمرار عمليات الإنقاذ إلى غاية اللحظة.

 

العناصر النسائية

تعمل ضمن طواقم المنظمة حوالي 260 متطوعة، يشرفن على أكثر من 17 مركزا نسائيا موزعا على عدد من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

واعتبارا من 2017 قامت المنظمة بتأسيس فرق نسائية تفاعلا مع احتياجات ظهرت في مناطق الحرب، مثل نقص الرعاية الصحية بسبب الاستهداف المباشر للخدمات الطبية، والحاجة إلى نشر الوعي بين المدنيين حول كيفية الاستجابة بأمان لمخاطر العيش في مناطق النزاع. وكثير من المتطوعات لهن خلفيات في التمريض والصيدلة وغيرها من التخصصات ذات العلاقة.

وتشمل الخدمات التي تقدمها المتطوعات إسعاف المصابين جراء الهجمات ومراقبة حالاتهم من خلال القيام بزيارات منزلية، وتقديم الرعاية الصحية للنساء أثناء وبعد الولادة، وتقديم الإرشادات للنساء حول طرق التعامل مع الهجمات المميتة بالأسلحة الكيميائية والاحتماء من الغارات الجوية وغيرها. 

وتشارك متطوعات الدفاع المدني في دورات تدريب مستمرة لصقل مهاراتهن واكتساب خبرات جديدة قد تبدو بعيدة عن مجالات اهتمام النساء في الظروف العادية، وشاركت على سبيل المثال المتطوعات في دورة تدريبية عن الذخائر غير المنفجرة، وتم تدريبهن على المسح غير التقني بهدف توسيع عمليات المسح والتوعية الخاصة بمخلفات الحرب التي تشكل خطراً يهدد حياة المدنيين في مناطق شمال غربي سوريا.

مواضيع ذات صلة:

Syrian artist Salam Hamed's daughter Sima, sits on rubble of damaged buildings in the rebel-held town of Jandaris
كارثة الزلزال خلفت عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين في تركيا وسوريا

قبل الزلزال المدمر كان أمل الآلاف من مرضى السرطان في شمال سوريا معلّقٌ بـ"جرعة يتلقونها خارج الحدود"، وبينما كانوا يعبرون أسبوعيا عبر الشريان الوحيد (معبر باب الهوى) قاصدين المشافي التركية، جاءت الكارثة لتقطع "الأمل الوحيد" وتقلص عامل الزمن ومراحل الصراع مع الأيام، للبقاء على قيد الحياة.

منذ يوم السادس من شهر فبراير الماضي – أي تاريخ حلول الزلزال في سوريا وتركيا- توقفت عمليات إحالة هؤلاء المرضى إلى المشافي التركية لتلقي العلاج بالجرعات الكيماوية والعلاج الإشعاعي، بعدما كان هذا المسار معمولا به منذ سنوات طويلة من خلال "باب الهوى".

وعلى مدى الأيام الماضية اقتصر العبور من خلال هذا المعبر الحدودي، الذي يصل تركيا بمناطق شمال غرب سوريا، على دخول المساعدات الإنسانية وجثث الضحايا السوريين الذين قضوا في ولايات تركية متفرقة، بالإضافة إلى من يرغب من المنكوبين "قضاء إجازة في الوطن".

ورغم وجود مشافٍ ونقاط طبية في مناطق الشمال السوري، إلا أنها غير قادرة على تقديم العلاج للآلاف من مرضى السرطان، وبينما تقتصر الإمكانيات على إعطاء الجرعات الكيماوية وبشكل محدود لقسم منهم في مشفى "إدلب المركزي" (مشفى المحافظة)، تنعدم الخيارات فيما يتعلق بالعلاج المناعي والإشعاعي.

ويوضح مدير مركز التنسيق الطبي في "باب الهوى" الطبيب بشير إسماعيل أن جميع إحالات الحالات الإسعافية والباردة إلى المشافي التركية توقفت منذ لحظة حلول الزلزال، وأنه "لم تدخل أي حالة طبية إلى تركيا في أعقاب الكارثة، سوى الطفلة شام التي كانت مصابة بمتلازمة الهرس".

وبشكل شهري وقبل الزلزال كان المعبر الحدودي يشهد تحويل 300 حالة إسعافية إلى المشافي التركية، معظمها خاصة بالأطفال والولادات الحديثة (الخدّج)، إلى جانب 450 من الحالات الباردة، معظمها من الجراحات القلبية ومرضى السرطان.

ويقول إسماعيل لموقع "الحرة": "بعد إغلاق المعبر وتوقف نظام الإحالات إلى المشافي التركية تضرر عدد كبير من المرضى، وخاصة المصابين بالأورام الخبيثة". مشيرا إلى أن "العامل الزمني مهم لعلاجهم".

وتشير إحصائيات خاصة بعام 2022 إلى وجود 1264 حالة مرضية بالأورام الخبيثة كانت تعبر لتلقي العلاج في الداخل التركي، وبشكل شهري سجلت الجهات الطبية هناك عبور 150 مريض من "باب الهوى" للحصول على الجرعات والخضوع للخدمات الإشعاعية.

ينقسم علاج مرضى السرطان إلى ثلاث مراحل، وفق الطبيب إسماعيل، الأولى بالجرعات الكيماوية، إلى جانب العلاج المناعي والإشعاعي.

ويشرح أنه "يمكن تأمين العلاج الكيماوي معظم الجرعات إذا توفر الدعم المادي لغالبية أنواع السرطانات، بينما يحتاج عدد كبير من المرضى علاجا مناعيا تتطلب مراحله أدوية غالية الثمن".

في غضون ذلك تفتقد مشافي الشمال السوري لجهاز الأشعة، وفي حال تم تأمينه في المرحلة المقبلة لن تحل المشكلة، حيث تعاني المنطقة من انعدام الأطباء الاختصاصيين، بينما يشير الطبيب السوري إلى أن "تأمين الجهاز يحتاج لتكلفة مادية كبيرة جدا، ومع ذلك وبسبب فقدان الأخصائيين للعمل عليه يمكن الاستعانة بأطباء سوريين وأتراك في الداخل التركي".

"أنقذوهم"

وكانت كارثة الزلزال المدمر قد خلفت خلال الأيام الماضية، سواء في تركيا أو سوريا، عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين، فضلا عن آلاف المصابين في المشافي، في وقت بات القطاع الطبي مرهقا ويواجه تحديات في كلا البلدين.

وعلى اعتبار أن عبور حالات الأمراض المزمنة التي كانت تعبر من شمال سوريا إلى تركيا لتلقي العلاج في المشافي هناك لم تكن مقتصرة على مصابي السرطان، إلا أنهم الفئة الأكثر ضعفا، نظرا لندرة الأدوية وحساسية العلاجات التي يحتاجونها ضمن آلية يحكمها الزمن، دون أي تأخير.

ويستعد أطباء وناشطون في القطاع الطبي في شمال سوريا خلال الأيام المقبلة إطلاق حملة تحت عنوان "أنقذوهم"، في مسعى لمحاولة تأمين جرعات كيماوية، والحصول على تبرعات مالية يحتاجها المصابون، فضلا عن تأمين أجهزة طبية لا تتوفر في الوقت الحالي ضمن المراكز الطبية.

ويقول الطبيب السوري زهير القراط مدير "صحة محافظة إدلب" إنه لا حلول متاحة حتى الآن بخصوص علاج مرضى السرطان، بسبب "إغلاق معبر باب الهوى أمام الإحالات الطبية، وإعادة مرضى آخرين من مشفى هاتاي إلى سوريا خلال الأيام الماضية".

يضيف القراط لموقع "الحرة": "الاحتياج كبير. هناك أطباء في الشمال السوري لكن تكلفة الجرعات كبيرة جدا، عدا عن وجود مرضى يحتاجون علاجا إشعاعيا، وهو ما لا يتوفر"، وأشار إلى تشخيص مرضى جدد بالسرطان في المنطقة، ليزيد عددهم مع المرضى القدماء.

ووفق وزير الصحة في "الحكومة السورية المؤقتة" التابعة للمعارضة، الطبيب مرام الشيخ فإن "أحد أبرز المشاكل التي يواجهونها بعد كارثة الزلزال هي حال مرضى السرطان والأوعية الإكليلية والقصور الكلوي".

ويوضح الشيخ لموقع "الحرة": "رغم وجود مراكز تتيح إعطاء الجرعات الكيماوية في الشمال السوري، إلا أن العلاج بالأشعة غير متوفر، بسبب غياب الأجهزة والاختصاصيين".

"هناك تراكم لعدد كبير من مرضى السرطان في المنطقة، وتأخر آلية دخولهم تسفر عن مشاكل كبيرة بالنسبة لقطاعنا الصحي"، بينما يشير الشيخ إلى أنهم يتواصلون مع الجانب التركي "لإعادة تفعيل إحالات بعض المرضى الذين يحتاجون لعلاج كيماوي وشعاعي".

"ثلاثة أطباء في كل الشمال"

وتعتبر الأراضي التركية المتنفس الوحيد أمام المرضى السوريين في شمال سوريا وغربها، وعدا عن كون القطاع الطبي في هذه المنطقة يعاني الآن من مشاكل خلفها الزلزال، سبق وأن دخل في عقبات مشابهة لم ينته منها حتى الآن، في مقدمتها التفشي المستمر لمرض "الكوليرا".

وفي أولى زياراته إلى الشمال السوري عقب الكارثة، دعا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الأربعاء، المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم للسكان المتضررين.

ووصل غيبرييسوس الى محافظة إدلب آتيا من تركيا المجاورة، وزار ثلاثة مستشفيات في مناطق باب الهوى وعقربات وسرمدا، كما تفقدّ مركز إيواء للمتضررين من الزلزال في بلدة كفرلوسين.

وقال خلال مؤتمر صحافي: "يحتاج السكان في شمال غرب سوريا إلى مساعدة المجتمع الدولي للتعافي وإعادة البناء"، داعيا "المجتمع الدولي والحكومات" إلى بذل أقصى الجهود من أجل مساعدة "أولئك الذين يعانون من خسارة لا يمكن تصوّرها ومن الفقر والحرمان".

وفي تلك المنطقة، التي يتجاوز عدد سكانها أكثر من 4 ملايين نسمة توجد مشاف عدة، بالإضافة إلى نقاط طبية ومراكز إسعافية، يعمل معظمها من خلال الدعم المقدم من قبل منظمات أوروبية (مانحون)، بموجب عقود، جزء منها لستة أشهر وآخر لمدة عام كامل، يتجدد سنويا.

وتعتبر "الجمعية الطبية السورية-الأميركية" (سامز) إحدى أبرز المنظمات المعنية بدعم القطاع الطبي، من مشافٍ ومراكز طبية، بينما تنتشر كوادرها في عموم مناطق الشمال السوري. 

وكانت الجمعية قد أدخلت في الأيام الأولى من كارثة الزلزال عددا من الأطباء السوريين القادمين من الولايات المتحدة، بعدما اتضح الحجم الكبير للمصابين، والذين يتطلبون دخلا علاجيا فوريا.

ويقول كبير المستشارين في "سامز" الطبيب عبدالرحمن العمر إن إغلاق الحدود في وجه الإحالات الطبية الخاصة بمرضى السرطان "أسفر عن عبء كبير على المشافي والمراكز"، ما اضطرهم إلى إطلاق مركز رابع في مشفى "باب الهوى"، معني بتقديم الجرعات الكيماوية.

ويتبع للجمعية الطبية السورية – الأميركية مركز رئيسي لمرضى السرطان في مشفى المحافظة بإدلب، ومركزين آخرين في جرابلس والباب بريف حلب الشمالي.

ومع ذلك يضيف الطبيب السوري لموقع "الحرة" أنهم يواجهون معوقات في الوقت الحالي، ترتبط بصعوبة تأمين أدوية العلاج بالكيماوي، موضحا: "في السابق كنا نعتمد على شرائها من تركيا، لكن الآن هناك صعوبات من حيث التوفر واللوجستيات وعملية النقل".

وترتبط معوقات أخرى بندرة الأطباء المختصين بالأورام، إذ يقتصر عددهم على 3 في كل الشمال الغربي لسوريا، بينما لا يوجد أخصائيين بأجهزة الأشعة "غير الموجودة في المنطقة بالأصل".

ويتابع العمر: "الشمال الغربي لسوريا يفتقد لخدمة العلاج بالأشعة، بسبب عدم توفر خدمة المسرع الخطي والجهاز، إضافة إلى عدم توفر الأخصائي وهو الأهم. حتى لو تم توفير الجهاز لا يوجد أي أخصائي أو كادر يمكن تدريبه. العلاج بالأشعة اختصاص قائم بحد ذاته ومدته أربع سنوات".