صورة من أحد أحياء مدينة أنطاكية المدمرة- ارفع صوتك
صورة من أحد أحياء مدينة أنطاكية المدمرة- ارفع صوتك

اشتهرت مدينة أنطاكية جنوب شرق تركيا عبر التاريخ بكونها ملتقى الحضارات القديمة، وجامعة الديانات الإبراهيمية، ومهد المسيحية، كما تميزت بتراث تاريخي وديني فريد عمره آلاف السنين.

رؤية الدمار الكبير الذي حلّ بالمدينة العريقة، أثر كثيراً على كل من عاش فيها أو زارها، حيث شغلت مكاناً خاصاً في قلب كل من تأثر بمزاج التنوع الحضاري الغني فيها.

ووصف مدير برنامج الغذاء العالمي ديفيد بيزلي، الذي زار أنطاكية، حجم الدمار فيها بأنه يبدو كنهاية العالم، قائلا إن أحياء بأكملها دُمرت فيما هُدمت المنازل وأُغلقت المدارس والمحال وتمزقت الحياة في ظل دمار لا يمكن تصوره.

يقول عيسى أولمز وهو شاب تركي في الثلاثين من عمره، يعمل حلاقاً في أنطاكية: "ما حصل مؤلم وصادم جدا، لأن الكثير من المباني سُويت بالأرض، وغابت معالم المدينة، واختفى تاريخ عمره آلاف السنين بثوانٍ معدودة".

"اختفى التاريخ واختفت الحضارة وتحولت الكنائس القديمة والمساجد التي تعود إلى قرون، وتعتبر من معالم هذه المدينة وآثارها.. إلى أنقاض، وغادر من نجا من أهلها وتفرقوا، وأعتقد أنهم لن يعودوا"،  يضيف عيسى بحسرة لـ"ارفع صوتك".

ويتابع: "رغم أنها ليست المرة الأولى التي تدمر فيها أنطاكية، إذ سبق أن دمرت سبع مرات عبر التاريخ في العصور القديمة، بسبب الزلازل والهزات الأرضية، ثم أعيد بناؤها، وسيُعاد بناؤها هذه المرة أيضا، لكنها ستفقد الكثير من طابعها القديم".

ويشير عيسى إلى أن جميع أفراد عائلته فقدوا منازلهم وأملاكهم وغادروا إلى العاصمة أنقرة.

ويشرح: "من الصعب العودة الآن، بل من المستحيل.. ما زال الجميع يعاني الصدمة، وعند العودة مرة أخرى لرؤية المكان تُصيبنا القشعريرة والرعب الشديد، ونحمد الله على النجاة. أهلي سيعيشون لسنوات بعيداً عن أماكن ذكرياتهم، بانتظار إعادة بناء المدينة من جديد، فالمنازل دمرت بالكامل وفقدنا الكثير من الأصدقاء والأقارب".
 

مهد المسيحية

تعتبر أنطاكية مهد المسيحية، حيث لجأ إليها المسيحيون في أوائل الدعوة، هربا من بطش الرومان عام 42 للميلاد، وشيدت فيها أول كنيسة في العالم، وهي كنيسة مار بطرس وبولس الأرثوذوكسية، التي بناها القديس بطرس في القرن الرابع الميلادي، وتم توسيعها لاحقا.

وكانت هذه الكنيسة التي تدمرت بفعل الزلزال من المواقع الدينية المهمة في المدينة، وتستقطب الكثير من الزوار الذين يرغبون في استكشاف تاريخ المسيحية في المنطقة.

يقول اللبناني جورج كنعان الذي يمتلك منزلا ومكتباً في مدينة أنطاكية، إنه أتاها منذ خمسة أعوام، ليجد فرصة لاستكشافها والمدن المجاورة لها في هاتاي.

"كانت فرصة لي ولعائلتي لاستكشاف بداية التاريخ المسيحي في المنطقة، وبداية المسيحية، فهنا أطلق على المسيحيين اسمهم الأول، وهنا كنيسة القديس بولس أولى الكنائس التي بنيت في التاريخ في القرن الرابع، كذلك كنيسة القديس يوحنا التي تم تشييدها في القرن السابع الميلادي، وهنا عاصمة الكنائس المسيحية الشرقية"، يوضح جورج لـ"ارفع صوتك".

واليوم تحوّل مكتبه الصغير إلى ركام. يقول إن وجهته المقبلة هي إسطنبول، ومنها يخطط للسفر إلى اليونان.

ويأسف جورج على كل ما تركه خلفه، مبيناً "لم يعد هناك من ذاكرة ولا ذكريات، إنها فاجعة ولن أعود إليها، لأنها، حتى لو بنيت من جديد، فهي لن تعود ذات المدينة التي أحببت، ولن أجد جيرانا أو أصدقاء".

 

أول مسجد 

تضم انطاكيا أول مسجد بني في الأناضول وأقدم مساجد تركيا، وهو مسجد حبيب النجار الذي يعتبر أحد أشهر المعالم السياحية جنوب تركيا، وشيّده الصحابي أبو عبيدة ابن الجراح عام 638.

تضرر مسجد حبيب النجار بشكل كبير وانهارت جدرانه ومئذنته، واختفى جزء من فناء المسجد الداخلي، وانهارت الكثير من معالمه الأثرية الشهيرة نتيجة الزلزال الأخير.

يقول أحمد صادق (48 عاما)، وهو سوري أتى إلى أنطاكيا في أولى سنوات الثورة السورية: "أحببتها جدا، وأسست فيها عملا ومنزلا وعائلة، والآن ليس لي إلا خيمة، كسكن مؤقت، قبل انتقالي إلى مكان آخر، أو السكن في منطقة قريبة".

أكثر ما يؤلم أحمد، عدا عن فقدان الأقارب والأصدقاء، هو دمار المسجد الأحب إلى قلبه، فإضافة إلى رمزيته الدينية، له رمزية مختلفة، حيث كان ملتقى السوريين الأول وتجمعهم.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "كنا نلتقي فيه دائما، خاصة مع بداية قدومنا إلى أنطاكيا. نجتمع معاً ونصلي. وفيه أيضاً كانت توزع المساعدات على القادمين الجدد من سوريا، واليوم أصبح كتلة حجارة ودمار".

غولسير ألتن، شابة تركية في التاسعة والعشرين من عمرها، تشاركنا سر هذا الحب الكبير والحزن على المدينة المدمرة: "أنطاكيا تشكل مزيجا فريدا وجميلا. لقد تربينا على المحبة والتعددية وقبول الآخر، في الحي ذاته تجد مسيحيين كاثوليك وبروتستانت ويهوداً ومسلمين، كذلك توجد طوائف من أقليات مسلمة كالعلويين والدروز، كما يوجد مزيج من مختلف الأعراق من أتراك عرب وأرمن وأكراد".

"كما تجد في الحي ذاته كنيسة وكنيساً ومسجداً.. والآن ذهب كل شيء، وذهب السكان، فمن لم يمت غادر إلى مكان آخر، وأصبحت المدينة التي كانت تعج بالمحبة والصداقة، غريبة ومهجورة ومختلفة المعالم، ولن تعود إلى ما كانت عليه أبداً"، تضيف غولسير لـ"ارفع صوتك".

تبيّن غولسير التي تتحدث اللغة العربية بشكل جيد، أن "معظم الأهالي خاصة كبار السن يتحدثون العربية بشكل جيد جدا إلى جانب لغتهم التركية، والسبب هو قربهم من الحدود السورية. لهذا السبب كانت أنطاكيا مقصدا للكثير من السوريين بعد الثورة السورية، الذين اختاروا هاتاي مكانا للإقامة، حيث تعتبر ولاية هاتاي من أكثر الولايات كثافة في الوجود السوري".

كانت أنطاكية عاصمة سوريا قبل دخول الإسلام إليها في القرن السابع، وما زالت حتى الآن عاصمة للكنائس المسيحية الشرقية. دُعيت بلقب مهد المسيحية نتيجة للدور المحوري الذي لعبته المدينة في ظهور كل من الهلنستية اليهودية والمسيحية المبكرة. ودعي المؤمنون بالمسيحية بالمسيحيين لأول مرة في مدينة أنطاكية سنة 42 أو 43 للميلاد. (ويكيبيديا)

وشهد الكنيس اليهودي في أنطاكيا تصدعا في جدرانه، ودمارا من الداخل، وغادرت القلة القليلة من اليهود المتبقين في أنطاكيا متوجهين إلى إسطنبول، وتوفي رئيس الجالية اليهودية في مدينة أنطاكيا شاؤول جانودي أوغلو، وزوجته تونا، بعد أن علقا تحت الأنقاض إثر انهيار منزلهما جراء الزلزال.

ويعد الكنيس واحدا من أقدم المعابد اليهودية في العالم، وعمره يفوق ألفي عام، ويعود تاريخ بنائه إلى العهد الأول للميلاد. ويقع في حي يدعى "بالتشي كابي"، وكان من أشهر المواقع السياحية في المدينة.

مواضيع ذات صلة:

يلينا كابار، المقيمة في فاكيفلي، آخر قرية أرمنية في تركيا، تقوم بإصلاح بطانيتها في الخيمة التي تعيش فيها الآن بعد الزلزال المميت الذي ضرب جنوب تركيا.
يلينا كابار، المقيمة في فاكيفلي، آخر قرية أرمنية في تركيا، تقوم بإصلاح بطانيتها في الخيمة التي تعيش فيها الآن بعد الزلزال المميت الذي ضرب جنوب تركيا.

في "فاكيفلي"، قرية الأرمن الوحيدة المتبقية في تركيا، يحمد السكان كبار السن الرب على أن أحدا منهم لم يلق حتفه خلال الزلازل المدمرة التي ضربت المنطقة لكنهم مع ذلك يخشون على مستقبل مسقط رؤوسهم العزيز.

وألحقت الهزات الأرضية أضرارا بالغة بنحو 30 من إجمالي 40 منزلا حجريا من طابق واحد أو طابقين في القرية وتحيط بها بساتين البرتقال والليمون.

ومنذ وقوع زلزال ثالث قوي، انقطع التيار الكهربائي عن سكان القرية البالغ عددهم 130 شخصا، في حين يجتمع السكان في المقهى طلبا للمأوى والدفء.

كثير من بيوت القرية تصدعت جراء الزلزال كثير من بيوت القرية تصدعت جراء الزلزال

"كل ما نملك"

وأوضح ماسيس، وهو صائغ متقاعد عمره 67 عاما وعاد إلى مسقط رأسه بعد أن قضى 17 عاما في إسطنبول "فاكيفلي هي كل ما نملك.. إنها قرية الأرمن الوحيدة في تركيا. إنها وطننا. ورؤيتها بهذا الشكل تمزق قلبي".

وأضاف:"هذه القرية صغيرة وأبناؤنا يفضلون في الغالب العيش في إسطنبول ... هذا هو الوطن الوحيد الذي عرفناه. بعد هذه الكارثة، لا أدري كم من الوقت ستستغرق إعادة بناء القرية. أخشى كثيرا أن يغادر معظم الناس وتصبح القرية مهجورة".

بعض سكان القرية لجؤوا إلى الخيام خوفا من النوم في بيوتهم بعض سكان القرية لجؤوا إلى الخيام خوفا من النوم في بيوتهم

وتعهد ماسيس، الذي لم يذكر من اسمه سوى الاسم الأول فحسب، بالبقاء مهما تطلبت إعادة البناء من وقت.

وتقع فاكيفلي على جبل موسى في ولاية هاتاي وتطل على مدينة سامانداج الواقعة على الطرف الغربي لحدود تركيا الطويلة مع سوريا.

ويتحدث القرويون فيما بينهم بلهجة أرمينية محلية تُعرف بلهجة أهل جبل موسى الأرمينية وهي لهجة تتخللها كلمات عربية وتركية.

ويغلب المسلمون على سكان تركيا لكن البلاد ما زالت تستضيف بعض المجتمعات المسيحية، وهي فلول تتناقص أعدادها من سكان كانوا يعيشون في كنف الإمبراطورية العثمانية التي سبقت ظهور دولة تركيا الحديثة.

مقهى القرية أصبح ملاذا للباحثين عن الدفء والمأوى مقهى القرية أصبح ملاذا للباحثين عن الدفء والمأوى

واليوم ثمة خلافات بين تركيا وأرمينيا لأسباب أهمها 1.5 مليون شخص تقول أرمينيا إنهم قُتلوا على يد الإمبراطورية العثمانية في العام 1915.

وتصر أرمينيا أن عمليات القتل تصل إلى حد" الإبادة الجماعية".

وتقر تركيا بمقتل الكثير من الأرمن الذين كانوا يعيشون في ظل الإمبراطورية العثمانية خلال اشتباكات مع القوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى لكنها تعترض على أعدادهم وتنفي أن يكون الأمر ممنهجا.

وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الأسبوع الماضي إن المساعدات الإنسانية التي أرسلتها أرمينيا من أجل المتضررين من الزلزال يمكن أن تعزز جهود تطبيع العلاقات بين البلدين.

 

"ظلام مرعب"

من جهته، قال عمدة القرية، بيرج كارتو، وهو يحتسي القهوة التركية في كوب من الورق خارج المقهى إن منزله المكون من طابقين تضرر بشدة وإنه ينتظر مفتشي المباني.

وأضاف أنه ليس لديه مكان لتخزين مقتنياته الثمينة في المنزل.

وقالت أرمين هيرجيل (64 عاما) إنها اعتادت العيش في المقهى الذي يحتوي على مولد صغير وأطلقت عليه اسم "هيلتون" لكن انقطاع التيار الكهربائي في القرية يمثل مشكلة حقيقية.

عمدة القرية عمدة القرية

وأردفت: "نحن بحاجة للتدفئة. نحاول الحفاظ على الدفء باحتساء الشاي لكن الليالي باردة ومخيفة حقا وسط الظلام الدامس مع الهزات الارتدادية المستمرة".

وتابعت: "ظننا أن الزلازل توقفت... ووقع الزلزال الثالث مساء الاثنين وكان الدمار أسوأ بكثير. والآن منزلنا غير صالح للسكن ونعيش نصف الوقت في المقهى والنصف الآخر في الخيمة".

وفي الوقت الحالي يعمل الرجال والنساء معا في المطبخ الصغير لطهي الحساء والأرز.