"نجت ابنة أختي من الزلزال بعد بقائها أكثر من 18 ساعة تحت الأنقاض، لكن وضعها الصحي تدهور خلال ساعات، وهي تقبع الآن في أحد مشافي إدلب، مع احتمال بتر ساقها"، تقول راما الشامي (29 عاماً)، من إدلب شمال سوريا.
وتوضح لـ"ارفع صوتك"، أن ما جرى للفتاة، كان نتيجة "طول المدة تحت الأنقاض، الذي أدى لتدمير الخلايا العضلية الهيكلية الموجودة في أطرافها".
وتخبرنا راما بذلك، بينما تخضع إحدى قريباتها لغسيل الكلى، التي توقف عملها للسبب ذاته، بعد تعرضها لانتكاسة صحية قوية، رغم أنها أخرجت من تحت الأنقاض بإصابات ورضوض متوسطة.
ويلاحق كابوس متلازمة الانحلال العضلي الرضي (Traumatic Rhabdomyolysis) أو ما يسمى بمتلازمة الهرس Crush Syndrome الناجين من الزلزال، كونها تتسبب باضطرابات صحية عديدة في الجهاز التنفسي أو الهضمي أو الكلوي، بالإضافة إلى مخاطر فقدان الأطراف بسبب قوة الضغط الخارجية عليها، التي تؤدي إلى خروج محتويات الألياف العضلية وانتشارها في الدوران الدموي.
كما تصل بعض الحالات إلى الموت، كما في حالة الطفل ألب أرسلان، أو البتر كما في حالة الطفلة شام (9 سنوات)، التي بقيت 40 ساعة تحت الأنقاض، واضطر الأطباء إلى بتر أطرافها من أسفل الركبتين، بعد أن نقلت من شمال سوريا إلى تركيا ومنها إلى الإمارات لتلقي العلاج المتقدم.
الطفل "ألب أرسلان بري" الناجي الوحيد من عائلته، مات اليوم بعد إصابته بمتلازمة الهرس بعد أن دُمّر منزلهم في مدينة حارم جراء الزلزال 💔 pic.twitter.com/bAbW4bdxwM
— عمر مدنيه (@Omar_Madaniah) February 24, 2023
#الطفلة_شام بلا قدمين بعد بترهما من أسفل الركبة 🥺😭
— كرم سعد الحاج (@abomaherdomair) March 1, 2023
"غنت تحت الأنقاض وسحرت المتابعين بصوتها" الطفلة #السورية #شام، بتر طرفيها السفليين، وذلك بعد نقلها الي #الإمارات، ومعاينتها من قبل كادر طبي في مشفى #أبو_ظبي، حيث تم بتر الطرفين السفليين من اسفل الركبتين ..#سوريا#زلزال pic.twitter.com/lQGyMSMzUY
عجز مشافي الشمال
يزداد وضع المصابين سوءا بسبب عجز المشافي في الشمال السوري عن تغطية وعلاج جميع حالات متلازمة الهرس، التي تحتاج إلى عناية مركزة وإلى أجهزة ومعدات غير متوفرة، خاصة مع تضرر العديد من المرافق الصحية، وخروج بعضها عن الخدمة.
وأفادت منظمة "أوتشا" في تقريرها عن تضرر ما لا يقل عن 55 مرفقاً صحياً، حتى تاريخ 26 فبراير وفقا لقطاع الصحة، وبينت أنه تمّ تعليق عمل 15 مرفقاً صحياً.
كما يفتقد ما لا يقل عن 121 منشأة صحية في المناطق الأكثر تضرراً (حارم وعفرين وجبل سمعان وإعزاز وجسر الشغور وأريحا) إلى الوقود، وتفتقر 112 منشأة صحية إلى الأدوية.
كما بينت المنظمة أن ما لا يقل عن 20% من 604 من المجتمعات المحلية التي تم تقييمها لا يحصلون على الرعاية الصحية، لا سيما في منطقتي بداما وحارم.
تراجع الحالة الصحية للناجين
الطبيب عبدالله القاسم، وهو طبيب بشري ومدرب في المجال الطبي، المقيم في غازي عنتاب، يتحدث لـ"ارفع صوتك"، عن متلازمة الهرس أو السحق. يقول إنها "إصابة سحق موضعية مع مظاهر جهازية مرافقة، وهي تحدث عادة في حالات الكوارث مثل الزلازل، للضحايا الذين حوصروا تحت البناء الذي سقط، وعندما تقع أجسام ضخمة على الأعضاء، و تهرس العضلات و العظام، وتنحل الكثير من الألياف العضلية، سيخرج منها بروتين الميوغلوبين إلى المنطقة المهروسة، ولكن طالما هذا الضغط موجود، فهو يقطع التروية الدموية عن أعضاء الجسم".
أما عن أسباب حدوث هذه المشكلة بعد إنقاذ المصاب، يبين د. القاسم، أنه مع رفع هذا الضغط عن العضو المهروس، تنطلق منتجات انهيار العضلات وهي الميوغلوبين والبوتاسيوم والفوسفور إلى الدوران الدموي العام، وتؤدي إلى الصدمة والفشل الكلوي.
ويشير إلى أن "العديد من الحالات التي تم إنقاذها من تحت الأنقاض، و رغم أن الحالة الصحية لهم كانت مقبولة لحظة سحبهم من تحت الركام، وكانوا يتنفسون بشكل طبيعي ويبتسمون ويتكلمون، إلا أن وضعهم يبدأ بالتراجع تدريجياً، و يدخلون في صدمة طبية وفشل كلوي من الممكن أن تزيد بسرعة حتى الموت".
ويؤكد د. القاسم: "من التدابير الضرورية التي يجب اتخاذها من قبل المسعفين والهيئات الطبية وعناصر الدفاع المدني، تجاه الناجين من تحت الأنقاض، الذين حوصروا لأكثر من 15 دقيقة هي قطع التروية عن الطرف المهروس إسعافيا".
"عند الوصول إلى المشفى، يجب إعطاء المريض أو الناجي سوائل زائدة، مع إضافة ديكستران 4000 وحدة دولية، ثم الإفراج ببطء عن الضغط، مع تقييد السوائل، والحفاظ على الرسم البياني لمدخلات ومخرجات العلامات الحيوية، مع خفض البروتين في النظام الغذائي"، يتابع د. القاسم.
وبحسب الطبيب السوري، وصل إلى مشافي شمال غرب البلاد ما بين 200-300 حالة هرس حسب إحصائيات تقديرية، وكان التعامل معها "نوعياً"، بسبب الخبرة الواسعة التي اكتسبها الأطباء والكوادر الطبية من حالات إنقاذ العالقين تحت الأنقاض خلال سنوات الحرب.
في ذات السياق، يؤكد المسعف محمود اليوسف، على أهمية تدريب الكوادر الطبية والتمريضية والإسعافية على التعامل مع هذه الحالات بشكل سريع وفعال، لمنع حدوث أي مضاعفات لحالات الهرس.
ويقول لـ"ارفع صوتك": "في الأيام الأولى للزلزال كان الجميع يعمل بمعدات بدائية، وبسبب حجم الكارثة لم تتمكن فرق الإسعاف من الوصول إلى جميع الأماكن المتضررة، وقام المتطوعون المدنيون، وأفراد العائلات المنكوبة بمساعدة وانتشال أقاربهم بأنفسهم، ولم يكن هناك احترافية في انتشال الضحايا، حيث كانت الأولوية إنقاذ أكبر عدد من الأرواح".
