Maha Housh is seen at Tishreen Hospital after a deadly earthquake destroyed her home, in Latakia
صورة تظهر قدمي ناجية متضررة من الزلزال الذي ضرب مناطق في تركيا وسوريا فبراير الماضي- تعبيرية

"نجت ابنة أختي من الزلزال بعد بقائها أكثر من 18 ساعة تحت الأنقاض، لكن وضعها الصحي تدهور خلال ساعات، وهي تقبع الآن في أحد مشافي إدلب، مع احتمال بتر ساقها"، تقول راما الشامي (29 عاماً)، من إدلب شمال سوريا.

وتوضح لـ"ارفع صوتك"، أن ما جرى للفتاة، كان نتيجة "طول المدة تحت الأنقاض، الذي أدى لتدمير الخلايا العضلية الهيكلية الموجودة في أطرافها".

وتخبرنا راما بذلك، بينما تخضع إحدى قريباتها لغسيل الكلى، التي توقف عملها للسبب ذاته، بعد تعرضها لانتكاسة صحية قوية، رغم أنها أخرجت من تحت الأنقاض بإصابات ورضوض متوسطة.

ويلاحق كابوس متلازمة الانحلال العضلي الرضي  (Traumatic Rhabdomyolysis) أو ما يسمى بمتلازمة الهرس  Crush Syndrome الناجين من الزلزال، كونها تتسبب باضطرابات صحية عديدة في الجهاز التنفسي أو الهضمي أو الكلوي، بالإضافة إلى مخاطر فقدان  الأطراف بسبب قوة الضغط الخارجية عليها، التي تؤدي إلى خروج محتويات الألياف العضلية وانتشارها في الدوران الدموي.

كما تصل بعض الحالات إلى الموت، كما في حالة الطفل ألب أرسلان، أو البتر كما في حالة الطفلة شام (9 سنوات)، التي بقيت 40 ساعة تحت الأنقاض، واضطر الأطباء إلى بتر أطرافها من أسفل الركبتين، بعد أن نقلت من شمال سوريا إلى تركيا ومنها إلى الإمارات لتلقي العلاج المتقدم. 

 

عجز مشافي الشمال

يزداد وضع المصابين سوءا بسبب عجز المشافي في الشمال السوري عن تغطية وعلاج جميع حالات متلازمة الهرس، التي تحتاج إلى عناية مركزة وإلى أجهزة ومعدات غير متوفرة، خاصة مع تضرر العديد من المرافق الصحية، وخروج بعضها عن الخدمة.

وأفادت منظمة "أوتشا" في تقريرها عن تضرر ما لا يقل عن 55 مرفقاً صحياً، حتى تاريخ 26 فبراير وفقا لقطاع الصحة، وبينت أنه تمّ تعليق عمل 15 مرفقاً صحياً.

كما يفتقد ما لا يقل عن 121 منشأة صحية في المناطق الأكثر تضرراً (حارم وعفرين وجبل سمعان وإعزاز وجسر الشغور وأريحا) إلى الوقود، وتفتقر 112 منشأة صحية إلى الأدوية. 

كما بينت المنظمة أن ما لا يقل عن 20% من 604 من المجتمعات المحلية التي تم تقييمها لا يحصلون على الرعاية الصحية، لا سيما في منطقتي بداما وحارم.

تراجع الحالة الصحية للناجين

الطبيب عبدالله القاسم، وهو طبيب بشري ومدرب في المجال الطبي، المقيم في غازي عنتاب، يتحدث لـ"ارفع صوتك"، عن متلازمة الهرس أو السحق. يقول إنها "إصابة سحق موضعية مع مظاهر جهازية مرافقة، وهي تحدث عادة في حالات الكوارث مثل الزلازل، للضحايا الذين حوصروا تحت البناء الذي سقط، وعندما تقع أجسام ضخمة على الأعضاء، و تهرس العضلات و العظام، وتنحل الكثير من الألياف العضلية، سيخرج منها بروتين الميوغلوبين إلى المنطقة المهروسة، ولكن طالما هذا الضغط موجود، فهو يقطع التروية الدموية عن أعضاء الجسم". 

أما عن أسباب حدوث هذه المشكلة بعد إنقاذ المصاب، يبين د. القاسم، أنه مع رفع هذا الضغط عن العضو المهروس، تنطلق منتجات انهيار العضلات وهي الميوغلوبين والبوتاسيوم والفوسفور إلى الدوران الدموي العام، وتؤدي إلى الصدمة والفشل الكلوي.

ويشير إلى أن "العديد من الحالات التي تم إنقاذها من تحت الأنقاض، و رغم أن الحالة الصحية لهم كانت مقبولة لحظة سحبهم من تحت الركام، وكانوا يتنفسون بشكل طبيعي ويبتسمون ويتكلمون، إلا أن وضعهم يبدأ بالتراجع تدريجياً، و يدخلون في صدمة طبية وفشل كلوي من الممكن أن تزيد بسرعة حتى الموت". 

ويؤكد د. القاسم: "من التدابير الضرورية التي يجب اتخاذها من قبل المسعفين والهيئات الطبية وعناصر الدفاع المدني، تجاه الناجين من تحت الأنقاض، الذين حوصروا لأكثر من 15 دقيقة هي قطع التروية عن الطرف المهروس إسعافيا".

"عند الوصول إلى المشفى، يجب إعطاء المريض أو الناجي سوائل زائدة، مع إضافة ديكستران 4000 وحدة دولية، ثم الإفراج ببطء عن الضغط، مع تقييد السوائل، والحفاظ على الرسم البياني لمدخلات ومخرجات العلامات الحيوية، مع خفض البروتين في النظام الغذائي"، يتابع د. القاسم.

وبحسب الطبيب السوري، وصل إلى مشافي شمال غرب البلاد ما بين 200-300 حالة هرس حسب إحصائيات تقديرية، وكان التعامل معها "نوعياً"، بسبب الخبرة الواسعة التي اكتسبها الأطباء والكوادر الطبية من حالات إنقاذ العالقين تحت الأنقاض خلال سنوات الحرب.

في ذات السياق، يؤكد المسعف محمود اليوسف، على أهمية تدريب الكوادر الطبية والتمريضية والإسعافية على التعامل مع هذه الحالات بشكل سريع وفعال، لمنع حدوث أي مضاعفات لحالات الهرس.

ويقول لـ"ارفع صوتك": "في الأيام الأولى للزلزال كان الجميع يعمل بمعدات بدائية، وبسبب حجم الكارثة لم تتمكن فرق الإسعاف من الوصول إلى جميع الأماكن المتضررة، وقام المتطوعون المدنيون، وأفراد العائلات المنكوبة بمساعدة وانتشال أقاربهم بأنفسهم، ولم يكن هناك احترافية في انتشال الضحايا، حيث كانت الأولوية إنقاذ أكبر عدد من الأرواح".

مواضيع ذات صلة:

Quake survivor in Syria mourns lost family
من صور المناطق التي دمرها الزلزال في سوريا- تعبيرية

صرح مسؤول تركي وآخر في المعارضة السورية أن نحو 40 ألف سوري فروا من المناطق المتضررة من زلزال السادس من فبراير في تركيا إلى شمال غرب سوريا الذي تسيطر عليه المعاضة خلال الأسبوعين الماضيين بعد أن خففت أنقرة القيود المفروضة على تحركاتهم.

وقال المسؤول الإعلامي في معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، مازن علوش، لرويترز إن السوريين دخلوا عبر أربعة معابر حدودية تسيطر عليها الجماعات السورية المعارضة لرئيس النظام السوري، بشار الأسد.

وقدم علوش إحصائية أفادت بأن نحو 13500 سوري دخلوا عبر معبر باب الهوى وما يقرب من عشرة آلاف عبر معبر جرابلس ونحو سبعة آلاف عبر معبري باب السلام وتل أبيض حتى الاثنين.

وأكد مسؤول بوزارة الدفاع التركية أن عدد السوريين الذين عادوا إلى بلادهم بلغ 40 ألفا حتى الاثنين، مضيفا أن العدد يتزايد يوميا.

ومنعت القيود التي فرضتها تركيا في أبريل من العام الماضي السوريين المستفيدين من الحماية المؤقتة، من زيارة سوريا والعودة إلى الأراضي التركية مرة أخرى في محاولة لتشجيعهم على العودة إلى وطنهم.

وتستضيف تركيا نحو 3.5 ملايين لاجئ سوري وبدأ الأتراك يعبّرون عن سخطهم من وجود اللاجئين على أراضيهم.

واستغل السوريون عرضا قدمته السلطات التركية في أعقاب الزلزال يسمح لهم بقضاء ما يصل إلى ستة أشهر في شمال غرب سوريا مع إمكان عودتهم إلى تركيا مرة أخرى.

وقالت الأمم المتحدة إن العديد من اللاجئين السوريين عادوا للاطمئنان على أقاربهم في أعقاب الزلزال الذي أودى بحياة أكثر من 44 ألف شخص في تركيا ونحو ستة آلاف في سوريا، معظمهم في شمال غرب البلاد الذي تسيطر عليه المعارضة.

وانتقل آخرون مؤقتا للإقامة مع أقاربهم بعد أن دمر الزلزال منازلهم وأعمالهم في تركيا.

وقال خالد الأحمد، وهو عامل سوري في منتصف الخمسينيات كان يعيش في كهرمان مرعش التي تضررت بشدة من الزلزال، "نخطط للذهاب لرؤية أقاربنا والخروج من هذه الأجواء الصعبة هنا".

ووقف الأحمد هو وأبناؤه العشرة في انتظار المرور عبر الجانب التركي من معبر باب الهوى في نهاية الأسبوع، وهي المرة الأولى التي يعودون فيها إلى سوريا منذ مغادرتهم قبل ثماني سنوات.

وقال إن منزله تعرض لأضرار بالغة ولم يعد لديه عمل يقوم به.

وأضاف: "يعود الأفراد إلى وطنهم من دون أن يعرفوا مكان وجهتهم تحديدا، ولكن كل ما يريدونه فقط هو الخروج من تركيا في الوقت الحالي"، مشيرا إلى أنه يسعى للعودة إلى تركيا في غضون شهر أو شهرين.

وقالت الأمم المتحدة إن نحو أربعة ملايين شخص يعيشون في شمال غرب سوريا يعتمد معظمهم على المساعدات حتى قبل وقوع الزلزال الأخير.