بلدة جندريس في الشمال السوري التي تضررت بشدة من الزلزال- تعبيرية

لم تكن الكارثة التي خلّفها الزلزال المدمّر في تركيا، خلال الأسبوعين الماضيين، كفيلةً بإسكات الأصوات المناهضة للاجئين، وعلى العكس استغل سياسيون وأحزاب عرفت منذ زمن بهذا الجانب تفاصيل المآساة، لتستأنف خطابها بحملات استهدفت أولا الوجود السوري، ومن ثم اتجهت لبث "جرعة مضاعفة" لم تقتصر على فئة دون غيرها.

في مقدمة هؤلاء السياسيين أوميت أوزداغ الذي يتزعم حزب "النصر" المعارض، وبينما زعم في الأيام الأولى للكارثة أن السوريين "يقدمون على أعمال سرقة ونهب" ويهددون "الأمن القومي" تجاوزت تغريدة "صادمة" لإحدى أفرع حزبه عبر موقع التواصل "تويتر" الحدود، وحتى أن كتّابا أتراكا، بينهم مليح ألتينوك، وصف العبارات التي حملتها بأنها "تدخل في تاريخ كراهية الأجانب".

وجاء في التغريدة أن "سبب زلزال كهرمان مرعش هو الصفيحة العربية التي تدفع صفيحة الأناضول. كانت الصفيحة العربية تدفع صفيحة الأناضول منذ حوالي 10 ملايين سنة".

ويشكل جنوب تركيا نقطة التقاء 3 صفائح تكتونية من قشرة الأرض هي الصفيحة العربية وصفيحة الأناضول وإلى الشرق الصفيحة الأوراسية.

وأضافت بعدما نشرها فرع الحزب في مدينة بورصة: "من ناحية الغزاة السوريون ومن ناحية أخرى الصفيحة العربية. لسوء الحظ هذا قدر هذه الجغرافيا".

ولسنوات عُرف أوزداغ وحزبه بمعاداته للاجئين في البلاد، وخاصة السوريين، ومع ذلك أثارت الفكرة التي احتوتها التغريدة الأخيرة واللهجة الخاصة بها "صدمتين"، الأولى في الشارع التركي، والثانية لدى السوريين والعرب.

ويرى مراقبون تحدثوا لموقع "الحرة" أن الخطاب الذي أثاره الحزب وزعيمه خلال الأيام الماضية من الكارثة وبينما يقابله آخر مضاد يعتمد على دحض الروايات الكاذبة وملاحقة مثيري "الاستفزازات"، تقف وراءه "مخاطر وأهداف".

في غضون ذلك أشار تقرير نشرته صحيفة "بيرغون"، يوم الأربعاء، إلى أن "الجماهير التي فُقِرت وحُرمت من المستقبل بسبب الأزمة وخاصة جيل الشباب، الذين يتم تسييسهم عبر الإنترنت، تستوعب بسهولة هذا الخطاب وتشكل الأساس الذي تقوم عليه الشعبوية اليمينية".

ويضيف التقرير أن "خطاب الشعبوية اليمينية يقوم على ما بعد الحقيقة، فيما يعتبر التداول السريع والمتواصل للأكاذيب عبر الإنترنت في صميم استراتيجية الشعبوية اليمينية".

"أوزداغ وحزبه يزورون الحقيقة باستمرار، وينتجون الأكاذيب بسرعة ويطرحونها في التداول. لا يهم كثيرا إذا تبين أن ما يقوله كذب. هناك شريحة من الجماهير تصدّق الكذبة لأنهم يريدون تصديقها"، كما يقول التقرير.

"الصيد في الماء العكر"

ينشط أوزداغ بشكل أساسي عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، والذي يتابعه فيه قرابة مليوني مستخدم، إضافة إلى وسائل الإعلام ذات النفس المعارض، والتي باتت تستقبله بصورة كبيرة، خلال الأشهر الماضية، نظرا لحالة الجدل التي بات يثيرها بشكل شبه يومي. 

وكان السياسي قد اتجه، خلال الأيام الماضية من كارثة الزلزال، إلى نشر تسجيلات مصورة من داخل شوارع المدن المنكوبة، وفي حين حاوّل إثبات الحضور على أرض الواقع، ركّز على مزاعم تتعلق بالسوريين، وأنهم "يقومون بأعمال نهب وسرقة"، و"يتدفقون من الحدود"، وهو ما انعكس على كثيرين، وأسفر عن حوادث اعتداء.

فيما يتعلق بتغريدة "الصفيحة العربية والغزاة السوريين" وبعدما أثارت جدلا وصدمة أقدم فرع حزبه في بورصة على حذفها بعد ساعات، ونشر ردا جاء فيه: "لماذا يتم اتهامنا بالعنصرية؟ إنها حقيقة علمية أن (الصفيحة العربية) ضغطت الأناضول لملايين السنين وتسببت في الزلازل. هذا هو الاسم الدولي لتلك الصفيحة".

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي التركي، مهند حافظ أوغلو أن التغريدة التي نشرها الحزب المعارض تأتي في سياق "الصيد بالمار العكر وصب الزيت على النار".

ويقول لموقع "الحرة": "أمر في غاية الخطورة. انعكاس هذه التصريحات والتصرفات ستكون سلبية جدا على المجتمع التركي بالعموم وسيتم تشويه سمعة الأمة التركية ووصمها بأنها أمة عنصرية".

"مهما كانت هناك بيانات دحض أو تفنيد لأنه يستهدف بهذه الأعمال المقيتة الشباب التائه، وعليه لديه من يسمعه ويتابعه ويرى فيه أنه مدافع عن العنصر التركي ( بالرغم من أنه نفسه هو لاجئ)"، في إشارة إلى أوزداغ.

ويعتبر حافظ أوغلو: "هو مستخدم من قبل جهات خارجية تريد أن يزداد الشقاق والهوة بين العرب والترك عموما. لا بد من الضرب بيد من حديد على هذه التصرفات من قبل الحكومة وسريعا ولو لديه حصانة".

"حياة سياسية متقلبة" 

قبل المؤتمر العادي الثامن لـ"حزب الحركة القومية" الذي كان سيعقد في 19 نوفمبر 2006، أعلن أوزداغ أنه سيترشح للرئاسة ضد دولت بهجلي (الزعيم الحالي).

ودفعت هذه التصريحات الحزب لفصله قبل يومين من المؤتمر، ليعود مرة أخرى إليه في 2010 بقرار من المحكمة، ومن ثم ليفصل في ذات القصة في نوفمبر 2016.

وبعد تلك الرحلة السياسية انضم أوزداغ في 2017 إلى "حزب الجيد" ذي الجذور القومية، والذي يتخذ "موقفا وسطيا".

وشغل فيه منصب نائب الرئيس للاستراتيجية والاتصال والدعاية والترويج، كما انتخب نائبا عن إسطنبول، إلى أن تم طرده في نوفمبر 2020 بسبب مواقفه التي وصفت بـ"العنصرية"، ما دفعه بعد ذلك إلى تقديم استقالة في مارس 2021.

في عام 2021 أسس أوزداغ "حزب النصر" في 26 أغسطس 2021، بعدما قاد حركة سياسية لعدة أشهر. 

ووفقا لاستطلاعات الرأي، فإن نسبة الأصوات الخاصة به الآن تتجاوز حاجز الـ2 بالمئة، لكن ورغم "صغر الرقم" إلا أن مراقبين يعتبرونه "نجاحا بالنسبة إليه"، قياسا بباقي الأحزاب الصغيرة، وفي وقت بات برنامجه الانتخابي يلعب على أوتار تحظى بحيز كبير من النقاش في الشارع التركي.

وكان رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية فخر الدين ألطون قد حذّر في سلسلة تغريدات، قبل أيام من انتشار المعلومات المضللة عقب الزلزالين اللذين ضربا ولاية هاطاي جنوبي تركيا، وشعر بهما السكان في عدة دول بالمنطقة.

وقال ألطون إن هذه الأنشطة "تهدف إلى التأثير سلبا على مكافحة الكارثة"، داعيا المواطنين إلى عدم الاعتماد على الشائعات والمعلومات غير الموثوقة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي قبل التأكد من المعلومات الدقيقة منها عبر القنوات الرسمية.

وقبله خرج وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو بخطاب قال فيه: "حين يحدث الزلزال تتهم المعارضة السوريين بالسرقة والاغتصاب والنهب. نحن كلنا هنا متضررون من الكارثة". 

وأضاف: "ما الفائدة من تفريق الناس بناء على عرقهم ولونهم؟ حسنا. إذا كنتم تريديون هذا فلنترك السوريين هناك في البرد حتى يفارقوا الحياة. هؤلاء الناس لم يسرقوا بالأمس فهل يعقل أن ينتظروا الزلزال ليسرقوا؟".

كما أعلنت المديرية العامة للأمن في تركيا، في 13 من فبراير الحالي، عن اعتقالها 14 شخصا من مجموع 56 مطلوبا يُتهمون بنشر إشاعات حول الزلزال الأخير الذي ضرب سوريا وتركيا، مشيرة إلى أن الشرطة تتعقب بقية المطلوبين.

وجاء في بيان صحفي نشرته المديرية عبر موقعها الرسمي أنها أطلقت "دوريات افتراضية" على الإنترنت على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، لملاحقة هذا النوع من الجرائم الإلكترونية، مشيرة إلى أن هذه الدوريات يجري متابعتها من قبل إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية في المديرية العامة للأمن.

وفي حين لم يتم اتخاذ إجراء ضد "حزب النصر" وزعيمه أوزداغ، يشير الباحث السياسي حافظ أوغلو أنه "قد يكون قريبا، لكن ربما يرتبط التأخير بالانتخابات، وفي ظل تأثيرات الزلزال على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية".

في المقابل يعتقد الباحث الباحث المختص بالشأن التركي، محمود علوش أن "تصاعد خطاب العنصرية ضد اللاجئين في تركيا ناجم بشكل أساسي عن حالة اجتماعية تتغذى من الاستقطاب السياسي بشكل كبير"، وأن "هذا الاستقطاب مرتبط بالانتخابات من جانب والظروف الاقتصادية من جانب آخر".

ويقول علوش لموقع "الحرة": "مما لا شك فيه أن خطاب العنصرية استفاد خلال السنوات الماضية من الاضطرابات الاقتصادية التي عانتها تركيا، بينما تم تحميل الوجود السوري جزء من المسؤولية".

وفي الوقت الحالي "يستفيد هذا الخطاب من تداعيات الزلزال المدمر لتغذية النزعة العدائية ضد السوريين".

ويضيف الباحث أن "الخطاب الإعلامي الذي تتبناه الشخصيات المناهضة للاجئين وإن كنا ننظر إليه أنه يبدو سخيفا من حيث المحتوى، إلا أنه يلعب دورا كبيرا في تعزيز الرأي العام المناهض للوجود السوري في تركيا".

"بعد تداعيات الزلزال أضحت المخاطر التي تواجه اللجوء السوري مرتفعة بشكل أكبر، وكلما اقتربنا من الانتخابات سنشهد تزايد من الخطاب العنصري والحملات الإعلامية التي تقودها بعض الشخصيات المعروفة بتطرفها، من أجل صناعة رأي عام وتعزيز رأي عام مناهض".

ويوضح علوش أن "هذا الخطاب له مخاطر كبيرة تساهم في زياردة الاحتكاك بين المجتمعين السوري والتركي". ومع ذلك "يساعد الموقف الذي تديره الحكومة والإعلام من الحد من تداعيات الاحتكاك ومن الحملة العنصرية التي تواجه اللاجئين السوريين، وذلك ما انعكس على لسان المسؤولين وأنه يجب التعامل مع ملف اللجوء من منظور إنساني وليس سياسي"، وفق حديث الباحث.

مواضيع ذات صلة:

Syrian artist Salam Hamed's daughter Sima, sits on rubble of damaged buildings in the rebel-held town of Jandaris
كارثة الزلزال خلفت عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين في تركيا وسوريا

قبل الزلزال المدمر كان أمل الآلاف من مرضى السرطان في شمال سوريا معلّقٌ بـ"جرعة يتلقونها خارج الحدود"، وبينما كانوا يعبرون أسبوعيا عبر الشريان الوحيد (معبر باب الهوى) قاصدين المشافي التركية، جاءت الكارثة لتقطع "الأمل الوحيد" وتقلص عامل الزمن ومراحل الصراع مع الأيام، للبقاء على قيد الحياة.

منذ يوم السادس من شهر فبراير الماضي – أي تاريخ حلول الزلزال في سوريا وتركيا- توقفت عمليات إحالة هؤلاء المرضى إلى المشافي التركية لتلقي العلاج بالجرعات الكيماوية والعلاج الإشعاعي، بعدما كان هذا المسار معمولا به منذ سنوات طويلة من خلال "باب الهوى".

وعلى مدى الأيام الماضية اقتصر العبور من خلال هذا المعبر الحدودي، الذي يصل تركيا بمناطق شمال غرب سوريا، على دخول المساعدات الإنسانية وجثث الضحايا السوريين الذين قضوا في ولايات تركية متفرقة، بالإضافة إلى من يرغب من المنكوبين "قضاء إجازة في الوطن".

ورغم وجود مشافٍ ونقاط طبية في مناطق الشمال السوري، إلا أنها غير قادرة على تقديم العلاج للآلاف من مرضى السرطان، وبينما تقتصر الإمكانيات على إعطاء الجرعات الكيماوية وبشكل محدود لقسم منهم في مشفى "إدلب المركزي" (مشفى المحافظة)، تنعدم الخيارات فيما يتعلق بالعلاج المناعي والإشعاعي.

ويوضح مدير مركز التنسيق الطبي في "باب الهوى" الطبيب بشير إسماعيل أن جميع إحالات الحالات الإسعافية والباردة إلى المشافي التركية توقفت منذ لحظة حلول الزلزال، وأنه "لم تدخل أي حالة طبية إلى تركيا في أعقاب الكارثة، سوى الطفلة شام التي كانت مصابة بمتلازمة الهرس".

وبشكل شهري وقبل الزلزال كان المعبر الحدودي يشهد تحويل 300 حالة إسعافية إلى المشافي التركية، معظمها خاصة بالأطفال والولادات الحديثة (الخدّج)، إلى جانب 450 من الحالات الباردة، معظمها من الجراحات القلبية ومرضى السرطان.

ويقول إسماعيل لموقع "الحرة": "بعد إغلاق المعبر وتوقف نظام الإحالات إلى المشافي التركية تضرر عدد كبير من المرضى، وخاصة المصابين بالأورام الخبيثة". مشيرا إلى أن "العامل الزمني مهم لعلاجهم".

وتشير إحصائيات خاصة بعام 2022 إلى وجود 1264 حالة مرضية بالأورام الخبيثة كانت تعبر لتلقي العلاج في الداخل التركي، وبشكل شهري سجلت الجهات الطبية هناك عبور 150 مريض من "باب الهوى" للحصول على الجرعات والخضوع للخدمات الإشعاعية.

ينقسم علاج مرضى السرطان إلى ثلاث مراحل، وفق الطبيب إسماعيل، الأولى بالجرعات الكيماوية، إلى جانب العلاج المناعي والإشعاعي.

ويشرح أنه "يمكن تأمين العلاج الكيماوي معظم الجرعات إذا توفر الدعم المادي لغالبية أنواع السرطانات، بينما يحتاج عدد كبير من المرضى علاجا مناعيا تتطلب مراحله أدوية غالية الثمن".

في غضون ذلك تفتقد مشافي الشمال السوري لجهاز الأشعة، وفي حال تم تأمينه في المرحلة المقبلة لن تحل المشكلة، حيث تعاني المنطقة من انعدام الأطباء الاختصاصيين، بينما يشير الطبيب السوري إلى أن "تأمين الجهاز يحتاج لتكلفة مادية كبيرة جدا، ومع ذلك وبسبب فقدان الأخصائيين للعمل عليه يمكن الاستعانة بأطباء سوريين وأتراك في الداخل التركي".

"أنقذوهم"

وكانت كارثة الزلزال المدمر قد خلفت خلال الأيام الماضية، سواء في تركيا أو سوريا، عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين، فضلا عن آلاف المصابين في المشافي، في وقت بات القطاع الطبي مرهقا ويواجه تحديات في كلا البلدين.

وعلى اعتبار أن عبور حالات الأمراض المزمنة التي كانت تعبر من شمال سوريا إلى تركيا لتلقي العلاج في المشافي هناك لم تكن مقتصرة على مصابي السرطان، إلا أنهم الفئة الأكثر ضعفا، نظرا لندرة الأدوية وحساسية العلاجات التي يحتاجونها ضمن آلية يحكمها الزمن، دون أي تأخير.

ويستعد أطباء وناشطون في القطاع الطبي في شمال سوريا خلال الأيام المقبلة إطلاق حملة تحت عنوان "أنقذوهم"، في مسعى لمحاولة تأمين جرعات كيماوية، والحصول على تبرعات مالية يحتاجها المصابون، فضلا عن تأمين أجهزة طبية لا تتوفر في الوقت الحالي ضمن المراكز الطبية.

ويقول الطبيب السوري زهير القراط مدير "صحة محافظة إدلب" إنه لا حلول متاحة حتى الآن بخصوص علاج مرضى السرطان، بسبب "إغلاق معبر باب الهوى أمام الإحالات الطبية، وإعادة مرضى آخرين من مشفى هاتاي إلى سوريا خلال الأيام الماضية".

يضيف القراط لموقع "الحرة": "الاحتياج كبير. هناك أطباء في الشمال السوري لكن تكلفة الجرعات كبيرة جدا، عدا عن وجود مرضى يحتاجون علاجا إشعاعيا، وهو ما لا يتوفر"، وأشار إلى تشخيص مرضى جدد بالسرطان في المنطقة، ليزيد عددهم مع المرضى القدماء.

ووفق وزير الصحة في "الحكومة السورية المؤقتة" التابعة للمعارضة، الطبيب مرام الشيخ فإن "أحد أبرز المشاكل التي يواجهونها بعد كارثة الزلزال هي حال مرضى السرطان والأوعية الإكليلية والقصور الكلوي".

ويوضح الشيخ لموقع "الحرة": "رغم وجود مراكز تتيح إعطاء الجرعات الكيماوية في الشمال السوري، إلا أن العلاج بالأشعة غير متوفر، بسبب غياب الأجهزة والاختصاصيين".

"هناك تراكم لعدد كبير من مرضى السرطان في المنطقة، وتأخر آلية دخولهم تسفر عن مشاكل كبيرة بالنسبة لقطاعنا الصحي"، بينما يشير الشيخ إلى أنهم يتواصلون مع الجانب التركي "لإعادة تفعيل إحالات بعض المرضى الذين يحتاجون لعلاج كيماوي وشعاعي".

"ثلاثة أطباء في كل الشمال"

وتعتبر الأراضي التركية المتنفس الوحيد أمام المرضى السوريين في شمال سوريا وغربها، وعدا عن كون القطاع الطبي في هذه المنطقة يعاني الآن من مشاكل خلفها الزلزال، سبق وأن دخل في عقبات مشابهة لم ينته منها حتى الآن، في مقدمتها التفشي المستمر لمرض "الكوليرا".

وفي أولى زياراته إلى الشمال السوري عقب الكارثة، دعا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الأربعاء، المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم للسكان المتضررين.

ووصل غيبرييسوس الى محافظة إدلب آتيا من تركيا المجاورة، وزار ثلاثة مستشفيات في مناطق باب الهوى وعقربات وسرمدا، كما تفقدّ مركز إيواء للمتضررين من الزلزال في بلدة كفرلوسين.

وقال خلال مؤتمر صحافي: "يحتاج السكان في شمال غرب سوريا إلى مساعدة المجتمع الدولي للتعافي وإعادة البناء"، داعيا "المجتمع الدولي والحكومات" إلى بذل أقصى الجهود من أجل مساعدة "أولئك الذين يعانون من خسارة لا يمكن تصوّرها ومن الفقر والحرمان".

وفي تلك المنطقة، التي يتجاوز عدد سكانها أكثر من 4 ملايين نسمة توجد مشاف عدة، بالإضافة إلى نقاط طبية ومراكز إسعافية، يعمل معظمها من خلال الدعم المقدم من قبل منظمات أوروبية (مانحون)، بموجب عقود، جزء منها لستة أشهر وآخر لمدة عام كامل، يتجدد سنويا.

وتعتبر "الجمعية الطبية السورية-الأميركية" (سامز) إحدى أبرز المنظمات المعنية بدعم القطاع الطبي، من مشافٍ ومراكز طبية، بينما تنتشر كوادرها في عموم مناطق الشمال السوري. 

وكانت الجمعية قد أدخلت في الأيام الأولى من كارثة الزلزال عددا من الأطباء السوريين القادمين من الولايات المتحدة، بعدما اتضح الحجم الكبير للمصابين، والذين يتطلبون دخلا علاجيا فوريا.

ويقول كبير المستشارين في "سامز" الطبيب عبدالرحمن العمر إن إغلاق الحدود في وجه الإحالات الطبية الخاصة بمرضى السرطان "أسفر عن عبء كبير على المشافي والمراكز"، ما اضطرهم إلى إطلاق مركز رابع في مشفى "باب الهوى"، معني بتقديم الجرعات الكيماوية.

ويتبع للجمعية الطبية السورية – الأميركية مركز رئيسي لمرضى السرطان في مشفى المحافظة بإدلب، ومركزين آخرين في جرابلس والباب بريف حلب الشمالي.

ومع ذلك يضيف الطبيب السوري لموقع "الحرة" أنهم يواجهون معوقات في الوقت الحالي، ترتبط بصعوبة تأمين أدوية العلاج بالكيماوي، موضحا: "في السابق كنا نعتمد على شرائها من تركيا، لكن الآن هناك صعوبات من حيث التوفر واللوجستيات وعملية النقل".

وترتبط معوقات أخرى بندرة الأطباء المختصين بالأورام، إذ يقتصر عددهم على 3 في كل الشمال الغربي لسوريا، بينما لا يوجد أخصائيين بأجهزة الأشعة "غير الموجودة في المنطقة بالأصل".

ويتابع العمر: "الشمال الغربي لسوريا يفتقد لخدمة العلاج بالأشعة، بسبب عدم توفر خدمة المسرع الخطي والجهاز، إضافة إلى عدم توفر الأخصائي وهو الأهم. حتى لو تم توفير الجهاز لا يوجد أي أخصائي أو كادر يمكن تدريبه. العلاج بالأشعة اختصاص قائم بحد ذاته ومدته أربع سنوات".