إربيل - بقلم متين أمين:

لم يأبه التاجر الأيزيدي أبو شجاع دنائي البالغ من العمر أربعين عاماً للموت أبداً منذ اختياره لمهنته الجديدة، المتمثلة بإنقاذ الفتيات الأيزيديات من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" عن طريق الشبكة التي يديرها لهذا الغرض.

على الرغم من خطورة المهمة، فهو مستمر منذ أكثر من عام ويدخل المناطق الخاضعة لسيطرة داعش في سورية والعراق لتنفيذ عمليات إنقاذ المختطفات وإعادتهن إلى ذويهن في إقليم كردستان.

تأسيس الشبكة

في حديث إلى موقع (إرفع صوتك)، قال أبو شجاع إنه أسّس مجموعته في بداية أيلول/سبتمبر من العام الماضي، بعد تعرض البلدات والقرى الأيزيدية الواقعة غرب محافظة نينوى لهجوم واسع من تنظيم داعش ومقتل الآلاف من الرجال الأيزيديين وسبي نساءهم وأطفالهم. ويشاركه في هذه المهمة عدد من أصدقائه السوريين الذين تعرف عليهم خلال السنوات السابقة من سيطرة داعش مساحات واسعة من سورية، حيث كان أبو شجاع حينها يعمل تاجراً بين العراق وسورية.

تتكوّن الشبكة من عشرات الخلايا الموزعة في كافة المناطق الخاضعة لداعش في البلدين، تنفّذ كلّ منها واجباً معيناً. وحسبما يقول أبو شجاع، تختصّ بعض الخلايا بمراقبة الأماكن التي تتواجد فيها المحتجزات الأيزيديات، بينما تعمل خلايا أخرى على تمشيط الطريق أثناء تهريب الفتيات وتتولّى غيرها تنفيذ عملية الانقاذ.

أوّل عملية إنقاذ

يقول أبو شجاع "نفّذنا أول عملية إنقاذ في منتصف أيلول/سبتمبر الماضي، وحرّرنا سبع فتيات أيزيديات كنّ محتجزات في منزل أحد مسلحي داعش الأستراليين في محافظة الرقة. وأعدناهن إلى ذويهن في إقليم كردستان عبر الأراضي التركية".

رحلة محفوفة بالمخاطر

يقطع أبو شجاع في كل مرة مئات الكيلومترات المحفوفة بالمخاطر، حتى يصل إلى المناطق الخاضعة للتنظيم في سورية. فالكمائن التي ينصبها مسلحو التنظيم في هذه الطرق للنيل من هذه الشبكة التي أصبحت مصدر إزعاج لداعش كثيرة.

ويضيف "تعرّضنا خلال عام من عملنا إلى العديد من الكمائن التي ينصبها التنظيم لنا في الطرق وداخل المدن. وخسرنا حتى الآن ثلاثة عشر فرداً من أفراد شبكتنا. قطع داعش رؤوس اثني عشر منهم، وعلّق أجسادهم وسط المدن لأيام لترهيب الناس ومنعهم من التعامل والتعاون معنا. وقتل عنصر آخر منا في قصف لطيران التحالف الدولي أثناء تواجده بالقرب من موقع إستهدفته غارات التحالف في سورية".

لكنه يؤكد "مع هذا، أنا لا أهاب الموت لأنني أنجز عملاً إنسانياً عظيماً. فإنقاذ فتاة أيزيدية من هؤلاء المجرمين نصر كبير لي".

لا نفاوض داعش

يتحدّث أبو شجاع عن آلية إنقاذ الفتيات قائلاً "شبكتنا لا تتعامل مع داعش ولا يمكننا شراء المختطفات منهم، لأن عملية بيع وشراء المختطفات تجري من خلال أسواق النخاسة التي فتحها التنظيم في المناطق الخاضعة له، وهي حصرية  بين مسلحيه. ولا يمكن لأي مسلح بيع المختطفة لشخص غير تابع لصفوف داعش. وإن فعل هذا فسيُقطع رأسه. لذا نحن نراقب منازل مسلحي داعش والأماكن التي تتواجد فيها الفتيات وبعد إبتعاد عناصر التنظيم عن هذه الأماكن أو خروج المسلح من المنزل، ندخل المنزل فوراً ونخرج المختطفات الموجودات فيه".

يسلك أعضاء شبكة أبو شجاع عدة طرق للوصول إلى المناطق الأمنة، تفادياً لكمائن التنظيم. وقد تستغرق عملية تحرير مختطفة واحدة أكثر من 10 أيام، لأنهم يسلكون طرقا نائية لحين الوصول إلى الأراضي التركية ومنها إلى إقليم كردستان.

أوضاع النساء المحتجزات

وعن أوضاع المحتجزات لدى التنظيم، يقول أبو شجاع "المسلح في تنظيم الدولة الإسلامية  يبيع الفتاة الأيزيدية بعد أسبوع أو شهر، أيّ بعد أن يكتفي من ممارسة الجنس معها، إلى صديقه أو يهبها لمسؤوله. أما أسواق النخاسة، فهي عبارة عن قاعات مغلقة يجمع فيها داعش السبايا لعرضهن على مسلحيه الذين يشترونهن بأسعار تعتمد على عمر السبية وجمالها وعدد أطفالها. كلّما كانت صغيرة وجميلة ولديها عدد أقل من الأطفال، علا سعرها. هذه الأسعار تصل إلى 20 ألف دولار في الكثير من الأحيان، وقد  بيعت فتاة تبلغ من العمر 14 عاماَ قبل أيام بهذا السعر".

وإذ يؤكّد أنّه حرّر حتى الآن نحو 390 فتاة وطفلاً أيزيدياً من داعش، يشير أبو شجاع إلى أنّ أوضاع الفتيات المختطفات لدى داعش صعبة جداً، "فقد تعرضن جميعهن للاغتصاب لعدّة مرات".

أكثر من 3 آلاف رهينة

وقد قام داعش بتوزيع الأيزيديات اللاتي سباهن خلال سيطرته على قضاء سنجار والقرى والبلدات الأيزيدية في غرب الموصل على كافة المناطق الخاضعة لسيطرته في سورية والعراق. وبحسب معلومات أبو شجاع، يبلغ عدد الأيزيديات اللاتي يحتجزهن التنظيم في سورية نحو 2800 مختطفة. أما في العراق، فيتواجد نحو 800 مختطفة، قسم منهن في السجون والقسم الآخر مستخدم من قبل التنظيم في عمليات البيع والشراء وهنّ موزعات في بيوت مسلحي التنظيم وقادته.

*الصورة: التاجر الأيزيدي أبو شجاع دنائي/خاصّ لموقع (إرفع صوتك)

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق "واتساب" على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".