بقلم حسن عباس:

كان العراق أول دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتبنّى المقاربة التي تعتبر أن إشراك المرأة في عملية صنع السلام واتخاذ القرارات أثناء النزاعات المسلحة يساعد في الحد من العنف.

متسلّحات بقرار من مجلس الأمن يربط بين تفعيل دور المرأة في الحياة السياسية وبين تحقيق السلام، عملت الحركة النسائية العراقية بمساعدة برلمانيين وجمعيات وناشطين على وضع خطة وطنية للنهوض بواقع المرأة العراقية.

وقد تبنّت الحكومة العراقية هذه الخطّة التي أُعدّت بالتعاون مع وزارة الدولة لشؤون المرأة، بهدف إشراك المرأة في عملية صنع السلام واتخاذ القرار أثناء النزاعات المسلحة وبعدها، وحمايتها من كل أشكال العنف الذي قد تتعرض له.

وعن دور المرأة في بناء السلام، قالت الناشطة في الحركة النسائية العراقية والمشرفة على مركز تدريب وتأهيل الأرامل سلمى داود جبو لموقع (إرفع صوتك) "المرأة قادرة على صنع السلام أكثر من الرجل وتستطيع لعب دور إيجابي في حل النزاعات أكثر منه. فهي حريصة على المحافظة على الحياة التي تمنحها ولا يمكن أن تفرّط بها بسهولة. وللمحافظة على سلامة بيتها تهتم بسيادة السلام في مجتمعها الصغير وفي المجتمع الكبير. كما أن لديها دوافعاً لمقاومة العادات والتقاليد بهدف تجاوز حالة التخلّف. هذا إضافة إلى أنها تربّي أجيال المستقبل وهي القادرة على نقل المبادئ الخالية من العنف وعلى نشر فكر السلام والمحبة ونبذ الخلافات".

ما هي الخطة؟

عام 2000، صدر قرار مجلس الأمن رقم 1325 عن النساء والأمن والسلام. وأكّد القرار على "الدور الهام للمرأة في منع الصراعات وحلّها وفي بناء السلام"، وشدّد على "أهمية مساهمتها المتكافئة ومشاركتها الكاملة في جميع الجهود الرامية إلى حفظ السلام والأمن وتعزيزهما، وعلى ضرورة زيادة دورها في صنع القرار في ما يتعلّق بمنع الصراعات وحلّها"، مسلّماً "بالحاجة الملحة إلى تعميم المنظور الجنساني في جميع عمليات حفظ السلام".

وقد استجاب العراق لهذا التوجّه الجديد في العمل على حلّ النزاعات، وأقرّت حكومته "الخطة الوطنية لقرار مجلس الأمن 1325". وأكّدت الخطة أنه "من الضروري إدماج المرأة في الجهود التي تبذل من أجل السلام وتوفير الأمن في حالات ما بعد النزاعات المسلحة والأزمات المحلية والدولية، ومشاركتها في هذه الجهود وفي تنفيذها تأكيداً لدورها كفاعل وليس كمجرد ضحية لهذه النزاعات".

وقد وُضعت الخطة على أساس ثلاثية مشاركة-وقاية-حماية. وفي شق المشاركة، دعت إلى "إشراك المرأة في مراحل صنع واتخاذ القرارات المتعلقة بمفاوضات وحل النزاعات" وتشكيل تحالفات نسائية لرصد الانتهاكات ضد المرأة في المدن التي تعاني من عمليات إرهابية ومواجهات عسكرية ، كما إلى "إشراك المرأة في فرق المداهمات العسكرية وتفتيش البيوت والنساء".

أهمية الخطة

وقالت الأكاديمية والباحثة النسوية العراقية نهلة النداوي لموقع (إرفع صوتك) إن أهمية الخطة تنبع من كون "أوضاع النساء في العراق من أصعب الأوضاع، خاصة وأن العراق يشهد تدهوراً في وضعه الأمني منذ أكثر من عقد، وأن هذه الخطة يُفترض أن تفعّل دور المرأة في إحلال الأمن والسلم في المجتمع العراقي".

من جانبها، أكّدت سلمى داود جبو على أهمية الخطة الفائقة للنساء العراقيات فـ "القرار 1325 خصّ بالذات المناطق الساخنة التي تشهد صراعات مسلّحة. والعراق يشهد منذ سنوات صراعات مستمرة، من صراع طائفي إلى عنف في الشارع إلى تفشّي الإرهاب وصولاً إلى انتشار تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" واحتلاله مناطق عراقية، وقد حصلت انتهاكات صارخة للإنسانية لم نشهد لها مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية".

موقف حقيقي أم أسباب دعائية؟

وبرغم الاتفاق على أهميتها، إلا أن النداوي أشارت إلى أن "الأنشطة التي وضعتها لتحقيق أهدافها غير متلائمة مع الهدف. فقد جاءت عامة غير محددة بسقف زمني ولم تُحدّد الآليات الضرورية. وعلى سبيل المثال، بينما ركزت الأهداف على أهمية وجود المرأة في مواقع صنع القرار، لم تشر الخطة لا من قريب ولا من بعيد إلى أهمية زيادة مشاركة المرأة في اللجان التفاوضية على المستوى المحلي والدولي وأهمية وجود النساء في اللجان العليا للأحزاب".

وأوضحت النداوي أنه في مجال الحماية والوقاية، أحد مرتكزات الخطة، كان الهدف المعلن السعي إلى تحسين ظروف المرأة المعيشية وضمان حقوقها وربط ذلك بالأمن والعدالة، "ولكن الأنشطة المقترحة أغفلت الأهمية القصوى لإصلاح النظامين الأمني والقضائي وأغفلت ضرورة زيادة عدد النساء في المنظومة الأمنية والقضائية".

وترى جبو أن الحكومة العراقية تبنّت الخطة "لأسباب دعائية، فأيّة خطة يجب أن يستتبعها عمل ورصد موارد وهذا ما لم يتم" كما أن "وزارة الدولة لشؤون المرأة كانت تحاول المساعدة ولكنها ألغيت مؤخراً". وكانت النتيجة برأيها وجود خطة ممتازة "ولكن على الورق".

خطوات مستقبلية

بعد انتقاد بعض مضامين الخطة، خلصت النداوي إلى أن "الجهود الهامة لا توازي حجم التحديات التي تعرضت وتتعرض لها نساء العراق بسبب الأزمة التي تصفها تقارير الأمم المتحدة بأنها إحدى أكبر الأزمات في العالم".

وبما أن الأزمة العراقية تتفاقم، وتفرز يومياً معاناة جديدة للنساء، طرحت منظمات المجتمع المدني العراقي خطة طوارئ تهدف إلى مساعدة النازحين المقيمين في مخيّمات.

وشرحت جبو أن "خطة الطوارئ انبثقت من الخطة الأساسية وركّزت على الاستجابة للضرورات العاجلة وتقديم المساعدة للمعنّفات والمغتصبات والمختطفات وفتح مقار لتقديم المساعدة العاجلة لهنّ". ولكنها أكّدت أن هذه الخطة الطارئة ليست بديلةً عن الخطة الأساسية "فلا نزال نطالب بما نصّت عليه الخطة الوطنية من إشراك المرأة في القرار".

وانتقدت غياب الإرادة السياسية للسير قدماً بالخطة الوطنية ضاربةً مثل قانون الأحزاب السياسية الذي أقرّه مؤخراً البرلمان العراقي دون اعتماد مبدأ الكوتا النسائية ودون أن ينص على ضرورة تواجد المرأة في مناصب قيادية داخل الأحزاب.

باختصار، تؤكد جبو أن تحقيق الخطة الوطنية "يحتاج تعاوناً شاملاً بين السلطة التنفيذية بكل وزاراتها ومؤسساتها وبين منظمات وجمعيات المجتمع المدني المعنية بحقوق النساء".

الصورة: "المرأة قادرة على صنع السلام أكثر من الرجل"/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".