بغداد - بقلم ملاك أحمد:

"تطرق الباب امرأة متشحة بالسواد وتطالبني بترك منزلي لجماعات تنظيم داعش"، تروي أم علي حكايتها مع نساء داعش لموقع (إرفع صوتك). "هددتني بتحريك دعوى ضدي بالمحكمة في حال عدم امتثالي للأوامر، وقد يصدر بحقي حكم السجن أو الاعدام".

ثم تتذكر أم علي كيف قامت بإخراج أسرتها من الموصل بعد مقتل زوجها وابنها اللذين كانا منتسبين إلى الجيش العراقي، وأوصلتهم لأحد مخيمات العاصمة بغداد ثم عادت للموصل غير آبهة لما سيواجهها. تقول "بعد أيام قليلة من مكوثي بالبيت جاءت هذه المرأة التي كانت تعمل مع جماعات داعش تهددني".

يا ناس يا عالم هذا بيتي!

تكمل أم علي "رفضت ترك منزلي وبدأت بالصراخ (يا ناس يا عالم هذا بيتي). لكن لم يكن في الحي الذي أسكن فيه من يسمع صراخي أو يلتفت إليّ". وتشير إلى أنّه "سرعان ما أبدت هذه المرأة غضبها مني، ثم أجبرتني تحت تهديد السلاح على التوجه معها إلى بيت يقع في نهاية شارعنا. وهناك قابلت عدداً من رجال داعش أحدهم نصحني بضرورة التنازل عن بيتي، فيما راحت الداعشية تقول باستخفاف: أنتِ تصرين على رفض وثيقة المدينة وهذا سيجعلكِ تدفعين الثمن".

الناس تصمت

تقول أم علي إنّه تسنّى لها خلال الشهر الذي بقيت فيه بعد عودتها من بغداد رؤية فظاعة ما يجري لنساء الموصل. وتضيف "بشكل غير معهود، يتم اجبارهن على الانضمام لداعش.. بعضهن يرفضن وبشدة وهنا تكون النتائج غير متوقعة، إذ يتعمّد التنظيم أن يرينا أدق تفاصيل ما يحدث للنساء من جلد وصراخ وفوضى ودماء. الأمر غير المألوف كذلك هو أن الناس هناك تصمت ولا تفكر بالتدخل للمساعدة، حتّى إن كان البعض على معرفة بك".

إحصاء البيوت

وتشير أم علي إلى أنه "خلال ساعات النهار تتجول نساء متشحات بالسواد طويلات القامة من جنسيات عراقية وتونسية وليبية وغيرها مهمتهن إحصاء البيوت، حيث يجبرن أصحاب المنازل على تركها والتنازل عنها بشكل رسمي بغرض تسليمها للمجندات مقابل قيمة الخدمات التي يقمن بها لداعش".

وتضيف أم علي "تجد أيضاً نساء أخريات يحملن السلاح ويتجولن في شوارع وأسواق المدينة بحثاً عن اللواتي رفضن الامتثال لميثاق المدينة من حيث ارتداء الخمار الأسود والثياب الشرعية. ويتم تجنيد هذه النسوة عبر طرق مختلفة، منها انضمام شريحة من سيئات السمعة المعروفات في المجتمع الموصلي لهذا التنظيم، أو تجنيد النساء من خلال الإغراء المالي وتخصيص رواتب للأخوات أو الأزواج بعد انخراطهم للعمل مع داعش".

وتوضح "الكثير من النساء اللواتي رفضن الانضمام مع إخوتهن أو أزواجهن فُقدن ولم يُعرف مصيرهن الى الآن".

*الصورة: عدد كبير من العائلات هجّروا بعد سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق "واتساب" على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".