بقلم محمد الدليمي:

صور الضحايا القادمة من بلدان اكتوت بنار الارهاب والحرب مثل العراق وسورية وغيرهما تثيرُ خوفاً مشروعاً في نفوس النساء في دول عربية مختلفة من احتمال انتقال هذه المآسي إلى بلدانهن.

من الضحايا، نسوة يتم بيعهن في أسواق للنخاسة "سبايا"، و أمهات فقدن الابناء والأزواج، أو لنسوة هربن من الموت فوجدن أنفسهن في "ذل المخيمات" بعد "كرامة البيوت".

موقع (إرفع صوتك) تحدث إلى نسوة في بلدان عربية مختلفة، مستطلعاً آراءهن ومخاوفهن من انتقال عدوى الارهاب والعنف إلى بلدانهن.

مصر

في مصر، لدى النساء مخاوف كثيرة، خاصة في ظل تجربة مريرة مع التطرف والارهاب خاضها الشعب المصري في تسعينيات القرن الماضي وأودت بحياة العشرات من الأبرياء، بالإضافة إلى حرب تجري اليوم ضد جماعات متطرفة في منطقة سيناء.

الطبيبة ثريا أمين، تقول إن مجرد التفكير في هذا الأمر يثير مخاوفها وفزعها، وخاصة مع ما تشاهده من أخبار وصور لما يحدث في العراق.

وتضيف في حديث إلى موقع (إرفع صوتك) "ما يحدث في العراق وسورية للسيدات والاطفال شيء مفزع. ولم أتصور أن  أرى هذا الأمر في القرن الحادي والعشرين وأن  يصل الحال بالمرأة في العراق وسورية إلى أن تصبح سلعة تشترى وتباع"

تؤكد أمين أن الجهد الفردي في مكافحة التطرف لا يكفي، ويجب أن يكون هناك جهد حكومي مركزي، وآخر ديني تقوم به مؤسسات دينية مثل الأزهر. "يجب أن يكون هناك دور للأزهر الشريف في توعية شباب مصر بالدين الإسلامي حتى لا يكونوا صيدا سهلا للجماعات المتطرفة والجماعات الارهابية".

أما ايمان عزت محمد، المعلمة في أحد مدارس القاهرة، فلا تتوقف عن الدعاء أن "لا يحدث ما يجري في العراق وسورية في مصر وأن تنتهي الأزمة في البلدين".

تقول ايمان "ما يحدث في العراق وسورية أمر مرعب، حيث تؤخذ الفتيات من أهليهن، والنساءُ من أزواجهن، ليتم بيعهن او الاعتداء عليهن".

وتضيف محمد أنها تمارس دورها كمعلمة في "نشر روح التسامح لحماية الأطفال من التطرف وانتشاره". وتؤكد أن دور المؤسسات التعليمية والحكومية المختلفة أساسي لتوعية الشباب وحمايتهم من مخاطر الإرهاب. ولكنها ترى أن دور الأسرة قد يكون هو الأهم.

"يجب أن يكون للأسرة واجب في نشر الفكر الصحيح ومبادئ الدين السمحة، حتى نمنع استقطاب الشباب من قبل الجماعات المتطرفة".

تونس

 تزداد المخاوف في تونس من انتقال أعمال العنف إليها بالنظر إلى عاملين مهمين، الأول حالة الفوضى التي تشهدها ليبيا المجاورة منذ سنوات والثاني العدد الكبير من الشباب التونسي الذي سافر للقتال في سورية.

تقول ليلى العيّاري، الناشطة في منظمات المجتمع المدني، إن الخوف موجود، بل ويراود حتى ابنتها الصغيرة أحياناً من احتمال انتقال العنف إلى شوارع ومدن تونس.

وتقول العياري "إن الخوف والقلق من انتقال هذه الافة موجود، ولكن يجب أن يكون دافعا لمعرفة أسباب الإرهاب وكيف بدأ حتى يمكن تلافيه".

للعيّاري نظرية مفادها أن الإرهاب لا يستورد وإنما يصنع في المجتمعات. وتقول "الإرهابي موجود بيننا، فالإنسان لا يولدُ عالماً ولا يولدُ إرهابياً ولكن تتكون شخصيته وسط المجتمع".

العيّاري التي اختارت، هي ومجموعة من النساء التونسيات، أن تقوم بزيارات للأماكن النائية والقرى للتحدث مع الشباب والآباء والأمهات لتوعيتهم وتثقيفهم ليقوموا بدورهم بتوعية آخرين وتحصينهم ضد مخاطر التطرف وغيره من المشاكل المجتمعية، تمضي بالقول إن تونس تواجه مشكلة الشباب العائدين من القتال في سورية "والتي يجب الحذر منها وإيجاد الحلول المناسبة لها لإصلاحهم وعقاب أولئك الذين تلطخت أيديهم بالدماء".

وتضيف "نحن شعوب ترفض السارق والمغتصب وسيء الخلق، فكيف نقبل بالإرهابي؟ كيف نقبل بأولئك الذين رأيناهم يقتلون ويقطعون الرؤوس؟".

أما سُكينة قفّال، 25 سنة، فتقول إنها تخاف من وصول العنف وانتشار التطرف في تونس نتيجة محاولات جهات سياسية دينية السيطرة على مفاصل الحكم في تونس.

وتقول قفّال "المشاهد التي تعرض على شاشات التلفاز تجعلني أخاف كثيراً على أهلي، إخوتي وأخواتي وعلى وطني". هذا الخوف دفعها للاشتراك في جمعيات تونسية تحاول توعية التونسيين حول مخاطر التطرف وانتشار الارهاب. وتقول إنها تحاول إيصال رسالتها في النقاشات مع الاصدقاء أو مع من تلتقيه، في محاولة لتجنيب بلدها ما تعانيه ليبيا وسورية والعراق.

المغرب

شهدت المملكة المغربية اعتداءً إرهابياً كبيراً عام 2003 حين قام 12 انتحاريا بتفجير أنفسهم بمدينة الدار البيضاء. هذا الاعتداء لا يزال حاضراً في الذاكرة المغربية بقوة، معززاً حالة من الحذر والخوف من عواقب انتشار التطرف والإرهاب في المملكة، وخاصة بعد تفجير آخر عام 2011 بمدينة مراكش.

تقول سناء أزواغ، مديرة منظمة (قلوب رحيمة)، "لدينا مخاوف من انتقال الإرهاب إلى المغرب ومن نار حروب تأتي على الأخضر واليابس".

وتضيف أزواغ، إن هذه الحروب لا تدمر البلدان فقط "وإنما تسهم في إنشاء جيل متطرف جديد ومنظمات متطرفة أخرى". ولهذه الأسباب مجتمعة يجب الحذر وعلاج أسباب التطرف والإرهاب.

وتؤكد "زرع قيم حب الوطن، وتعليم الأجيال إنه جزء من الإيمان هو أول طريق لحض الشباب على الحفاظ على أوطانهم".

تحاول أزواغ مع عدد من النساء المغربيات وعن طريق منظمتها مساعدة المحتاجين ومد يد العون لأولئك الذين يحتاجونها. وتشتمل المساعدات المقدمة على مواد طبية وملابس وغيرها، توزع على عدد كبير من المحتاجين، خصوصاً للذين لا يجدون مأوى من المشردين والفقراء في القرى النائية.

أما حنان عزوز، والتي تعمل مديرة مؤسسة تعليمية، فتقول إن حالة الخوف موجودة وتعززها صور الاخبار القادمة من الشرق. وتؤكد "هناك تخوف، وهو مشروع ومستمر مع كل لحظة تطالعنا صور الضحايا، من خلال الهاتف أو التلفاز أو غيرهما. ومن حقنا الخوف على بلدنا من انتقال عدوى الإرهاب إليه".

تقول عزوز إن حجم أعمال العنف التي تشهدها المنطقة، تثير في النفس تساؤلاً "كيف وصل هؤلاء الشباب إلى مرحلة من القسوة تمكنهم من ارتكاب فظائع وجرائم؟ وكيف تم غسل أدمغتهم واستلاب انسانيتهم؟ هل هو الجوع؟ ربما القمع؟ ربما عدم الأمان؟".

بغض النظر عن الأسباب والدوافع التي تودي ببعضهم للتطرف، فإن عزوز تؤمن أن زرع المحبة بين الناس هو الطريق الصحيح لمواجهة هذه الموجة من الإرهاب. وتقول إنها تمارس دورها كفرد من خلال محاولة زرع روح المحبة في الأجيال الناشئة، ومن خلال دورها كأم.

وتضيف "حين أبحث لابني عن مدرسة، أحاول أن أجد مدرسة لا تعلمه أن يكره الاخرين. أن يتعلم لغة أخرى تفتح له باباً على محبة الآخر، والتفاهم معه وتفهمه والتعاون. كل شيء يبدأ من الطفولة، ونحتاج أن ننتبه إلى مناهجنا".

*الصورة: "ما يحدث في العراق وسوريا للسيدات والاطفال شيء مفزع"/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".