بقلم جنى فواز الحسن:

لا ينحسر خطر الجماعات المتطرّفة في مناطق الصراع في العالم العربي. الكابوس يلاحق النساء العربيات في الأماكن التي تعتبر أقلّ خطراً وحتّى في المجتمعات الغربية. نساء يتشاركن هاجس تربية أطفالهن وأبنائهن الذين باتوا في سنّ المراهقة ولم يعد من السهل التعامل معهم.

هاجس داعش

تروي اللّبنانية منى ابراهيم، وهو الاسم الذي اختارت أن تستعمله، أنّها حصلت على الطلاق من زوجها منذ ستّة سنوات وقد عانى أبناؤها من هذا الوضع العائلي. لكنّها تقول إنّ "الطلاق كان أمراً مختلفاً إلى حين توفيّ أب أولادي منذ ثمانية أشهر ووجدت نفسي وحدي في مواجهة كلّ ما يجول في خاطرهم".

تكمل منى "سأعترف أنّ معاناتي الأكبر هي مع ابني الأكبر. هو في سنّ السابعة عشر وأنا أريد أن أغادر لبنان إلى لندن ليكمل تعليمه هناك حين ينتهي من الدراسة الثانوية، لكنّه يريد البقاء هنا".

تعترف منى أنّ هاجسها الأوّل في هذه المرحلة العمرية من حياة ولدها هو تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". وتقول "يحصل ابني على كل الرعاية الممكنة وقد أنشأته بشكل جيّد ومنفتح على كلّ المحيطين به.. بيئتنا ليست متزمّتة، لكن خوفي الأكبر هو أن يقوم بردّة فعل على وفاة والده لأنّ علاقته به كانت متينة. أشعر أحياناً أنّه يلومني على الطلاق على الرغم من انّه كان الحل الأنسب وأحاول امتصاص غضبه، لكن لا أنكر أنّي أخاف من موجة التطرّف ومن أن يجنّده تنظيم كداعش أو جبهة النصرة عبر الانترنت".

وتضيف منى "نحن نعيش في عصرٍ ظلامي وأسود ونشعر أنّ مهمتنا كأمّهات مضاعفة.. والآن أجدني أمّ وأب وأحاول قدر المستطاع أن أحمي أبنائي".

ألجأ إلى قيم الدين

تصف رولا رياشي البيئة اللبنانية بـ"بيئة أقلّ تطرّفاً" من باقي الدول العربية، لكنّها في الوقت نفسه مدركة لوجود التطرّف في بلادها. وكونها أمّ لولدين في بداية سنّ المراهقة، تحاول أن تتناقش معهما بصراحة حول ما قد يدفع الشباب إلى الإرهاب.

تقول "ناقشت مع ولديّ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وأخبرتهم أنّ أحد المتورطين في التفجيرين كان لبنانياً يدعى زياد الجراح وتحدّثنا عمّا الذي قد يكون دفعه في هذا الاتّجاه".

تلجأ رياشي أيضاً إلى توجيه ولديها، حتّى في تعليمهم الديني، إلى الدين الإسلامي المعتدل والقيم الخيّرة والإنسانية.

أقول لابني: احمِ أفكارك!

من جهتها، تقول إيمان الموسوي من سلطنة عمان إنّها تحذّر ولدها ألّا يسمّم أحد أفكاره. "نحن نعيش في دولة أجنبية وولدي لديه أصدقاء من كل الديانات وأنا أطلب منه ألّا يسمح لأحد بأن يأتي ويقول له إنّ ما يقوم به أمر خاطئ".

تعيش الموسوي المتزوّجة من رجل بحريني في بريطانيا، لكنّها لا تنكر خوفها من أن يلحق التطرّف عائلتها حيث هي. "أقول لابني كلنا في النهاية بشر ونستحق أن نعيش بسلام، لذا أهمّ شيء أن تحمي الطريقة التي تفكّر بها ولا تسمح لأحد بأن يسمّم أفكارك!".

*الصورة خاصّة لموقع (إرفع صوتك) / أطفال في مخيم الغزالية - بغداد

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق "واتساب" على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال
السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال

نجحت المهاجرة السورية نور نوريس المقيمة في بريطانيا من خلال متابعتها لقضية مقتل أختها وابنتها على يد زوج الأخيرة سنة 2018، في المساهمة بسن قانون "رنيم"، القاضي بمكافحة العنف الأسري وحماية النساء والرجال من العنف وتوفير الدعم للضحايا.

وتابعت نور القضية منذ مقتل أختها خولة سليم وابنتها رنيم، حتى نجحت هذا العام من الوصول للمحكمة البريطانية والحديث أمام مجلس النواب البريطاني، انتهاءً بسن القانون من خلال حزب العمال الذي فاز بالانتخابات مؤخراً.

 

من هي نور؟

نور نوريس مهاجرة سورية مدينة دمشق، استقرت في بريطانيا قبل 28 عاما، وهي أم لخمسة أطفال، كانت تعمل في تصميم الأزياء، وحالياً تقدم الاستشارات النفسية، عبر شركة استشارية وعيادة خاصة بها، وهذه العيادة متخصصة في مكافحة العنف المنزلي والأُسري للنساء والرجال.

وشركتها متخصصة في حملات المناصرة للتأثير على صناعة القرارات في بريطانيا، بالإضافة لتدريب الشرطة وبعض المؤسسات الكبرى عن العنف المنزلي، والتدريب على طرق الوقاية قبل الدخول بعلاقة تعنيف، وكيفية الخروج منها، ومساعدة الآخرين، مع طرق السلامة، والحالات التي تمر فيها الضحية.

تبين نوريس لـ"ارفع صوتك" أنها "قامت لوحدها بحملة لمكافحة العنف ضد المرأة، بداية من قصة أختها وابنتها، وطالبت من خلالها بتعديل القوانين الخاصة بالعنف الأُسري، ودعم الأشخاص المعنّفين".

قصة نور وعملها من أجل قانون "رنيم" ضمن كتيب الدعاية الانتخابية لحزب العمال البريطاني

تضمنت الحملة، بحسب نوريس، طاقماً من المحاميين الخبراء، وإجراء أبحاث وإعداد تقارير لعدة سنوات خاصة بالعنف الأُسري، حتى وصلت للمحكمة ومجلس النواب البريطاني ثم حزب العمال الذي دعمها بشكل كبير، وصولاً إلى تشريع قانون "رنيم".

تتابع: "استنفدت كل طاقتي ومجهودي حتى وصلت للمحكمة، وكنت أدعم نفسي حتى وصل صوتي للبرلمان".

وتروي نوريس "كان هناك خمس وعود لدى حزب العمال في الانتخابات، أحدها كان مكافحة العنف المنزلي، ووضعوا قصتي وقصة رنيم ضمن حملتهم الانتخابية، وحملتي كانت تجعلهم ينظرون إلى الشرطة ويعرفون ما سيقدمون لهم".

قصة رنيم

لجأت رنيم من سوريا عام 2014 إلى بريطانيا، وتزوجت لاجئاً أفغانيّ الجنسية. واجهت خلال فترة زواجها العنف المنزلي، انتهى بمقتلها على يده في أغسطس  2018، هي ووالدتها خولة سليم.

توضح نوريس "تواصلت ابنة أختي مع الشرطة خمس مرات، وشرحت لهم أن لديها إذناً من المحكمة ألا يتعرض لها زوجها، لكنّ عناصر الشرطة قالوا إن هذا الإذن غير موجود لدى الشرطة، لذلك لا يستطيعون فعل أي شيء".

"وشرحت لهم رنيم بالضبط ما سيحدث لها وأنه من الممكن أن يقتلها، لكنهم تجاهلوها تماما وفرضوا عليها العودة إلى المنزل، وهي عائدة إلى منزلها اتصلت بالشرطة للمرة الثالثة عشر، وهي تتحدث معهم كان زوجها قد طعنها أمام منزلها"، تضيف نوريس.

في حينه، تحول القضية إلى الرأي العام، وظلّ الجاني هارباً لمدة خمسة أيام قبل أن تعتقله الشرطة البريطانية، بينما كانت نوريس وبقية أفراد العائلة يعيشون حالة من الخوف والقلق.

وفق التحقيقات، اتصلت رنيم بالشرطة 13 مرة خلال أربعة أشهر سبقت مقتلها وأبلغتهم عن تعرضها للعنف المنزلي، إلا أن الشرطة لم تحمها، ما أدى لمقتلها هي ووالدتها.

تلفت نوريس "في الحقيقة هناك قوانين في بريطانيا تكافح العنف الأُسري، لكنها لا تطبق بشكل مناسب وليس عليها رقابة، كما لا يتم تدريب الشرطة عليها. وهنا تكمن المشكلة".

تؤكد "وخلال المحكمة اكتشفنا أن القانون البريطاني الحالي قديم في متابعة العنف المنزلي، ولا يكون هناك ربط للأحداث بين جميع الجهات لمتابعة القضايا".

العنف الأُسري في بريطانيا

عملت نوريس على عدد كبير من الأبحاث، ووجدت أن هناك امرأة تقتل كل ثلاثة أيام في بريطانيا، وكل يوم شخص "رجل أو امرأة" يقتل نفسه بسبب العنف المنزلي.

وتشرح "واحدة من كل أربع نساء يتم تعنيفهن، وواحد من كل ست إلى سبع رجال يتم تعنيفهم، و80% من حالات القتل هن من النساء، أما التعنيف فهو مشترك ويمارس على الرجال والنساء، ولكن الغالبية العظمى من النساء، لذلك نحن ندعم قضية المرأة بشكل أكبر".

تصف نوريس ردود الأفعال في محيطها بأنها "هائلة وإيجابية" مردفة "أنا ممتنة لكل من سمعني وساهم بدعم مبادرتي. الناس متشجعة، وتمت دعوتي لمنزل رئيس الوزراء لحضور إحدى الحفلات، وذهبنا للوزارة واجتمعنا بكل القائمين على العمل في منظمات المجتمع المدني. وأتت رئيسة وزراء الداخلية وتحدثوا عن القانون وأنه سيتم تطبيقه، وهذه كانت واحدة من الاجتماعات التي سنعمل عليها بشكل دائم".

وتشير إلى أن تطبيق القانون "سيبدأ قريباً" دون تحديد تاريخ زمني. 

"أهم شيء أن الشرطة أصبحت أقوى من ذي قبل وتشعر بمسؤولية أكبر، وهذا أدى لخوف المجرمين وحدوث ردع أكبر، والأهم أيضا أننا استطعنا إيصال صوتنا" تتابع نوريس.

وتبين: "هناك أشخاص كثر يعيشون هذه الحياة الصعبة، وهو عنف يطبق بشكل منتظم وبتسلسل، فالعنف ليس شخصين مختلفين فقط. فالمعنِّف هو إنسان مسيطر كليا على الضحية. هناك أشخاص يتعايشون معه، خاصة عندما تكون الضحية لا تستطيع فعل أي شيء مع المعنِّف، وأحيانا تصدّق الضحية أن المعنِّف على حق، فينتابه تأنيب وشعور بالذنب، كما أن بعض المعنِّفين يشعرون أن هذا حقهم الطبيعي، بحسب شخصيتهم والبيئة التي أتوا منها".

في ختام حديثها، تعرب نوريس عن أملها بأن "يصبح قانون رنيم خطوة مهمة نحو تسليط الضوء على هذه الظاهرة حول العالم، وليس في بريطانيا فقط".