بقلم علي عبد الأمير

لا تبدو دول البلقان جزراً معزولة بعيدة عن تأثيرات ما يجري في الشرق الأوسط، فهي مثل دول أوروبا الأخرى تشهد تناميا ملحوظا لنفوذ الجماعات الإسلامية المتشددة.

ولم يعد سراً تدفق المئات من مواطني دول هذه المنطقة من المسلمين إلى سورية أولا ومن ثم إلى العراق للانخراط في صفوف الجماعات المسلحة المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم "الدولة الاسلامية" و "جبهة النصرة"، وهو ما أكدت حدوثه حكومات هذه الدول التي استنفرت أجهزتها الأمنية و الاستخباراتية لمواجهة النمو المتسارع لهذه الظاهرة، بحسب ما يراه المحاضر في كليتي "العلوم السياسية" و"الصحافة" في جامعة صوفيا ببلغاريا، الدكتور محمد خلف.

مئات البلقانيين المسلمين

وينقل الباحث خلف عن الخبير الأميركي في قضايا الإسلام روبرت سبنسر النيس، والذي يترأس مؤسسة "جهاد ووتش" المختصة بدراسة ظاهرة التطرف الديني في العالم، تحذيره قبل سنوات مما أسماه " جيوب إسلامية  في البانيا ومقدونيا و البوسنة والتي يشكل فيها المسلمون نسبا، هي على التوالي 70 ، 30 و60 بالمئة من عدد السكان لإاجمالي".

وتشير البيانات شبه الرسمية عن مركز رصد الجهاديين في البلقان إلى أن نحو 600 إلى 700 متطوع من صربيا و البوسنة و الهرسك والجبل الأسود وكوسوفو ومقدونيا و ألبانيا يقاتلون في سورية و العراق منذ العام 2012.

ويوضح الدكتور خلف في حديث إلى موقع (إرفع صوتك) "بروز دور الجماعات الجهادية المسلحة لإسقاط النظام السوري فتح صفحة جديدة للألبانيين خاصة مع (الدولة الاسلامية)، حيث بدأ الترويج لفكرها في دول البلقان التي يتواجد فيها الألبان، مثل ألبانيا وصربيا وكوسوفو ومقدونيا و الجبل الاسود. ولم تمض شهور حتى بدأ تدفق الشباب الألبان باتجاه سورية وسط صمت مريب من الحكومات".

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية والصحافي في جامعة صوفيا أن انجذاب شباب وشابات كوسوفيين إلى هذه المنظمات المتطرفة وسفر عشرات منهم إلى مناطق النزاعات المسلحة في الشرق الاوسط يقلق حكومة كوسوفو كثيراً. ويقول "لقد ابلغني وزير الداخلية الكوسوفي بيرم رجبي العام الماضي أن هذه المسألة تشغل بال الحكومة، وهي التحاق شابات بجماعات الارهاب بعد تجنيدهن وتوفير ظروف سفرهن الى سورية. وتشترك كل دول البلقان بهذه الظاهرة، ولكن لا توجد بيانات رسمية دقيقة عن عدد النساء البلقانيات المنخرطات في (الجهاد بالشرق الاوسط)، لكن صحفيا صربيا يرجح أن يكون عدد الجهاديات من البلقان في سورية  هو 20 متطوعة، فضلا عن خمس عائلات".

البوسنة مركز للتجنيد؟

ويقول الباحث محمد خلف "البوسنة هي أكبر مركز لتجنيد المتطوعين في صفوف الدولة الاسلامية في جميع أوروبا"، لافتا إلى مقابلة أجرتها جريدة "نزفسنه نوفينه" مع وزير الأمن البوسني فخر الدين رادودنيتشيتش يقول فيها أن "الذهاب إلى سورية لا يجري بشكل عفوي، وأجهزتنا تعلم من يقوم بذلك من الخارج، عبر استغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد".

بحث عن "الفضيلة"

ويرجح الدكتور خلف أن البلقانيات مثل غيرهن من المسلمات الأوروبيات، يخترن الجهاد لأسباب عدة من بينها "مساعدة أشخاص مضطهدين، وهو ما يعني تحقيق بعض من العدالة". فيما البعض الآخر من المتطوعات "يرغبن في العيش في بيئة تنسجم مع مبادئهن الدينية، ومنهن من لديها تصور أكثر رومانسية عن الجهاد، إذ يبحثن عن زوج فاضل مثلهن، كمقاتل مثلا في سبيل الله كما في الحياة الزوجية. كذلك  بعضهن يعتبرن الجهاد بمثابة خلاص وتطهير الروح".

ويضيف "الكثير من الباحثين الغربيين يرون أن المراهقات الذاهبات إلى أرض الجهاد  تجذبهن بقوة الأدوار النسائية التقليدية، تلك الأدوار التي نالت نصيباً هائلاً من الإنكار في المجتمعات الأوروبية. أولئك المراهقات يجدن سعادة حقيقية بالارتباط بمقاتل جهادي. فهن يرين فيه فاضلاً وصاحب شهامة، عكس الرجل الغربي الحديث، الذي تختفي ملامحه الرجولية شيئا فشيئاً، رجل لا يشعرن بأنه يحترمهن دائماً. وهن بهذا الانجذاب إلى رجال كهؤلاء، يسجّلن نقدهن للتصدّعات والنواقص التي تعرفها المجتمعات الغربية بخصوص العلاقة بين الجنسين".

مواضيع ذات صلة:

العراق

"قافلة الإبل" وخوف من العنف الأسري... قصص من بغداد تحت حظر الكورونا

25 مارس 2020

عادة ما يقضي رعد غانم أيام حظر التجوال خلال الأعوام الماضية بالتواصل مع الآخرين من معارف وجيران في زقاق الحي الذي يسكن فيه، أو أثناء الجلوس عند واجهة البيت أو محلات التسوق لتبادل أطراف الحديث. 

لكن منذ أن فرض حظر التجوال في البلاد لمواجهة تفشي فيروس كورونا، أُجْبِر هذا الرجل - كغيره من العراقيين- على البقاء في بيته. 

ويعيش رعد (54 عاماً) في بغداد، حيث قررت خلية الأزمة، فرض حظر للتجوال عليها من الساعة الحادية عشر مساء، الثلاثاء، لغاية الرابع والعشرين من الشهر الجاري.

ويفرض حظر التجوال عدم الخروج من البيت إلا للضرورة القصوى، من أجل تعفير المناطق بمطهرات "الفاركون" وفحص الداخلين والخارجين بواسطة أجهزة دائرة الصحة، كما يُسمح لأصحاب المخابز ومتاجر المواد الغذائية والبقالة ومحطات الوقود بممارسة عملهم. 

يشعر رعد في الوقت الراهن بالقلق، يقول لـ "ارفع صوتك": "لست من عشاق البقاء في البيت، والآن أجدني مجبراً على ذلك". 

ويضيف "طيلة حياتنا كان حظر التجوال بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة فرصة لقضاء بعض الأوقات المسلية والخالية من ضغط المسؤولية والعمل رغم التحديات".

من جهة أخرى، لا يمثل حظر التجوال شيئا مقلقاً عند سهام خليل (49 عاماً)، تقول "الفرد العراقي اعتاد على أزمات كثيرة كانت تدفعه دوماً للجلوس في البيت".

وضربت مثالاً عام 1991 و 2003، تقول سهام "حينها بقينا في البيت أكثر من شهرين دون خدمات الماء والكهرباء"، مضيفة "اعتدنا على الأزمات، وهذه أزمة وسترحل كغيرها".

كما لا يرى عادل مجيد (51 عاماً) مشكلة في حظر التجوال لمواجهة عدوى فيروس كورونا، ولكن "المشكلة في الأطفال الذين اعتادوا على الخروج من البيت واللعب مع أقرانهم من أبناء الجيران"، حسب قوله.

ويتابع "يتنمر هؤلاء – ومنهم أطفالي- ويرفضون حجرهم بالبيت ومنعهم الخروج للعب، لدرجة أنك قد لا تستطيع النوم خشية إغفالهم"، مستدركاً "إذا كان الكبار لا يلتزمون فماذا نتوقع من صغار السن؟".

ويضيف عادل "لا يلتزم الجميع بالحظر، إذ لدى البعض لامبالاة بالمرض ويتوقعون أن الخطورة قد ترتبط بغير المخاوف الأمنية مثل الحرب أو الاقتتال الطائفي أو التفجير الإرهابي".

وتم تداول مقطع فيديو في مواقع التواصل، لقافلة إبل داخل بغداد على الرغم من قرار حظر التجوال، ولاقى المقطع استهجان نشطاء عراقيين من عدم الالتزام بالحظر من جانب، وسخرية البعض من جانب آخر.

تذمّر واستغلال للوقت

بقاء الرجال في البيوت طيلة الوقت ليس من الأمور الاعتيادية في العراق، وهذا الأمر ليس مرغوباً لبعض النساء، تقول نادية حسن (54 عاماً) إن هذا الأمر "يفرض عليها مواجهة المشكلات العائلية بسبب تدخلاته الكثيرة بأمور كانت هي تتحمل مسؤوليتها، مثلا في ترتيب البيت أو الطبخ أو متابعة التلفاز وغير ذلك".

وتضيف "بسبب العادات والتقاليد، فإن من حق الرجل التحكم بأفراد أسرته وخاصة النساء. وهذه الأحقية قد تبرر له استخدم التعنيف بكل أشكاله في حال الوقوف ضده أو معارضته. وفي هذه الظروف، لا يوجد ملجأ للنساء". 

لكن سامر جاسم (37 عاماً) يرى أن حظر التجوال والمكوث الجبري بالبيت "سيساعده أكثر على قراءة الكتب بعد أن كان يحجم عن ذلك بسبب عمله".

ويقول "جهزتُ مكتبة البيت بالكثير من عناوين الكتب كنت لا أستطيع التفرغ لها بسبب التزاماتي. فرصة القراءة لم تكن متاحة لي حتىّ من قبل زوجتي التي كانت تعدها ترفاً، ولكن بسبب فيروس كورونا وخشية العدوى، صارت تشجعني بحماس شديد".