بغداد – بقلم دعاء يوسف:

 "وضع المرأة الآن في تحسن، أشعر بذلك عند قيادة سياراتي في شوارع العاصمة بغداد"، تقول غيداء البياتي، وهي تصف حال المرأة بعد العام 2003.

الوضع الأمني في البلاد

وتضيف غيداء، في العقد الثالث من عمرها، في حديث لموقع (إرفع صوتك) "نظرة الشارع للمرأة تغيرت كثيراً عن السابق، فمن خلال قيادتي لسيارتي خاصة، توافرت لدي فرصة للاختلاط برجل الأمن وشرطي المرور وعامل صيانة وتصليح السيارة والعاملين في محطة تعبئة الوقود، ورصدت بشكل جميل تعاونهم مع المرأة واحترامهم الكبير لها".

وتشير إلى أنّ  المرأة اليوم بدأت بالحصول على بعض المكاسب المدنية والدستورية، لكنها اعتبرت أنّها ما زلت حتى الآن تواجه تحديات خطيرة تتعلق بالوضع الأمني في البلاد، الذي يجعلها عرضة للمخاطر ولإفلات البعض من العقاب في حالات الاعتداء.

التغييرات السياسية

على الرغم من أن البعض يقول إن وضع المرأة بدأ يتحسن في المجتمع، إلا أن المدافعين عن حقوق المرأة ومنهم الناشطة ينار محمد، رئيس منظمة حرية المرأة في العراق، تعتقد أن وضع المرأة العراقية اليوم من سيء لأسوأ بسبب التغييرات السياسية التي فرضت عليها الكثير من "تجاوزات الهيمنة الذكورية على حريتها وامتيازاتها".

التغييرات السياسية بنظر كريمة منعم، وهي أرملة في العقد الرابع من عمرها، فقدت زوجها في حادث انفجار سيارة ملغمة سنة 2011 ببغداد، ليست أيضاً "سوى استغلالاً لأوضاع المرأة وظروفها الصعبة على اختلاف أشكاله".

ووفقاً لتجربتها، تقول "لأن الأرملة تبحث عن لقمة العيش، باتت الأرملة فريسة سهلة". تتحدث كريمة، التي تعيل طفلتها البالغة تسع سنوات من عمرها، عن مواجهتها لأشكال مختلفة من الاستغلال والاحتيال في حديث لموقع (إرفع صوتك).

"واجهتني الكثير من الصعوبات، خصوصاً عندما اعتمدت على بعض المساعدات المادية التي تقدمها بعض المؤسسات غير حكومية معنية بالأرامل والأيتام. كان من الصعب عليّ إيجاد عمل مناسب لي، لأني لم أكمل دراستي".

وتضيف أنّ "الأسوأ من ذلك هو أنّ بعض العاملين في المؤسسات الحكومية المعنية بشؤون الأرامل والأيتام يستغلون حاجة الأرملة فيبتزونها لممارسة أمور غير أخلاقية أو يحرمونها من مستحقاتها المالية".

وتتابع كريمة "بعد فقدان زوجي صرت أشعر بالمذلة. لذا اخترت طريقاً صعباً لمواجهة كلّ ما تفرضه الأوضاع باتخاذ مكان قريب من بيتي لبيع الحلويات والعصائر لأطفال الحي الذي أعيش فيه".

تركت دراستها لتتفرغ للعمل

"منذ أعوام وهذا حالي، أعمل في صنع الكبة"، تقول أم رنا، وهي في الخمسين من عمرها. "كان الحل الوحيد لإعالة أولادي الثلاثة، أكبرهم فتاة في الـ17 من عمرها، بعدما أصيب زوجي بحادث انفجار سيارة مفخخة أقعده عن الحركة عام 2010".

"أستلم جميع المواد اللازمة لصنع الكبة كاللحم والأرز والبطاطا وغيرها من المكونات من الزبائن مقابل الأجور المالية التي لا تتجاوز 7 دولار (10 ألف دينار عراقي) على كيلو اللحم الواحد"، تضيف أم رنا واصفة طبيعة عملها المجهد، "هذا العمل يؤثر على صحتي بشكل سيء، وخاصة يدي ورقبتي".

تعمل أم رنا لساعات طويلة دون أنّ تتقاضى أجوراً تكفي لسد احتياجات عائلتها، لذا دفعت بابنتها رنا للعمل معها في صناعة الكبة. "لا تكفينا الأجور التي أحصل عليها، لذا تركت رنا دراستها لتتفرغ لمساعدتي والعمل معي".

أستبعد تغير وضع المرأة نحو الأفضل

"المرأة العراقية تعاني اليوم من صعوبات كثيرة وتواجه تحديات كبيرة في الحصول على حقوقها وحريتها"، تقول أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة بغداد فوزية العطية. وتضيف العطية في حديث لموقع (إرفع صوتك) "حالياً، أستبعد أنّ يتغير وضع المرأة نحو الأفضل في ظل التزايد الحاصل في أعداد النازحات والعاطلات عن العمل والمتسربات من مقاعدهن الدراسية واللواتي يعانين من العنف الأسري والمتزوجات باكراً وغيرها الكثير من الظواهر التي بدأت بالانتشار بشكل مخيف بالآونة الأخيرة من دون حلول حكومية تذكر".

*الصورة: "بعد فقدان زوجي صرت أشعر بالمذلة"/إرفع صوتك

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".