الجزائر – بقلم أميل عمراوي:

تعوّد المجتمع الجزائري في كثير من مناطق البلاد سياقة النساء للسيارات وأضحى الأمر غير مثير للجدل ما دام ذلك يغني الرجل عن التزامات يومية تثقل الكاهل، حيث أصبحت أغلبيتهن يرافقن الأبناء بالسيارة للمدارس كل صباح.

لكن يختلف الأمر تماماً إذا قررت المرأة قيادة سيارة أجرة مثلها مثل الرجل، حيث يمكن أن تعترضها مضايقات عدة وقد ينتهي الأمر بالاعتداء عليها جسديا.

فخورة كوني سائقة تاكسي رغم الأحكام المسبقة

الآنسة شميسة المعروفة في العاصمة الجزائر بـ"تاكسي شوشو" شابة جزائرية في العشرينيات من عمرها، تعمل كسائقة سيارة أجرة منذ ثلاثة أعوام، وتقول لموقع (ارفع صوتك) إنها تعشق القيادة وإنها فخورة بكونها من بين القلائل من النساء اللاتي يمتهن السياقة رغم كل الصعوبات التي تبدأ بالثقل الإداري أو المشاكل البيروقراطية (تعقيدات الحصول على رخصة قيادة عمومية سواء للرجل أو المرأة)، انتهاءً بعدم تفهم المجتمع بأن المهنة شريفة وأنها قادرة على الاضطلاع بمهامها كما يقوم بذلك الرجل بل أحسن في بعض الأحيان.

"صحيح أنّني متحصلة على بكالوريوس تجارة وأنّني عملت مدة من الزمن كمسؤولة مبيعات بشركة خاصة، لكن شخصيتي تدفعني دائما لأكون حرة في اختياراتي وأن أستقل بقراراتي وهو ما يتيحه لي التاكسي الذي أعمل به. إنه يعطيني حرية في التصرف لا يمكن أن أستغني عنها. أنا أعمل سائقة تاكسي وأساهم في تطوير السياحة، يمكنني التحدث مع الأجانب بالانجليزية وهو أمر يسعدهم كثيرا وفي كثير من الأحيان أقوم بدور السائقة والمرشدة في نفس الوقت .. أنا أعمل في ميدان يجذبني إليه كل يوم".

وتلفت شميسة إلى أن إقناع العائلة في البداية لم يكن بالأمر الصعب لأن الأب شخص متفهم ويحترم قرارات الجميع ما دامت لا تخدش أيا من الثوابت، لكن الشارع لم يتقبل الأمر "كون المجتمع الجزائري ذكوري بامتياز".

اعتثدي علي بالضرب ولو كنت رجلا لما حدث ذلك

"صحيح أنني أتعرض للمضايقات لكن الأمر يتوقف عند حد العنف اللفظي، وأنا تعودت على ذلك. ما لا يمكن السكوت عنه هو الاعتداء الجسدي... إنه أمر لا يطاق أن تحس أنك مستهدف لا لشيء إلا لكونك أنثى".

تروي شميسة أنها تعرضت لاعتداء جسدي خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2015 أثناء مرورها بسيارتها في طريق ضيق بالعاصمة. حيث اعترض طريقها أحد الشباب وأجبرها على النزول من السيارة وانهال عليها بالضرب بحجة أنها كانت تشغل الموسيقى بجانب بيته.

"لن أسامحه ما دمت حيّة، لقد اعتدى علي كوني امرأة، لو كان السائق رجلاً لما اعتدى عليه، وما كان الأمر انتهى بالسهولة التي انتهى بها على الرغم من أنني اشتكيته لرجال الشرطة الذين قرروا ترك الملف بحجة نقص دلائل الإدانة!".

وتتذكر شميسة التي تلتزم بإيصال الزبائن حتى عبر المسافات الطويلة كيف انتابها خوف هيستيري في إحدى المرّات لما أوصلت زبونا إلى الصحراء بعيدا عن العاصمة الجزائر بــ600 كيلومتر حيث وصلت ليلا ولم تكن هناك لا أضواء ولا طرق معبدة ولا شبكة هاتف نقال.

"انتابني شعور بأنها نهايتي، لكن الأمر لم يكن كذلك وتبين أن الزبون رجل محترم أوفى بالتزامه وهو أمر أحبذ ذكره لأن ثمة رجال يخرجون عن القاعدة وهو أمر يبعث على الأمل" .

15 سائقة فقط من بين 16 ألف بالعاصمة

يشار إلى أن شميسة تنشر على حسابها في موقع فيسبوك العديد الصور التي تلتقطها خلال سفرها  بمختلف ولايات الجزائر، وتلقى صورها تلك ترحيبا بشبكات التواصل لما ينبعث منها من حس فني مرهف.

وتؤكد شميسة أن عدد النساء اللاتي يمتهن سياقة سيارات الأجرة لا يتعدى الـ15 على مستوى محافظة الجزائر التي ينشط بها حوالي 16 ألف تاكسي و 30 فقط على مستوى الوطن (أغلبهن فوق سن الخمسين) ضمن 50 ألف تاكسي وهو رقم يعبر حقا على الوضع الذي أود تغييره بكل ما أوتيت من قوة (فكرية).

وتنهي شميسة (شوشو) حديثها لموقع (إرفع صوتك) بنداء لكل النساء للخروج والعمل على تحقيق أمنياتهن، لأن ذلك سيساهم حتما في تقدم مجتمعاتنا.

آراء جزائريين

وقد استقى موقع (إرفع صوتك) آراء جزائريين حول مدى تقبلهم لعمل المرأة كسائقة سيارة أجرة. ويقول نزيم عيبود إن سياقة المرأة للتاكسي أمر عادي بل ومحمود.

"أرى أنه أمر عادي سياقة المرأة للتاكسي رغم الرجعية السائدة في أوساط الجزائريين وأنا أشجع البنات على هذه المهنة ما دامت شريفة، ولو أرادت زوجتي المستقبلية امتهان السياقة فلن أرى مانعا لذلك"، يقول الشاب.

وفيما يخصه، يرفض سمير مسيفة فكرة أن تقود المرأة سيارة أجرة لما لذلك من خطورة على حياتها ومخافة "أن يخدش شرف العائلة لو تطاول عليها أبناء الحي".

ويقول لموقع (إرفع صوتك) "لا أعتقد أنه من الضروري أن تمتهن المرأة سياقة التاكسي، لا يمكنها ذلك نظرا للمعتقدات ولعادات التي تحكم مجتمعنا، ألا ترى كيف تعامل النساء وكيف يعاكسن في كل الطرقات؟ تخيل لو يختلي بها شخص بلا ضمير، تصور ماذا سيفعل بها!".

ذات الرأي ذهب إليه مهدي تلة فهو لا يقبل أن تسوق به امرأة، ويرى في ذلك مساسا برجولته حيث يقول لموقع (ارفع صوتك) "لا يمكن أن أقبل أن تقود بي امرأة هل قلّ الرجال في الجزائر؟".

*الصورة: الآنسة شميسة معروفة في العاصمة الجزائر بـ"تاكسي شوشو"/تنشر بإذن خاص لموقع (إرفع صوتك)

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال
السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال

نجحت المهاجرة السورية نور نوريس المقيمة في بريطانيا من خلال متابعتها لقضية مقتل أختها وابنتها على يد زوج الأخيرة سنة 2018، في المساهمة بسن قانون "رنيم"، القاضي بمكافحة العنف الأسري وحماية النساء والرجال من العنف وتوفير الدعم للضحايا.

وتابعت نور القضية منذ مقتل أختها خولة سليم وابنتها رنيم، حتى نجحت هذا العام من الوصول للمحكمة البريطانية والحديث أمام مجلس النواب البريطاني، انتهاءً بسن القانون من خلال حزب العمال الذي فاز بالانتخابات مؤخراً.

 

من هي نور؟

نور نوريس مهاجرة سورية مدينة دمشق، استقرت في بريطانيا قبل 28 عاما، وهي أم لخمسة أطفال، كانت تعمل في تصميم الأزياء، وحالياً تقدم الاستشارات النفسية، عبر شركة استشارية وعيادة خاصة بها، وهذه العيادة متخصصة في مكافحة العنف المنزلي والأُسري للنساء والرجال.

وشركتها متخصصة في حملات المناصرة للتأثير على صناعة القرارات في بريطانيا، بالإضافة لتدريب الشرطة وبعض المؤسسات الكبرى عن العنف المنزلي، والتدريب على طرق الوقاية قبل الدخول بعلاقة تعنيف، وكيفية الخروج منها، ومساعدة الآخرين، مع طرق السلامة، والحالات التي تمر فيها الضحية.

تبين نوريس لـ"ارفع صوتك" أنها "قامت لوحدها بحملة لمكافحة العنف ضد المرأة، بداية من قصة أختها وابنتها، وطالبت من خلالها بتعديل القوانين الخاصة بالعنف الأُسري، ودعم الأشخاص المعنّفين".

قصة نور وعملها من أجل قانون "رنيم" ضمن كتيب الدعاية الانتخابية لحزب العمال البريطاني

تضمنت الحملة، بحسب نوريس، طاقماً من المحاميين الخبراء، وإجراء أبحاث وإعداد تقارير لعدة سنوات خاصة بالعنف الأُسري، حتى وصلت للمحكمة ومجلس النواب البريطاني ثم حزب العمال الذي دعمها بشكل كبير، وصولاً إلى تشريع قانون "رنيم".

تتابع: "استنفدت كل طاقتي ومجهودي حتى وصلت للمحكمة، وكنت أدعم نفسي حتى وصل صوتي للبرلمان".

وتروي نوريس "كان هناك خمس وعود لدى حزب العمال في الانتخابات، أحدها كان مكافحة العنف المنزلي، ووضعوا قصتي وقصة رنيم ضمن حملتهم الانتخابية، وحملتي كانت تجعلهم ينظرون إلى الشرطة ويعرفون ما سيقدمون لهم".

قصة رنيم

لجأت رنيم من سوريا عام 2014 إلى بريطانيا، وتزوجت لاجئاً أفغانيّ الجنسية. واجهت خلال فترة زواجها العنف المنزلي، انتهى بمقتلها على يده في أغسطس  2018، هي ووالدتها خولة سليم.

توضح نوريس "تواصلت ابنة أختي مع الشرطة خمس مرات، وشرحت لهم أن لديها إذناً من المحكمة ألا يتعرض لها زوجها، لكنّ عناصر الشرطة قالوا إن هذا الإذن غير موجود لدى الشرطة، لذلك لا يستطيعون فعل أي شيء".

"وشرحت لهم رنيم بالضبط ما سيحدث لها وأنه من الممكن أن يقتلها، لكنهم تجاهلوها تماما وفرضوا عليها العودة إلى المنزل، وهي عائدة إلى منزلها اتصلت بالشرطة للمرة الثالثة عشر، وهي تتحدث معهم كان زوجها قد طعنها أمام منزلها"، تضيف نوريس.

في حينه، تحول القضية إلى الرأي العام، وظلّ الجاني هارباً لمدة خمسة أيام قبل أن تعتقله الشرطة البريطانية، بينما كانت نوريس وبقية أفراد العائلة يعيشون حالة من الخوف والقلق.

وفق التحقيقات، اتصلت رنيم بالشرطة 13 مرة خلال أربعة أشهر سبقت مقتلها وأبلغتهم عن تعرضها للعنف المنزلي، إلا أن الشرطة لم تحمها، ما أدى لمقتلها هي ووالدتها.

تلفت نوريس "في الحقيقة هناك قوانين في بريطانيا تكافح العنف الأُسري، لكنها لا تطبق بشكل مناسب وليس عليها رقابة، كما لا يتم تدريب الشرطة عليها. وهنا تكمن المشكلة".

تؤكد "وخلال المحكمة اكتشفنا أن القانون البريطاني الحالي قديم في متابعة العنف المنزلي، ولا يكون هناك ربط للأحداث بين جميع الجهات لمتابعة القضايا".

العنف الأُسري في بريطانيا

عملت نوريس على عدد كبير من الأبحاث، ووجدت أن هناك امرأة تقتل كل ثلاثة أيام في بريطانيا، وكل يوم شخص "رجل أو امرأة" يقتل نفسه بسبب العنف المنزلي.

وتشرح "واحدة من كل أربع نساء يتم تعنيفهن، وواحد من كل ست إلى سبع رجال يتم تعنيفهم، و80% من حالات القتل هن من النساء، أما التعنيف فهو مشترك ويمارس على الرجال والنساء، ولكن الغالبية العظمى من النساء، لذلك نحن ندعم قضية المرأة بشكل أكبر".

تصف نوريس ردود الأفعال في محيطها بأنها "هائلة وإيجابية" مردفة "أنا ممتنة لكل من سمعني وساهم بدعم مبادرتي. الناس متشجعة، وتمت دعوتي لمنزل رئيس الوزراء لحضور إحدى الحفلات، وذهبنا للوزارة واجتمعنا بكل القائمين على العمل في منظمات المجتمع المدني. وأتت رئيسة وزراء الداخلية وتحدثوا عن القانون وأنه سيتم تطبيقه، وهذه كانت واحدة من الاجتماعات التي سنعمل عليها بشكل دائم".

وتشير إلى أن تطبيق القانون "سيبدأ قريباً" دون تحديد تاريخ زمني. 

"أهم شيء أن الشرطة أصبحت أقوى من ذي قبل وتشعر بمسؤولية أكبر، وهذا أدى لخوف المجرمين وحدوث ردع أكبر، والأهم أيضا أننا استطعنا إيصال صوتنا" تتابع نوريس.

وتبين: "هناك أشخاص كثر يعيشون هذه الحياة الصعبة، وهو عنف يطبق بشكل منتظم وبتسلسل، فالعنف ليس شخصين مختلفين فقط. فالمعنِّف هو إنسان مسيطر كليا على الضحية. هناك أشخاص يتعايشون معه، خاصة عندما تكون الضحية لا تستطيع فعل أي شيء مع المعنِّف، وأحيانا تصدّق الضحية أن المعنِّف على حق، فينتابه تأنيب وشعور بالذنب، كما أن بعض المعنِّفين يشعرون أن هذا حقهم الطبيعي، بحسب شخصيتهم والبيئة التي أتوا منها".

في ختام حديثها، تعرب نوريس عن أملها بأن "يصبح قانون رنيم خطوة مهمة نحو تسليط الضوء على هذه الظاهرة حول العالم، وليس في بريطانيا فقط".