بقلم علي قيس:

"جئت من منطقة ريفية من محافظة ديالى في منتصف الثمانينيات (القرن الماضي)، لم أتعلم القراءة والكتابة لأن مجتمعنا هناك كان يرفض التحاق الفتاة بالمدرسة حيث يتواجد الذكور"، تقول أم ياسين وهي امرأة في نهاية عقدها الخامس من العمر، تعمل في تنظيف عدد من العيادات الطبية في منطقة الدورة جنوب بغداد.

وتضيف السيدة في حديثها لموقع (إرفع صوتك) "لن أسمح لأولادي أن يحرموا من الدراسة، فأنا أجتهد اليوم لأعيلهم وأساعدهم على إتمام دراستهم".

موضوعات متعلقة:

ناشطة يمنية: المساواة غير واردة.. والحرب دمرت طموحاتنا

الإرث في المغرب… بين مطالب المساواة والتحفظات الدينية

لديها ثلاث بنات وولد. الأولى في مرحلتها الأخيرة في كلية التربية وستتخرج لتصبح مدرّسة، وأختاها في المرحلة الثانوية، أما ياسين فلا يزال في المرحلة المتوسطة.

28 في المئة من العراقيات... أميات

وفقا لآخر إحصائية لوزارة التخطيط، والتي صدرت في أيلول/سبتمبر 2015، فإن نسبة الأمية في العراق بلغت 18 في المئة، فيما أشارت إلى أن الإناث يشكلن الجزء الأكبر من هذه النسبة.

وكان رئيس الجهاز المركزي للإحصاء في العراق قد حذر من ارتفاع نسبة الأمية التي وصلت إلى 20.5 في المئة عام 2012، وبيّن أن نسبة الأمية في المناطق الريفية ضعف ما هي عليه في المناطق الحضرية بواقع 30 في المائة في الريف و 16.7 في الحضر. كما أن نسب الأمية عند الإناث تبلغ 28 في المئة وهي بذلك تزيد عن نسبة 13 في المئة عند الذكور.

وأضاف "أجبرت المؤشرات أعلاه العراق على إعادة فتح مراكز محو الأمية من جديد كما كان في سبعينيات القرن الماضي، ولكن ليس بنفس الوتيرة. فقد تم افتتاح 5699 مركزاً لمحو الأمية شارك فيها 503,604 أشخاص منهم 168,602 من الذكور و 335,002 من الإناث".

أما بين النازحين، فقال المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، في حديث لموقع (إرفع صوتك) إن "نتائج المسح الوطني للنازحين لسنة 2014 الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء في بداية عام 2015 كشف ارتفاع النسبة بين الإناث إلى نسبة 20 في المئة".

وأضاف الهنداوي أن "نسبة الأمية بين الذكور بلغت 14 في المئة"

الفقر وراء ارتفاع الأمية

"ارتفاع نسبة الأمية بين النساء يقف وراءه الفقر كعامل رئيس"، تؤكد الناشطة في مجال حقوق المرأة سلمى جبو لموقع (إرفع صوتك)، موضحة أن "العائلة الفقيرة تقوم بتسريب الفتاة من الدراسة على اعتبار أنها ستتخلص منها سريعا من خلال الزواج المبكر، أو أن عدم ذهاب الفتاة إلى المدرسة ليس بالمشكلة الكبيرة".

وتتابع جبو "الأعراف العشائرية والاجتماعية والتي بحجة الخوف على الفتاة من الاختلاط مع الذكور، تتسبب بمنعهن من الذهاب إلى المدرسة"، مشيرة أنه "لهذه الأسباب نجد الأمية مرتفعة بين النساء، وهذا موضوع خطر لأنه سينعكس سلبا على الواقع الثقافي والاجتماعي في العراق، وهذا ما نلمسه الآن".

"القوانين العراقية عنّفت المرأة"

"هناك انتهاكات كبيرة لحقوق المرأة وتعنيف كبير ومؤشرات تدل على ذلك في تقارير الأمم المتحدة وسبب كل هذا اللامساواة في القوانين العراقية بين الرجل والمرأة"، تقول عضوة المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان بشرى العبيدي لموقع (إرفع صوتك)، مضيفة "هناك عدة أسباب تقف وراء ارتفاع الأمية بين النساء في العراق من بينها التعامل القانوني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لذلك لا يمكن حل مشكلة دون أخرى".

وتتابع العبيدي "نحتاج إلى ثورة إصلاح قانوني تعتمد مبدأ المساواة بين الجنسين، وإلا لن ننجح في تغيير واقع المرأة".

وحول أبرز ما سجلته المفوضية من مسببات الأمية بين النساء، تروي العبيدي أن "الذي يحصل أن العائلة الفقيرة توقف البنت عن الدراسة، حتى وإن كانت هي المتفوقة بين أخوتها، لأن الأعراف تقول أن الذكر يفضل على الأنثى، وهذا خطر كبير".

ودعت عضوة مفوضية حقوق الإنسان إلى تشريع قوانين تلزم العوائل بتعليم أبنائها ووضع عقوبات جزائية بحق الذين يمنعون الأبناء حق الدراسة".

*الصورة: طفلة وسيدات عراقيات يرفعن لافتات للمطالبة بمنح المرأة المزيد من الحقوق، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".