بقلم حسن عبّاس:

"ذهبتُ إلى الشرطة مرات عدة، وكنت أحياناً ملطخة بالدم أو عارية تقريباً. لم يفعلوا لي أي شيء. أخبروني أن ليس لهم الحق في الذهاب معي إلى المنزل، وطلبوا مني الذهاب إلى الطبيب لإحضار شهادة طبية".

هذا جزء من قصة إلهام (اسم مستعار)، مغربية عمرها 26 سنة وتعيش في الدار البيضاء، وتتعرّض للعنف الزوجي. وهو جزء يتكرّر في معظم قصص المغربيات اللواتي يتعرّضن للعنف الزوجي ويلجأن إلى الشرطة.

اقرأ أيضاً:

العراق: لا تشريع لحماية الأسرة وأحزاب دينية متهمة بتعطيله

10 أرقام وحقائق مفزعة عن العنف الأسري في الدول العربية

فخديجة (اسم مستعار)، عمرها 23 سنة وتعيش في وجدة، ذهبت بعد تعرّضها للعنف الزوجي إلى الشرطة ولكن عناصرها أمروها بالذهاب إلى المحكمة من دون أن يحققوا معها، مع أنها ذهبت إليهم بأنف مكسور ينزف دماً. وعندما توجّهت إلى النيابة العامة، بناءً على نصيحة الشرطة، أعاد الوكيل العام توجيهها إلى الشرطة بعد تزويدها بوثيقة تطالبهم بالتحقيق، فلم يقم هؤلاء بأكثر من الاتصال بزوجها الذي لم يحضر.

لا للعنف

يتذرّع المعارضون لإقرار تشريعات صارمة تمنع تعرّض النساء للعنف بأفكار دينية وأخرى لها علاقة بالعادات والتقاليد. وإذا كان العنف، أي نوع من العنف، مداناً بغض النظر عن أي ظرف، إلا أن بعض أشكال العنف نفسها تعارض كل المبادئ الدينية والاجتماعية.

فجيهان (اسم مستعار)، عمرها 18 سنة وتعيش في منطقة الجديدة، روت أنه "منذ ليلة الزواج الأولى، [زوجي] لم يحترمني. جلب أصدقاءه إلى المنزل... وطلب مني القيام بأشياء ضدّ الدين، مثل التعري والرقص أمام أصدقائه بينما يعزف هو الموسيقى. رفضت ذلك فضربني".

وفاطمة (اسم مستعار)، عمرها 34 سنة ومن فاس، قام زوجها بحرقها في ذراعها بقضيب شواء وفي ساقها بسيجارة، وكان يغتصبها بشكل متكرر. وروت "كان يجبرني على العلاقة الجنسية معه، بالطريقة التي يرغب فيها. كان يجبرني على الجنس الشرجي".

هذه الروايات هي من ضمن روايات عدّة وثّقتها منظمة هيومن رايتس ووتش، داعيةً السلطات المغربية إلى وضع حدّ لهذه المآسي.

والعنف ضد النساء ظاهرة مقلقة في المغرب. وقد خلص بحث وطني أعدّته "المندوبية السامية للتخطيط" إلى أنه في عام 2009 تعرّضت 55 في المئة من النساء اللواتي شملتهن الدراسة للعنف "الزوجي"، وثلاثة في المئة فقط من النساء اللواتي تعرّضن للعنف الزوجي أبلغن السلطات عنه.

القانون المنتظَر

بعد مطالبات كثيرة من جمعيات حقوقية دولية ومحلية، أقرّت الحكومة المغربية، في 17 آذار/مارس 2016، مشروع قانون لمحاربة العنف ضد النساء، وهو الأول في تاريخ المملكة.

واعتبرت ناشطات نسويات كثيرات أن مشروع القانون "فارغ" و"معيب" و"مخيّب للآمال"، وانتقدنَ عدم تعريفه التمييز والعنف بالشكل المطلوب، وعدم تجريمه الاغتصاب الزوجي.

وبرغم احتفال الصحافة العربية بما أسمته "إقرار قانون" في المغرب، إلا أن القانون لم يصبح سارياً بعد.

ففي 20 تموز/يوليو، أقرّ مجلس النواب المغربي القانون. ولكي يصير قانوناً ساري المفعول يجب أن يقرّه مجلس المستشارين، الغرفة الثانية في البرلمان المغربي، وأن يأمر الملك بنشره في الجريدة الرسمية. والخطوتان الأخيرتان لم تنفذا حتى الآن.

يتضمّن المشروع نقاطاً عدّة هامة فهو يشدّد العقوبات في حالة ارتكاب العنف من جانب أحد الزوجين أو أحد أفراد الأسرة، ويحظر الإكراه على الزواج ويجرّم طرد أحد الزوجين من بيت الزوجية.

كما يلزم المشروع مسؤول النيابة بأن يصدر أمراً بمنع المشتبه فيه من الاتصال بالضحية أو الاقتراب من مكان إقامتها، ويقترح أن تعقد المحكمة جلسات سرية في حالات الاعتداء أو العنف ضد النساء والأطفال، إذا أرادت الضحية ذلك.

نقد للمشروع

في تعليق مطوّل على مشروع القانون المغربي، بعنوان "المغرب: مشروع القانون المتعلّق بالعنف ضد النساء يحتاج إلى ضمانات أقوى"، أشارت منظمة العفو الدولية إلى أنه "يتطلّب تعديلات جوهرية" بسبب ثغرات فيه تحول دون تمتّع المعنّفات بمنظومة الحماية المطلوبة وأبرزها:

ـ ينص مشروع القانون على حظر الزواج بالإكراه إلا إنه يجعل المتابعة القضائية مرهونة بتقديم شكوى من الضحية، ويقضي بانتهاء المتابعة القضائية إذا تنازلت الضحية عن شكواها. وهذا النص قد يؤدي إلى زيادة تعرّض الضحية لأعمال انتقامية أو ضغوط من زوجها أو أسرتها لحملها على التنازل عن شكواها.

ـ لا يتصدى مشروع القانون للعقبات القائمة التي تواجه النساء والفتيات ممن يحاولن الإبلاغ عن حوادث العنف للموظفين المكلفين بتنفيذ القانون وللسلطات القضائية. وينبغي على المشرع أن يحظر صراحةً الوساطة بين الضحية والجاني المدعى عليه في جميع حالات العنف ضد النساء والفتيات، سواء قبل الإجراءات القانونية أو خلالها. وجرت العادة على أن تحجم الشرطة عن تسجيل شكاوى العنف بين الأزواج أو اتخاذ إجراءات بشأنها، حيث ترى أن دورها هو تعزيز الوساطة والمصالحة بين الطرفين.

ـ من الضروري أن تتوفر لضحايا الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي سبل الحصول على الرعاية الصحية بشكل فوري ومجاني، من أجل تخفيف تبعات الجريمة التي عانين منها، وهو ما لا يلحظه المشروع.

ـ يجب توفير سُبل الإجهاض الآمن والقانوني للنساء والفتيات في حالات الاغتصاب أو زنا المحارم.

ـ لا يلغي مشروع القانون البنود القانونية القائمة التي تخفّض العقوبات على ارتكاب "جرائم شرف".

*الصورة: مغربيات خلال تظاهرة في الرباط/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".