أربيل - بقلم متين أمين:

لم يتوقف الطفل الأيزيدي سعيد ذو الثمانية أعوام الذي نجا من قبضة إرهابيي داعش منذ أشهر عن رفع سبابته اليمنى والمناداة "باقية"، الكلمة التي يرددها عناصر تنظيم داعش في أشرطتهم الدعائية. فهو ما زال تحت تأثير عمليات غسل الدماغ التي مارسها التنظيم ضد الأطفال الأيزيدين الذين اختطفهم أثناء هجومه على سنجار والقرى والبلدات الأيزيدية في سهل نينوى.

طفل عنيف

بقي سعيد رهينة التنظيم منذ بداية آب/أغسطس 2014 وحتى شباط/ فبراير 2016. لم يكتسب من داعش كلمة "باقية" لوحدها، بل اكتسب بحسب حديث والده لموقع (إرفع صوتك) الكثير من الحركات وأصبح طفلا عنيفا، بعد أن كان وبشهادة عائلته وأقاربه طفلا هادئا، هذا بالإضافة إلى نوبات الخوف والفزع التي تنتابه بين الوهلة والأخرى.

اقرأ أيضاً:

متشرد مغربي: الشارع أرحم من جحيم بيتنا

10 أرقام وحقائق مفزعة عن العنف الأسري في الدول العربية

يقول سعيد لموقع (إرفع صوتك) إنّ عناصر التنظيم كانوا يوقظونهم في الصباح الباكر، ويباشرون بالصلاة ثم التدريبات العسكرية، ويلقنونهم دروسا عن "داعش ودولته" والمعارك التي يخوضها التنظيم "وكيف أننا سنصبح جنودا ونخوض المعارك".

ويشير إلى أن الدروس التي تلقاها هو وغيره من الأطفال تتضمن مواداً تشرح فكر داعش وأخرى عن الجهاد، والقرآن والدين الإسلامي، وكيفية استخدام الأسلحة.

ويشير سعيد إلى أن المسلحين الذين دربوهم كانوا من جنسيات مختلفة من ضمنها عرب غير عراقيين وأجانب. وبعد مدة نقلوهم من الموصل إلى معسكر للتنظيم في مدينة الرقة في سورية، وكثفوا من تدريبهم على السلاح وكيفية إعدام الأسرى ونحر الرؤوس وصناعة المتفجرات، "وكانوا يجلبون الأسرى ومسلحيهم المخالفين إلى ساحات التدريب ويقتلونهم أمام أعيننا".

معسكرات تدريب الأطفال

وبحسب مصادر أمنية عراقية مطلعة، فإن عدد الأطفال في معسكرات التنظيم في سورية والعراق يبلغ حاليا أكثر من 1650 طفلا٬ تتراوح أعمارهم ما بين الستة أعوام و17 عاما. وتنتشر معسكرات داعش لتدريب الأطفال داخل العراق، في منطقة السلامية ونمرود (جنوب شرقي الموصل)، وقرب معسكر الغزلاني وسط الموصل، وفي منطقة الحضر (جنوب الموصل)، بالإضافة إلى معسكرات تدريب الأطفال في تلعفر وبعاج (غرب الموصل).

أما في سورية فهناك الكثير من معسكرات التنظيم الخاصة بالأطفال، أبرزها معسكر أشبال الفاروق ومعسكر الخليفة للأشبال ومعسكر الشريعة للأشبال، وتنتشر هذه المعسكرات في المناطق الخاضعة للتنظيم خاصة في مدينة الرقة.

ويقول والد سعيد إن ابنه بات عنيفا جدا، ويتصرف كمسلحي التنظيم، وتنتابه حالة عصبية ويتلعثم عند الكلام، وتعمق وازداد كل هذا في الآونة الاخيرة. "وبدأ يقضي وقته بالجلوس منفردا، وأراه يبكي باستمرار. وعندما أسأله عن سبب البكاء يقول سيهاجمنا داعش وسيذبحوننا، حتى أنه لا يريد الذهاب إلى المدرسة، وأخشى أن تستمر معه هذه الحالة النفسية إلى الأبد".

الناشط المدني أياد عجاج، الذي يرأس منظمة ميترا للتنمية البشرية التي أخذت على عاتقها رصد وتوثيق الإنتهاكات التي نفذها تنظيم داعش ضد الأطفال والنساء الأيزيديين والأيزيديات، يؤكد وجود فئتين من الأطفال الأيزيديين الذين يعانون من الاضطرابات النفسية.

ويوضح لموقع (إرفع صوتك) أن الفئة الأولى من الأطفال هم الذين لم يستطع داعش أن يصل إليهم. لكن هؤلاء الأطفال عاصروا فترة النزوح والهروب في جو من الرعب والخوف، والبقاء في جبل سنجار المحاصر من كافة الأطراف، وهذه الظروف تسببت بإصابتهم باضطرابات ومشاكل نفسية.

والفئة الثانية تضم الأطفال الذي أصبحوا أسرى لدى التنظيم، وتعرضوا لانتهاكات عديدة  كالسبي والبيع والاغتصاب والضرب والعنف ورؤية مشاهد القتل وجرائم داعش المروعة الأخرى. "وهذه الفئة معاناتها مضاعفة لمعاناة الفئة الأولى، ويعانون من حالات نفسية أكثر مأساوية من الفئة الأولى".

ويسلط عجاج الضوء على أبرز الحالات التي تنتاب هؤلاء الاطفال وهي العنف المفرط وانفصام الشخصية. "تتغير شخصيتهم تماما عما كانوا عليه قبل وقوعهم في أسر داعش، إضافة إلى معاناتهم من الخوف والهروب من الواقع، ويطبقون في ألعابهم ما شاهدوه من حالات القتل والتدريب واستخدام الأسلحة عند داعش".

*الصورة: أيزيديون فارون من داعش/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".