بقلم هديل بو قريص:

أنت الآن تقف عند خطوتك الثانية نحو حقوق الإنسان حيث وعدتك في مقالي السابق أن أسعى جاهدة لوضعك على الطريق الصحيح. ستتعرف من خلالها على المدخل الرئيسي. وحاول وأنت تقرأ هذا المقال أن تتجرد من كل شيء وتوسع نطاق الكلمات المطروحة.

وحين أقول كل شيء، أقصد أن تتخلص من كل الحواجز الإيديولوجية والحدود الجغرافية، بحيث يمكنك طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة لكن من دون أن تضع العراقيل والحواجز لنفسك بنفسك. أن تساوي نفسك بالدرزي والهندوسي والبوذي والمسيحي واليهودي والملحد والمسلم، بالأبيض والأسود والأسمر. أن تجمع الأجناس والأعراق والأديان وتضمها في كتلة واحدة كبيرة حتى تمتزج.

حسناً، سنثب قليلا ً إلى الماضي. لذا اربط حزامك لنسافر عبر التاريخ، حيث نشأة "حقوق الإنسان"، وقد استعرضت هذا التعريف مسبقا ً، بأنها "الحقوق التي تنالها لمجرد أنك إنسان". لكن كيف وأين بدأت؟

اقرأ أيضاً:

خطواتك نحو حقوقك

سأنجب بنتا… أيها الدواعش!

سنة 539 ما قبل الميلاد قام كوروش (قورش) العظيم، أو كما يسمى أيضاً Cyrus the great، باحتلال بابل. لكنه قام بتحرير العبيد وترك لهم الحق في اختيار دينهم مهما كان هذا الدين. وتم توثيق ذلك على اسطوانة أو منشور كوروش (Cyrus Cylinder)، وهي تعتبر "أقدم شريعة لحقوق الإنسان والتسامح بين الأديان". وتلتها "الديموقراطية" في أثينا، 479 سنة ما قبل الميلاد والتي تعني "حكم الشعب لنفسه".

مراسيم أشوكاEdicts Of Ashoka التي تتضمن 14 مرسوما أخلاقياً، أشوكا تحول من محارب تابع للديانة البرهمية إلى مؤمن بالتعاليم البوذية وعلى رأسها "نبذ العنف"، وعدم قتل الحيوانات أو تقديمها كأضاح. فبنى المستشفيات التي تقدم العلاج " للإنسان والحيوان" عام 272قبل الميلاد.

في الإمبراطورية الرومانية، لاحظوا أن "الناس يتبعون قوانين محددة حتى لو لم يكن هناك من يرشدهم إليها". فظهر مصطلح "القوانين الطبيعية". لكن هذه القوانين متعثرة بسبب سطوة أصحاب القوى والسلطة. ومع ظهور المسيح مبشراً بـ (التطويـبات الثمانية)، أصبح للناس "دستورٌ أخلاقيٌ" ومعيارٌ سلوكيٌ للمؤمنين بالدين المسيحي.

كُتبت صحيفة المدينة Constitution Of Medina لعام 622 ما بعد الميلاد، بعد أن هاجر النبي محمد من المدينة. وتعتبر هذه الصحيفة "أول دستور مدني" في تاريخ الإسلام. تضمنت الصحيفة 52 بنداً لتنظيم العلاقة بين جميع طوائف وأديان وجماعات المدينة. وكفلت حقوق الإنسان، كحق "حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر". كما أقرت المساواة والعدل بين الناس. وهذه الصحيفة تحديداً تجيب على السؤال الذي كان يزعجك دائماً حول ما إذا كانت حقوق الإنسان غربية وطارئة علينا، أم أن لها جذور من إرثنا الديني والاجتماعي أيضاً.

في عام 1215 ميلادي صدرت وثيقة إنكليزية باسم (الوثيقة الكبرى) أو Magna Carta، والتي اعتبرت أنها "الميثاق العظيم للحريات في إنكلترا" والتي تحد في المقابل من حرية الملك وسلطته. وتلتها عريضة الحقوق لعام 1628 التي تعتبر من الدعائم التي تقوم عليها "الحريات المدنية" هناك.

عام 1689 أصدر البرلمان البريطاني قانون الحقوق الذي ساهم بالتعريف "بحقوق الناس وأصبحوا محميين من أصحاب السلطة". ومع ظهور التنوير، برز الوعي على الصعيد الاجتماعي والسياسي والثقافي والفلسفي حيث بدأت من إنكلترا وانتقلت إلى فرنسا ومنها إلى أوروبا.

كما ألغيت "العبودية" في البرتغال وأصبحت محرمة عام 1761. وبذلك تعتبر أولى الدول التي أقرت إلغاءها، لتلحق بها اسكتلندا وبقية الدول. لكن هذا لا يعني أن العالم كان رائعاً ويعيش بسلام وخير، فكما هي بداية الأمور لم يكن ما يعرف بحقوق الإنسان. فإن كنت مع المجموعة القوية المناسبة، فأنت بأمان. وإن لم تكن معها، ستكون معرضاً لخطر التصفية والإبادة.

في نهاية القرن 18 قامت عدة ثورات  في بلدان مختلفة. ففي أميركا أعلن الاستقلال عن بريطانيا العظمى عام 1776 حيث صدرت وثيقة من الكونغرس تعلن استقلال المستعمرات الـ13. ثم تبعتها الثورة الفرنسية عام 1789، ليصدر الدستور الفرنسي لعام 1791، فتحول المصطلح الروماني من "قوانين طبيعية" إلى "حقوق طبيعية" لأن الحقوق لم يخلقها الإنسان بل ولدت معه.

التاريخ لم يقف عند هذه المرحلة. ورغم الاعتقاد بأننا حصلنا على الخلاصة من الماضي الأليم للشعوب، إلا أن الحاضر الذي نعيشه لا يدل على تعلمنا الكثير من دروس الماضي، بل هو سيناريو يعاد ويتكرر لطالما كان هناك سلاح وصنّاع حروب. وأكبر دليل على ذلك اندلاع الحربين العالميتين، اللتين دفعتا العالم للاجتماع لتشكيل عصبة الأمم المتحدة للحفاظ على السلام العالمي بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919 بعد الحرب العالمية الأولى. ليتبعها إنشاء الأمم المتحدة عام 1945 بعد مقتل 90 مليون إنسان ما بين عسكريين ومدنيين.

ولد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول/ديسمبر سنة 1948. وهو الوثيقة العالمية التي تبنتها الأمم المتحدة في قصر شايو في باريس وتحتوي على 30 مادة تحمي وتكفل حقوق الإنسان دون تمييز، ليعلن تحول مصطلح "الحقوق الطبيعية" إلى "حقوق الإنسان". لكن حقوق الإنسان ليس لديها قوة القانون وهي اختيارية وليست إجبارية لذلك اليوم. وبعد كل هذه الاتفاقيات المعنية بالسلام العالمي وحماية العسكريين والمدنيين، وأبرزها "اتفاقيات جنيف الأربعة" لعام 1949، مازالت هناك انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية إلى ساعة كتابة هذه المقال.

 عن الكاتبة: هديل بدر بوقريص، ناشطة في حقوق الإنسان وكاتبة كويتية. حازت على عدد من الجوائز في مجالي حقوق الإنسان والأدب. لها مدوّنة تهتم بشؤون حقوق الإنسان في منطقة الخليج.

لمتابعة الكاتبة على تويتر إضغط هنا. وعلى فيسبوك إضغط هنا.

 الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".