نساء عاملات في المغرب/وكالة الصحافة الفرنسية
نساء عاملات في المغرب/وكالة الصحافة الفرنسية

المغرب – بقلم زينون عبد العلي:

وسط سوق شعبي يعج بالباعة المتجولين الذكور، تقف ربيعة الطاهري أو “أمي ربيعة” كما يناديها الجميع أمام عربتها المهترئة توضب صناديق الخضر والفواكه وتعرضها لزوار السوق الشعبي ضواحي مدينة سلا المغربية.

بائعة الخضر

كنحلة نشيطة في خليتها، تنادي “أمي ربيعة” بأعلى صوتها، “خذوا مني الخضر الطازجة، خذوها بأرخص الأثمان”، قبل أن تدخل في سجالات مع البائعين الذين يتذمرون من تخفيضها لثمن بيع الخضر، لكنها تواجههم بحزم، “لا تظنوا أني لست سوى امرأة ولست قادرة على الدفاع عن حقي وحريتي في بيع بضاعتي”، تقول ربيعة بصوت غاضب.

فقدت أمي ربيعة زوجها ومعيلها قبل ستة أشهر بعد صراع مع المرض، تاركا وراءه عائلة لا معيل لها سوى أن تشمر الزوجة عن ذراعيها، لترث عنه مهنة بيع الخضر والفواكه في السوق الأسبوعي، وهموم إعالة الأسرة وتربية أطفالها، مقتحمة بذلك عالما طالما كان حكرا على الرجال.

امرأة بعشر رجال

تعيل أمي ربيعة ستة أطفال، تحمل أصغرهم الذي أكمل سنته الأولى على ظهرها، فيما يدرس ثلاثة، ويتوزع الآخرون  الذين غادروا مقاعد المدرسة، في محيط السوق لبيع أكياس البلاستيك ومساعدة الزائرين في حمل ما اشتروه من بضاعة.

“رؤية أطفالي يكبرون بجانبي وتربيتهم على الاعتماد على أنفسهم وحمايتهم من التشرد هو مصدر قوتي”، تقول أمي ربيعة في حديثها لموقع (إرفع صوتك).

يأتي طفلا أمي ربيعة ليضعا ما جنياه من مال في يد أمهما، قبل أن يعودا لبيع أكياس البلاستيك وعرض خدمة حمل الأمتعة على زبائن السوق. سألناهم كيف ينظرون لحال أمهم وسط هذا السوق الذكوري بامتياز، ليجيب أكبرهم (16 سنة) بأنه فخور بعمل أمه ما دامت تعمل بعرق جبينها لتربي أطفالها. “إنها في عيني بمثابة 10 رجال”.

ويضيف حسام، الذي أجبرته الظروف على ترك الدراسة والعمل في السوق لمساعدة أمه على تحمل مصاريف العيش، أن ضمان العيش الكريم وكسب الرزق الحلال اضطر أمه للخروج إلى الميدان لإعالة الأسرة. “رغم ما تتعرض له من مضايقات وتحرشات يومية، إلا أنها تبقى صامدة قوية في مواجهة العواصف”.

بائعة الخبز

قرب مدار” تيليوين” وسط مدينة سلا، شمال شرق المغرب، تجلس فاطمة وراء عربية  تعرض عليها مختلف أنواخ الخبز المنزلي الصنع  في انتظار زبائنها الذين ألفوها في مكانها منذ خمس سنوات، تستمع لموسيقى كلاسيكية وسط ضجيج السيارات والمارة.

رفضت فاطمة الظهور في الصورة مخافة أن تنتبه إليها السلطات وتحرمها من مكانها الذي اعتادت أن تكسب منه دريهمات تسد بها رمق أطفالها الأربعة، وتدفع أجرة الكراء في آخر الشهر، لكنها وافقت على حكي قصتها مع الصراع من أجل البقاء وإثبات ذاتها.

طلقني زوجي قبل أربع سنوات بعدما صار العنف حديثه معي، وعجز عن توفير مدخول يومي يضمن العيش الكريم لأسرتنا”، تقول فاطمة، 38 عاماً، بعينين دامعتين، لموقع (إرفع صوتك)، قبل أن تضيف أنها قررت الخروج للعمل في بيوت الأغنياء، وبيع الخبز من المنزل، ثم بيعه على قارعة الشارع حتى تحصل على زبائن كثر “عوض امتهان أعمال أخرى تحط من كرامة المرأة”.

أنوثة ضائعة

لكن فاطمة تقول بصوت محبط إن المجتمع لا يرحم المرأة خاصة المطلقة، أو تلك التي تتمتع بقدر قليل من الجمال وتجلس على قارعة الطريق لتكسب رزقها من العمل المشروع والحلال. “ليس الكل يفهم ويعي ذلك”.

وجود فاطمة قرب المقاهي وعلى قارعة الطريق يجعل معاناتها مضاعفة. “أتعرض يوميا للتحرش والمضايقات من الشباب والرجال”، تقول السيدة مؤكدة أن ذلك لا يحد من عزيمتها وإصرارها في كسب قوت أطفالي. “لا أريدهم أن يتشردوا في شوارع المدينة، أتحمل كل الهموم من أجل أن أراهم سعداء وألا يشعروا بالنقص”.

وتتمنى فاطمة أن يغير الناس وخاصة الذكور منهم نظرتهم السيئة نحو المرأة التي ترفض الخضوع للإغراءات، وأن يؤمنوا بأنه لا فرق بينها وبينهم. لكن ذلك يبقى مجرد حلم في نظر فاطمة التي لا تتوسم خيرا في قوانين مكافحة التحرش والنهوض بأوضاع المرأة المغربية “التي تبقى مجرد شعارات لا تسمن ولا تغني”، على حد تعبيرها.

*الصورة: نساء عاملات في المغرب/وكالة الصحافة الفرنسية

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال
السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال

نجحت المهاجرة السورية نور نوريس المقيمة في بريطانيا من خلال متابعتها لقضية مقتل أختها وابنتها على يد زوج الأخيرة سنة 2018، في المساهمة بسن قانون "رنيم"، القاضي بمكافحة العنف الأسري وحماية النساء والرجال من العنف وتوفير الدعم للضحايا.

وتابعت نور القضية منذ مقتل أختها خولة سليم وابنتها رنيم، حتى نجحت هذا العام من الوصول للمحكمة البريطانية والحديث أمام مجلس النواب البريطاني، انتهاءً بسن القانون من خلال حزب العمال الذي فاز بالانتخابات مؤخراً.

 

من هي نور؟

نور نوريس مهاجرة سورية مدينة دمشق، استقرت في بريطانيا قبل 28 عاما، وهي أم لخمسة أطفال، كانت تعمل في تصميم الأزياء، وحالياً تقدم الاستشارات النفسية، عبر شركة استشارية وعيادة خاصة بها، وهذه العيادة متخصصة في مكافحة العنف المنزلي والأُسري للنساء والرجال.

وشركتها متخصصة في حملات المناصرة للتأثير على صناعة القرارات في بريطانيا، بالإضافة لتدريب الشرطة وبعض المؤسسات الكبرى عن العنف المنزلي، والتدريب على طرق الوقاية قبل الدخول بعلاقة تعنيف، وكيفية الخروج منها، ومساعدة الآخرين، مع طرق السلامة، والحالات التي تمر فيها الضحية.

تبين نوريس لـ"ارفع صوتك" أنها "قامت لوحدها بحملة لمكافحة العنف ضد المرأة، بداية من قصة أختها وابنتها، وطالبت من خلالها بتعديل القوانين الخاصة بالعنف الأُسري، ودعم الأشخاص المعنّفين".

قصة نور وعملها من أجل قانون "رنيم" ضمن كتيب الدعاية الانتخابية لحزب العمال البريطاني

تضمنت الحملة، بحسب نوريس، طاقماً من المحاميين الخبراء، وإجراء أبحاث وإعداد تقارير لعدة سنوات خاصة بالعنف الأُسري، حتى وصلت للمحكمة ومجلس النواب البريطاني ثم حزب العمال الذي دعمها بشكل كبير، وصولاً إلى تشريع قانون "رنيم".

تتابع: "استنفدت كل طاقتي ومجهودي حتى وصلت للمحكمة، وكنت أدعم نفسي حتى وصل صوتي للبرلمان".

وتروي نوريس "كان هناك خمس وعود لدى حزب العمال في الانتخابات، أحدها كان مكافحة العنف المنزلي، ووضعوا قصتي وقصة رنيم ضمن حملتهم الانتخابية، وحملتي كانت تجعلهم ينظرون إلى الشرطة ويعرفون ما سيقدمون لهم".

قصة رنيم

لجأت رنيم من سوريا عام 2014 إلى بريطانيا، وتزوجت لاجئاً أفغانيّ الجنسية. واجهت خلال فترة زواجها العنف المنزلي، انتهى بمقتلها على يده في أغسطس  2018، هي ووالدتها خولة سليم.

توضح نوريس "تواصلت ابنة أختي مع الشرطة خمس مرات، وشرحت لهم أن لديها إذناً من المحكمة ألا يتعرض لها زوجها، لكنّ عناصر الشرطة قالوا إن هذا الإذن غير موجود لدى الشرطة، لذلك لا يستطيعون فعل أي شيء".

"وشرحت لهم رنيم بالضبط ما سيحدث لها وأنه من الممكن أن يقتلها، لكنهم تجاهلوها تماما وفرضوا عليها العودة إلى المنزل، وهي عائدة إلى منزلها اتصلت بالشرطة للمرة الثالثة عشر، وهي تتحدث معهم كان زوجها قد طعنها أمام منزلها"، تضيف نوريس.

في حينه، تحول القضية إلى الرأي العام، وظلّ الجاني هارباً لمدة خمسة أيام قبل أن تعتقله الشرطة البريطانية، بينما كانت نوريس وبقية أفراد العائلة يعيشون حالة من الخوف والقلق.

وفق التحقيقات، اتصلت رنيم بالشرطة 13 مرة خلال أربعة أشهر سبقت مقتلها وأبلغتهم عن تعرضها للعنف المنزلي، إلا أن الشرطة لم تحمها، ما أدى لمقتلها هي ووالدتها.

تلفت نوريس "في الحقيقة هناك قوانين في بريطانيا تكافح العنف الأُسري، لكنها لا تطبق بشكل مناسب وليس عليها رقابة، كما لا يتم تدريب الشرطة عليها. وهنا تكمن المشكلة".

تؤكد "وخلال المحكمة اكتشفنا أن القانون البريطاني الحالي قديم في متابعة العنف المنزلي، ولا يكون هناك ربط للأحداث بين جميع الجهات لمتابعة القضايا".

العنف الأُسري في بريطانيا

عملت نوريس على عدد كبير من الأبحاث، ووجدت أن هناك امرأة تقتل كل ثلاثة أيام في بريطانيا، وكل يوم شخص "رجل أو امرأة" يقتل نفسه بسبب العنف المنزلي.

وتشرح "واحدة من كل أربع نساء يتم تعنيفهن، وواحد من كل ست إلى سبع رجال يتم تعنيفهم، و80% من حالات القتل هن من النساء، أما التعنيف فهو مشترك ويمارس على الرجال والنساء، ولكن الغالبية العظمى من النساء، لذلك نحن ندعم قضية المرأة بشكل أكبر".

تصف نوريس ردود الأفعال في محيطها بأنها "هائلة وإيجابية" مردفة "أنا ممتنة لكل من سمعني وساهم بدعم مبادرتي. الناس متشجعة، وتمت دعوتي لمنزل رئيس الوزراء لحضور إحدى الحفلات، وذهبنا للوزارة واجتمعنا بكل القائمين على العمل في منظمات المجتمع المدني. وأتت رئيسة وزراء الداخلية وتحدثوا عن القانون وأنه سيتم تطبيقه، وهذه كانت واحدة من الاجتماعات التي سنعمل عليها بشكل دائم".

وتشير إلى أن تطبيق القانون "سيبدأ قريباً" دون تحديد تاريخ زمني. 

"أهم شيء أن الشرطة أصبحت أقوى من ذي قبل وتشعر بمسؤولية أكبر، وهذا أدى لخوف المجرمين وحدوث ردع أكبر، والأهم أيضا أننا استطعنا إيصال صوتنا" تتابع نوريس.

وتبين: "هناك أشخاص كثر يعيشون هذه الحياة الصعبة، وهو عنف يطبق بشكل منتظم وبتسلسل، فالعنف ليس شخصين مختلفين فقط. فالمعنِّف هو إنسان مسيطر كليا على الضحية. هناك أشخاص يتعايشون معه، خاصة عندما تكون الضحية لا تستطيع فعل أي شيء مع المعنِّف، وأحيانا تصدّق الضحية أن المعنِّف على حق، فينتابه تأنيب وشعور بالذنب، كما أن بعض المعنِّفين يشعرون أن هذا حقهم الطبيعي، بحسب شخصيتهم والبيئة التي أتوا منها".

في ختام حديثها، تعرب نوريس عن أملها بأن "يصبح قانون رنيم خطوة مهمة نحو تسليط الضوء على هذه الظاهرة حول العالم، وليس في بريطانيا فقط".