صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

ثلاث فتيات، لم يتجاوزن الثامنة عشرة من أعمارهن، عشن لسنوات بين تهديد الأب وتحذير الأم من "الفضيحة"، حتى قررت إحداهن كسر الخوف.

حسب إحدى الفتيات، واسمها لمياء (اسم مستعار)، فإن والدها أجبرها وأختيها على ممارسة الجنس معه لسنوات، مهددا  بنشر صورهن عاريات في مواقع التواصل.

أخبرت الفتيات والدتهن، لكنها شككت في أقوالهن في البداية.

هذه القصة من ملفات الشرطة المجتمعية، روتها لـ(ارفع صوتك) المفوّض سماح نعيم.

وحتى بعدما تأكدت الأم من صحة أقوال بناتها، اعتبرت أن "هذا مجرد خطأ يمكن تصحيحه".

رفضت الأم اللجوء إلى الشرطة أو أية جهة أخرى. كانت ترى أن أسرتها ستنهار إذا افتضح الأمر. حرصت فقط ألا تترك بيناتها لوحدهن مع الأب، تحكي المفوض سماح نعيم.

لكن لمياء لجأت لضابطة في الشرطة المجتمعية، وطلبت حمايتها من اعتداءات والدها.

تقول المفوض نعيم إن "علاقة الأم مع الأب استمرت بشكل طبيعي حتى بعد معرفتها بسلوكه تجاه الفتيات. فقط وعدتهن بالتوصل إلى حل".

كانت الأم "تخشى من الفضيحة وفقدان زوجها.. ومنعتهن من إخبار أحد بالأمر خوف الإساءة لسمعتهن في المجتمع، أو قتلهن باسم غسل العار".

رضخت لتهديده 

أدركت أمل  وهي منهمكة في خطوبتها وعقد قرانها، أن ثمة ما يهدد حياتها الجديدة.

لم تتجاوز الـ 15 من عمرها، إلا أنها خرجت من تجربة زواج غير ناجحة، واختارت شاباً رأته مناسباً للزواج مرة أخرى.

لكن شخصاً مجهولاً أرسل لها قبل زواجها الثاني بوقت قصير، صوراً التُقطت لها خلال حفل عرس لإحدى قريباتها، كانت ترتدي فيه ملابس "غير محتشمة وترقص".

هددّها بنشره حال لم تستجب لطلبه، وهو "ممارسة الجنس معه"، الشيء الذي وثّقه بفيدو وهددها فيه مجدداً.

تقول أمل  "حاول تدمير حياتي الجديدة.. لذلك وافقت".

ولكن بمجرد رضوخها لتهديده، هدد بفضحها إذا لم تستمر معه، تقول المفوّض نعيم.

ولم تفصح أمل عن أي تفاصيل تتعلق بالشخص المبتز، البالغ من العمر ٤٠ عاماً، إلا أنها أوضحت "عندما شعرت بالانهيار، وأنه لن يتركني وسيفعل أي شيء مقابل تلبية طلباته، قررت الاتصال بمديرية الشرطة المجتمعية للتخلص منه".

 "الندم" هو ما شعرت به أمل، لأنه "استسلمت ومنحته الفرصة ليستغلها أكثر"، وفق المفوّض نعيم.

والقضية ما زالت مفتوحة، إذ تم تحويلها للشرطة الوطنية من أجل الوصول للشخص المُبتَز.

الأب مجدداً

فقدت زينب (اسم مستعار) والدتها قبل سنوات، أمها قبل سنوات، وتركتها مع أب "يتعاطى المخدرات، ويضربها بقسوة بشكل متكرر"، حسبما روت المفوض نعيم لـ(ارفع صوتك).

الأمر تطوّر بأن هددها أبوها بنشر صور عارية لها في صفحات التواصل الاجتماعي، والمقابل هو ممارسة الجنس معه. 

لم تخرج من البيت خوفاً منه، وحاولت الانتحار مرات عدة، أما عقاب الأب لزينب فكان "الضرب، أو الحبس أو منع الطعام عنها".

لم تكن زينب (17 عاماً) وحدها تعيش مع أبيها، إلا أن أخاها لا يعلم شيئاً حول ما يجري بينها ووالدهما، وكان تبرير الأب لابنه حين يقفل الغرفة على نفسه مع زينب أنها "تقوم بتدليكه".

لم تحظَ زينب بفرصة التبليغ عن والدها، إلا أن القبض عليه بتهمة تعاطي المخدرات من قبل دائرة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية، كشفت هذه التفاصيل، وفق تأكيد المفوّض سماح.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

مسيرة مناهضة للعنف ضد المرأة
جرائم القتل الوحشية للنساء تتصدر المشهد في الدول المغاربية

تتصدر جرائم القتل الوحشية للنساء، بالضرب أو الذبح أو الحرق، ومشكلات العنف الأسري، اهتمامات الإعلام بشكل متزايد في الدول المغاربية، لكن آليات الحماية لا تزال غير كافية.

بحسب مجموعة "فيمينيسيد (قتل النساء) الجزائر" التي ترصد هذه الحالات منذ عام 2019، "تُقتل على الأقل امرأة واحدة كل أسبوع" في البلاد.

أما منصة "أوقفوا قتل نساء المغرب" فسجلت على الأقل 50 جريمة قتل للنساء في 2023، مقابل أكثر من 30 في 2022، وخمس حالات منذ بداية عام 2024.

في تونس، الوضع لا يقل خطورة، إذ ارتفع عدد جرائم قتل النساء أربع مرات بين 2018 و2023، ليصل إلى 25 جريمة قتل مقابل ست حالات في 2018، وفق منظمات غير حكومية مثل "أصوات نساء" و"منارة".

وخلال رمضان في ربيع 2023، قُتلت شابة جزائرية تبلغ 23 عاماً على يد زوجها في قسنطينة (شرق الجزائر)، في جريمة قتل وحشية رواها لوكالة فرانس برس شقيق الضحية.

وقال عماد، وهو اسم مستعار، "قبل نصف ساعة من الإفطار، رأى زوج أختي زوجته تلتقط صورة لنفسها بهاتفها بينما كانت تقلي البوراك (من المقبّلات الجزائرية)، فغضب غضباً شديداً الى درجة انه صبّ الزيت على وجهها ثم ذبحها".

كانت الضحية متزوجة منذ خمس سنوات، ولها ثلاثة أطفال.

وبحسب شقيق الضحية، حُكم على القاتل بالسجن 10 سنوات فقط لأن محاميه قدم ملفاً طبياً يزعم أن موكله كان يعاني من انهيار عصبي، وهي عقوبة طعنت الأسرة فيها لدى محكمة الاستئناف.

ونجت فريدة (اسم مستعار) البالغة 45 عاماً، من محاولة خنقها على يد زوجها في الجزائر.

وروت هذه الصحافية المطلّقة والأم لأربعة أطفال "كانت حياتي الزوجية بائسة جداً، مع الضرب والتهديدات بالقتل. مرة خنقني حتى سقطت، واستخدم حتى حبلاً".

وأوضحت الباحثة الجزائرية في علم الاجتماع يمينة رحو لوكالة فرانس برس أن "ظاهرة قتل النساء ليست جديدة، إلا أنها أصبحت أكثر بروزاً مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي".

تحاول منظمات غير حكومية وجمعيات نسوية في الدول المغاربية توعية الرأي العام بهذه المآسي، معتبرة أن الجرائم التي تصل إلى الإعلام ليست سوى غيض من فيض.

واعتبرت كريمة بريني، رئيسة جمعية المرأة والمواطنة، لوكالة فرانس برس بخصوص عدد جرائم قتل النساء المسجلة في تونس عام 2023 "إنه هائل بالنسبة لعدد السكان وهي ظاهرة خطيرة".

ووقعت آخر محاولة قتل لامرأة، نهاية الأسبوع الماضي، في قفصة بجنوب تونس، حيث سكب زوج البنزين وأضرم في جسد زوجته النار بسبب خلافات عائلية متكررة، ونُقلت إلى المستشفى، بينما زوجها لا يزال متوارياً، بحسب مصادر قضائية.

رغم تبني قانون طموح جداً في عام 2017 في تونس، ترى بريني أن "تطبيقه لا يسير بالوتيرة المطلوبة"، مشيرة إلى نقص التمويل العام لمراكز الإيواء وعدم كفاية تدريب "المحترفين (خصوصاً الشرطة والقضاة) على تقويم المخاطر ومنع العنف".

وترى أيضاً أنّ "عدداً كبيراً من العوائق الثقافية" في تونس، مثل الصور النمطية التي تروجها الكتب المدرسية ("المرأة في المطبخ، الرجل يشاهد التلفاز")، والذهنيات التي يجب تغييرها لكي لا تكون هذه الأعمال "مقبولة ثقافياً".

وآخر جريمة كانت ضحيتها امرأة في الجزائر حدثت، الاثنين، في ولاية خنشلة (شرق) حيث ذكرت وسائل إعلام محلية أن رجلا يبلغ من العمر 49 عاما طعن زوجته، 37 عاما، مرّات عدة قبل أن يذبحها، وقد أوقفته الشرطة.

وللجزائر أيضاً إطار تشريعي صارم للغاية في هذه القضايا.

فقد صدرت على الأقل 13 عقوبة بالإعدام منذ عام 2019 (تم تخفيفها جميعاً إلى السجن مدى الحياة). وهناك قانون صدر عام 2015 يعاقب بشكل خاص على التحرش الجنسي وكل أشكال الاعتداء أو العنف اللفظي أو النفسي.

وأوصت يمينة رحو بـ"توعية الجنسين منذ سن مبكرة بالتربية على المساواة والمسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل في الأسرة"، خصوصاً عبر وسائل الإعلام العامة.

بالنسبة لها، "لا تكفي الترسانة القانونية وعمل قوات الأمن" بل يجب "تعبئة جميع موارد الدولة، مع نظام إنذار، يشمل الرجال أيضاً".

وفي المغرب أيضاً، يوجد منذ عام 2018 قانون يحارب العنف الموجه ضد النساء، لكنه يتعرض لانتقادات من الجمعيات النسوية بسبب عدم فعاليته.

وٍبينت المحامية غزلان ماموني أن "القضاة يميلون إلى الاعتقاد بأن هذه الأفعال تندرج ضمن المجال الخاص، لذلك فإن العقوبات ليست رادعة وهذا جوهر المشكلة".

من جانبها، وصفت كاميليا الشهاب، مؤسسة جمعية "أوقفوا قتل النساء المغرب"، الأدوات القانونية المغربية في هذه القضايا بأنها "مهزلة"، داعية إلى تشريع "أكثر واقعية" وتدريب المحترفين للتكفل بشكل أفضل بالضحايا.

في عام 2023، حظيت جريمة قتل في المغرب بتغطية إعلامية كبيرة، وتمثلت في تقطيع جثة امرأة وإخفائها في ثلاجة.

وتقول كاميليا الشهاب "هذه الحالة معبّرة جدا لأنها تُظهر الحاجة إلى حصول أمر مروع للغاية لكي يهتم الصحافيون بالموضوع، رغم أن جميع جرائم قتل النساء مروعة".