بصوت هادئ، مختلط بحماس لإيصال المعلومة، وحُرقة، يقول محمد حسن "خلال أكثر من عامين، وثقنا مقتل 6 نساء بسبب قضايا الابتزاز".
ويضيف هاتفياً لـ"ارفع صوتك": "ما حدث مؤسف جداً، كانت أوقاتاً صعبة، فيها صراع قوي، وإحساس بالعجز، لأن هؤلاء النساء لجأن إلينا، سواء بشكل مباشر أو عن طريق صديقاتهن".
ومحمد حسن (اسم مستعار) هو رئيس فريق "محاربو الابتزاز الإلكتروني" العراقي، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنيّة.
150-300 حالة يومياً
وأطلق الفريق صفحته في موقع "فيسبوك" أواخر عام 2016، نظراً لازدياد حالات الابتزاز الإلكتروني.
يقول حسن "تصلنا يومياً 150-300 شكوى ابتزاز إلكتروني، في معظمها نتيجة اختراق أجهزة وحسابات شخصية للضحايا".
ويوضح "تصلنا الشكوى عبر ملخص حول القصّة، وسكرين شوت كدليل على حصول الابتزاز، ثم نقوم بتصنيف الحالات إلى: مبتز مجهول الهوية، ومعلوم الهوية، سرقة هاتف أو بطاقة الذاكرة، واختراق إلكتروني".
مؤكداً أن الفريق المكوّن من 12 بين ذكور وإناث، ملتزمٌ بقوانين ثلاث للتعامل مع قصص ضحايا الابتزاز، وهي: ممنوع نشوء علاقات صداقة وتعارف مع الضحايا، والعمل مجاني، ولا حاجة لمعرفة هويّة الضحية، يكفي دليل الابتزاز وهويّة المبتز.
الأغلبية نساء
يقول حسن لـ "ارفع صوتك"، إن الغالبية العظمى من ضحايا الابتزاز نساء، والقصص تتشابه حيث المبتز حبيب أو خطيب سابق، يطالبهن بالمال أو الجنس مقابل عدم نشر الصور".
مضيفاً "والمرأة هي أكثر من يتضرر غالباً، ففي حالات القتل الست تحت مسميّات جرائم (الشرف وغسل العار)، لم يحصل شيء للرجال".
ونتيجة لتنفيذ التهديد بالنشر، تتلخص النتائج التي واجهتها الضحايا (رجالاً ونساء) بالقتل والطلاق والطرد من الوظيفة وترك الدراسة الجامعية والضرب المبرح مضافاً إليه الحرمان من مواقع التواصل الاجتماعي، وفق حسن.
هل لديكم تواصل مع جهات أمنية رسمية؟ "نعم"، يقول حسن.
مضيفاً "يوجد بيننا والشرطة المجتمعية تعاون مشترك، حيث يتم تحويل العديد من حالات الابتزاز إلينا من أجل حلها، كما نتواصل مع أجهزة أمنية أخرى بالإضافة للجهاز القضائي عبر اللجنة القانونية في فريقنا".
ويقول إن المبتزّين يتنوعون بين الأفراد (معلومي الهوية/ قصص الحب" أو عصابات منظمة في حالات الاختراق الإلكتروني.
وفي الفيديو الآتي نشاهد الرائد عزيز الشمري خلال محاضرة في كلية عراقية، يروي قصة ابتزاز فتاة عراقية عبر فيسبوك، وكانت تدفع له 100 دولار يومياً.
على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".
الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل.
وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".
"لا تصير شيخ براسي" المحامية قمر السامرائي: ليش يطبقون القوانين الإسلامية فقط على المرأة… عزلوا المحاكم واتبعوا شرع الله!! pic.twitter.com/z1zT8NJkrE
الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد.
ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".
السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".
وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".
وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.
تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.
وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.
في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.
تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".
تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً".
وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.
"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.
من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.
تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".
وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".
"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".
الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن.
تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".
وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".
في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".