المرأة

"يفسد الأمة".. فقهاء ضد تعدد الزوجات

إلسي مِلكونيان
01 مايو 2019

تونس هي الدولة العربية الوحيدة الذي تمنع تعدد الزوجات قانونيا. ونصت أول مدونة للأحوال الشخصية سنة 1956، أربعة أشهر بعد الاستقلال فقط، على أن "تعدد الزوجات ممنوع".

أكثر من هذا، تضمنت المدونة عقوبات جسدية ومالية في حق المخالفين.​ "كل من تزوج وهو في حالة الزوجية.. يعاقب بالسجن لمدة عام"، يقول الفصل 18.

ساهم في صياغة المدونة عدد من كبار رجال الدين في البلاد، مثل عميد جامعة الزيتونة محمد الطاهر بن عاشور ومفتي الديار التونسية محمد عبد العزيز جعيط.

لم يتردد هؤلاء الفقهاء، الذين يحسبون على التيار الإصلاحي، في الموافقة على مساعي الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في إلغاء التعدد نهائيا، دون أن يعتبروا أنفسهم يناقضون أصلا من أصول الشريعة. 

بنى الطاهر بن عاشور وعبد العزيز جعيط اجتهاداتهما على مبادئ الفقه المقاصدي الذي يتخذ من المقاصد والغايات الكبرى للدين أساسا لفهم الشريعة وتنزيل أحكامها.​

​​​​​وظهرت اجتهادات مشابهة في دول عربية أخرى تأسست بدورها على الفقه المقاصدي.

ركزت هذه الاجتهادات على فكرة أن الرجل غير قادر على تحقيق العدالة بين زوجاته (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). لذا يجب على الدولة أن تتدخل لمنع التعدد حفاظا على حقوق النساء وأطفالهن.

لكن أغلب هذه الاجتهادات لم تجد طريقها إلى القانون في أغلب البلدان، مثلما حدث في تونس.

التحرير والتنوير

أسس محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973)، في كتابه "التحرير والتنوير"، فتواه بجواز منع التعدد على الآية الثالثة في سورة النساء (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). وهي الآية نفسها التي يعتمدها أغلب الفقهاء لتشريع التعدد.

بنى  ابن عاشور وجعيط اجتهاداتهما على مبادئ الفقه المقاصدي

​​اعتبر بن عاشور أن الآية ربطت بين تعدد الزوجات و الحفاظ على حقوق اليتامى (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا...) يقول: "اعلم أن بين عدم القسط في يتامى النساء وبين الأمر بنكاح النساء ارتباطا لا محالة وإلا لكان الشرط عبثا​".

وجاء في كتاب "التحرير والتنوير" أيضا: "إن الأمر بنكاح النساء وعددهن في جواب شرط الخوف من عدم العدل في اليتامى مما خفي وجهه على كثير من علماء سلف الأمة".

تأثر الفقيه التونسي بآراء الشيخ اللبناني محمد رشيد رضا الذي رأى أن تعدد الزوجات "يفسد البيت". 

في سنى 1956، أصدر بورقيبة مدونة الأحوال الشخصية التي منعت التعدد نهائيا

​​​​وجاء في "تفسير المنار" لرشيد رضا: "إذا تأمل المتأمل ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد، جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي فيها أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو لآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت ومن البيت إلى الأمة".

وشارك أفكار محمد الطاهر بن عاشور في موضوع منع التعدد الشيخ عبد العزيز جعيط الذي شغل منصب أول مفتٍ للجمهورية التونسية (1957-1960).

في مصر والمغرب

مفتي مصر في أوائل القرن الماضي محمد عبده (1849-1905) دعا بدوره إلى منع التعدد. وأصدر فتوى يقول فيها "يجوز للحاكم رعاية للمصلحة العامة أن يمنع تعدد الزوجات بشرط أو بدون شرط حسب ما يراه موافقا لمصلحة الأمة".

ووافق عبده على تعدد الزوجات في حالات استثنائية، مثل الحروب حيث يقل عدد الرجال ويكثر عدد النساء والأرامل.

وقدم اقتراحا للحكومة لوضع نظام يقيد تعدد الزوجات، لكن هذا الاقتراح فشل. وقدم تلامذته مقترحات شبيهة سنة 1928 عند تأسيس لجنة لتعديل بعض مواد مدونة الأحوال الشخصية. لكنها فشلت أيضا.

وفي المغرب، أفتى زعيم الحركة الوطنية خلال خميسنات القرن الماضي علال الفاسي بجواز منع تعدد الزوجات.​​

​​في كتابه "النقد الذاتي"، قال علال الفاسي إنه مع "منع التعدد مطلقا"، وهو المنع الذي ما زالت مدونة الأسرة في المغرب لا تتضمنه بعد مرور 70 عاما على كتاب علال الفاسي.

برر الفاسي رأيه بالتجربة الإسلامية في مجال التعدد. يقول "التجربة التي لاحظناها طول التاريخ الإسلامي تدل على أنه باستثناء العصور الأولى، فإن أغلبية المسلمين استعملوا التعدد في غير موضعه الشرعي".

​​في كتابه "النقد الذاتي"قال الفاسي إنه مع "منع التعدد مطلقا"​​

في الأخير، يؤكد السياسي والفقيه المغربي بوضوح: "إنني أقرر الرأي بكامل الاطمئنان النفسي الذي يمليه علي إيماني بأن شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، ورجائي أن يكون في هذه الاعتبارات التي أبديتها ما يحقق تطبيق مبدأ الإصلاح الإسلامي بمنع التعدد مطلقا في هذا العصر، إقامة للعدل، وتقديرا للمرأة، وحماية للإسلام".

قانونيا، بقيت مطالب علال الفاسي حبرا على ورق، رغم أن مدونة الأسرة في المغرب (2004) أعطت المرأة الحق في أن تشترط على زوجها عدم الزواج بامرأة ثانية، وأن تستدعى لأجل الموافقة.

 

 

 

 

إلسي مِلكونيان

مواضيع ذات صلة:

السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال
السورية نور نوريس خلال فترة الترويج لسن القانون من خلال الحملة الانتخابية لحزب العمال

نجحت المهاجرة السورية نور نوريس المقيمة في بريطانيا من خلال متابعتها لقضية مقتل أختها وابنتها على يد زوج الأخيرة سنة 2018، في المساهمة بسن قانون "رنيم"، القاضي بمكافحة العنف الأسري وحماية النساء والرجال من العنف وتوفير الدعم للضحايا.

وتابعت نور القضية منذ مقتل أختها خولة سليم وابنتها رنيم، حتى نجحت هذا العام من الوصول للمحكمة البريطانية والحديث أمام مجلس النواب البريطاني، انتهاءً بسن القانون من خلال حزب العمال الذي فاز بالانتخابات مؤخراً.

 

من هي نور؟

نور نوريس مهاجرة سورية مدينة دمشق، استقرت في بريطانيا قبل 28 عاما، وهي أم لخمسة أطفال، كانت تعمل في تصميم الأزياء، وحالياً تقدم الاستشارات النفسية، عبر شركة استشارية وعيادة خاصة بها، وهذه العيادة متخصصة في مكافحة العنف المنزلي والأُسري للنساء والرجال.

وشركتها متخصصة في حملات المناصرة للتأثير على صناعة القرارات في بريطانيا، بالإضافة لتدريب الشرطة وبعض المؤسسات الكبرى عن العنف المنزلي، والتدريب على طرق الوقاية قبل الدخول بعلاقة تعنيف، وكيفية الخروج منها، ومساعدة الآخرين، مع طرق السلامة، والحالات التي تمر فيها الضحية.

تبين نوريس لـ"ارفع صوتك" أنها "قامت لوحدها بحملة لمكافحة العنف ضد المرأة، بداية من قصة أختها وابنتها، وطالبت من خلالها بتعديل القوانين الخاصة بالعنف الأُسري، ودعم الأشخاص المعنّفين".

قصة نور وعملها من أجل قانون "رنيم" ضمن كتيب الدعاية الانتخابية لحزب العمال البريطاني

تضمنت الحملة، بحسب نوريس، طاقماً من المحاميين الخبراء، وإجراء أبحاث وإعداد تقارير لعدة سنوات خاصة بالعنف الأُسري، حتى وصلت للمحكمة ومجلس النواب البريطاني ثم حزب العمال الذي دعمها بشكل كبير، وصولاً إلى تشريع قانون "رنيم".

تتابع: "استنفدت كل طاقتي ومجهودي حتى وصلت للمحكمة، وكنت أدعم نفسي حتى وصل صوتي للبرلمان".

وتروي نوريس "كان هناك خمس وعود لدى حزب العمال في الانتخابات، أحدها كان مكافحة العنف المنزلي، ووضعوا قصتي وقصة رنيم ضمن حملتهم الانتخابية، وحملتي كانت تجعلهم ينظرون إلى الشرطة ويعرفون ما سيقدمون لهم".

قصة رنيم

لجأت رنيم من سوريا عام 2014 إلى بريطانيا، وتزوجت لاجئاً أفغانيّ الجنسية. واجهت خلال فترة زواجها العنف المنزلي، انتهى بمقتلها على يده في أغسطس  2018، هي ووالدتها خولة سليم.

توضح نوريس "تواصلت ابنة أختي مع الشرطة خمس مرات، وشرحت لهم أن لديها إذناً من المحكمة ألا يتعرض لها زوجها، لكنّ عناصر الشرطة قالوا إن هذا الإذن غير موجود لدى الشرطة، لذلك لا يستطيعون فعل أي شيء".

"وشرحت لهم رنيم بالضبط ما سيحدث لها وأنه من الممكن أن يقتلها، لكنهم تجاهلوها تماما وفرضوا عليها العودة إلى المنزل، وهي عائدة إلى منزلها اتصلت بالشرطة للمرة الثالثة عشر، وهي تتحدث معهم كان زوجها قد طعنها أمام منزلها"، تضيف نوريس.

في حينه، تحول القضية إلى الرأي العام، وظلّ الجاني هارباً لمدة خمسة أيام قبل أن تعتقله الشرطة البريطانية، بينما كانت نوريس وبقية أفراد العائلة يعيشون حالة من الخوف والقلق.

وفق التحقيقات، اتصلت رنيم بالشرطة 13 مرة خلال أربعة أشهر سبقت مقتلها وأبلغتهم عن تعرضها للعنف المنزلي، إلا أن الشرطة لم تحمها، ما أدى لمقتلها هي ووالدتها.

تلفت نوريس "في الحقيقة هناك قوانين في بريطانيا تكافح العنف الأُسري، لكنها لا تطبق بشكل مناسب وليس عليها رقابة، كما لا يتم تدريب الشرطة عليها. وهنا تكمن المشكلة".

تؤكد "وخلال المحكمة اكتشفنا أن القانون البريطاني الحالي قديم في متابعة العنف المنزلي، ولا يكون هناك ربط للأحداث بين جميع الجهات لمتابعة القضايا".

العنف الأُسري في بريطانيا

عملت نوريس على عدد كبير من الأبحاث، ووجدت أن هناك امرأة تقتل كل ثلاثة أيام في بريطانيا، وكل يوم شخص "رجل أو امرأة" يقتل نفسه بسبب العنف المنزلي.

وتشرح "واحدة من كل أربع نساء يتم تعنيفهن، وواحد من كل ست إلى سبع رجال يتم تعنيفهم، و80% من حالات القتل هن من النساء، أما التعنيف فهو مشترك ويمارس على الرجال والنساء، ولكن الغالبية العظمى من النساء، لذلك نحن ندعم قضية المرأة بشكل أكبر".

تصف نوريس ردود الأفعال في محيطها بأنها "هائلة وإيجابية" مردفة "أنا ممتنة لكل من سمعني وساهم بدعم مبادرتي. الناس متشجعة، وتمت دعوتي لمنزل رئيس الوزراء لحضور إحدى الحفلات، وذهبنا للوزارة واجتمعنا بكل القائمين على العمل في منظمات المجتمع المدني. وأتت رئيسة وزراء الداخلية وتحدثوا عن القانون وأنه سيتم تطبيقه، وهذه كانت واحدة من الاجتماعات التي سنعمل عليها بشكل دائم".

وتشير إلى أن تطبيق القانون "سيبدأ قريباً" دون تحديد تاريخ زمني. 

"أهم شيء أن الشرطة أصبحت أقوى من ذي قبل وتشعر بمسؤولية أكبر، وهذا أدى لخوف المجرمين وحدوث ردع أكبر، والأهم أيضا أننا استطعنا إيصال صوتنا" تتابع نوريس.

وتبين: "هناك أشخاص كثر يعيشون هذه الحياة الصعبة، وهو عنف يطبق بشكل منتظم وبتسلسل، فالعنف ليس شخصين مختلفين فقط. فالمعنِّف هو إنسان مسيطر كليا على الضحية. هناك أشخاص يتعايشون معه، خاصة عندما تكون الضحية لا تستطيع فعل أي شيء مع المعنِّف، وأحيانا تصدّق الضحية أن المعنِّف على حق، فينتابه تأنيب وشعور بالذنب، كما أن بعض المعنِّفين يشعرون أن هذا حقهم الطبيعي، بحسب شخصيتهم والبيئة التي أتوا منها".

في ختام حديثها، تعرب نوريس عن أملها بأن "يصبح قانون رنيم خطوة مهمة نحو تسليط الضوء على هذه الظاهرة حول العالم، وليس في بريطانيا فقط".