سيدة عراقية تشارك في التظاهرات في ساحة التحرير ملوحة بالعلم العراقي
سيدة عراقية تشارك في التظاهرات في ساحة التحرير ملوحة بالعلم العراقي

بدت مشاركة النساء في التظاهرات المستمرة في العراق منذ مطلع أكتوبر الماضي لافتة.

وأثبتت المرأة العراقية في التظاهرات الأخيرة أنها رقم مهم لا يمكن تجاوزه.

وفي ساحة التحرير في العاصمة بغداد، يعمل الشباب والشابات جنبا إلى جنب. يشاركون في تنظيف الشوارع وصبغ الأرصفة وتزيين الجدران بالرسوم وإعداد الطعام ومعالجة المصابين.

وخلال العقدين الأخيرين ساهمت النساء في أغلب الاحتجاجات التي شهدها العراق.

وشاركت المرأة في حركات الاحتجاج في فبراير 2011 الي خرجت تحت شعار "الشعب يريد إصلاح النظام"، وحراك يوليو 2015 الذي انتقد الإسلام السياسي والطائفية، وقبلها التظاهرات النسوية الحاشدة عام 2003 التي أسقطت محاولة الأحزاب الدينية تغيير قانون الأحوال المدنية واستبداله بقانون آخر يستند إلى التشريعات الدينية في الطوائف المختلفة.

أنتم ستعوضونني عن أبنائي!

"أنا بساحة التحرير ليس بوصفي متظاهرة بل كأم. أساعد المتظاهرين بما يمكن. ساحة التحرير باتت وطن لنا"، تقول ريمة، وهي ناشطة عراقية، تعمل في إيصال التجهيزات والمواد الطبية والإمدادات للمتظاهرين بساحة التحرير وتحرص على الحضور يوميا إلى الساحة.

وتؤكد ريمة أن حضور النساء في الأيام الأولى للثورة كان قليلا، لكنه تزايد مع الوقت. "الآن توجد نساء من كل الأجيال ومن مختلف الشرائح الاجتماعية".

 وتشدد الناشطة العراقية على أنها شاهدت أمهات قدمن مع أبنائهن إلى الساحة.

"رأيت امرأة فقدت اثنين من أبنائها وجاءت إلى الساحة مصرة على إعداد الخبز وتوزيعه على المتظاهرين، وكانت تقول: أنتم أبنائي الذين سيعوضونني عن أبنائي".

هكذا هم نساؤنا

تشارك النساء في مختلف الفعاليات في ساحة التحرير، سواء الرسم أو الفنون التشكيلية في ساحة الاعتصام. وللمرأة أيضا دور إعلامي وتوثيقي في نقل صورة الاحتجاج.

وانتشرت في ساحات الاحتجاج عبارات "غرافيتي" مشجعة على حضور النساء في التظاهرات، مثل "ثوري فالثورة أنثى".

وأنجزت فاطمة حسام (20 عاما) بالتعاون مع آخرين، نسخة عراقية من الأيقونة الأميركية نومي باركر التي اشتهرت في الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى جيل الفتيات اللواتي يشاركن في الاحتجاجات.

جدراية عراقية تعيد تسجيد الأيقونة الأميركية نعومي باركر التي اشتهرت في الحرب العالمية الثانية

ورسمت الشابة ذاتها جدارية أخرى لامرأة تلوح بشعار رئيسي للمتظاهرين العراقيين يقول "نريد وطن".

وتقول سارة سلام (39 عاما) إنها رأت نساء يشاركن "حتى في غسل ملابس المتظاهرين الذين يسكنون في التحرير. المرأة العراقية تشارك حتى من بيتها في إعداد الكعك والحلويات والأطعمة".

وتضيف سارة لـ"ارفع صوتك": "شاهدت نساء كثيرات مؤخرا يجمعن المال لشراء الأغطية الشتوية، أو يتبرعن بما يملكن من أغطية للمتظاهرين".

مسعف جوال ودعم لوجستي

تقول الناشطة والطالبة في كلية الإعلام سمر العزاوي إنها تأتي إلى ميدان التحرير "لنساعد إخواننا (المتظاهرين)..."، وأضافت لـ"ارفع صوتك": "وزارة الصحة ومستشفياتنا تخلت عنهم ونحن نساعدهم".

,تضيف سمر التي أصيبت بقنبلة دخانية في الرأس نهاية أكتوبر الماضي ولم تثنها عن مواصلة دورها في خدمة المتظاهرين: "بدأت عملي منذ انطلاق التظاهرات مسعفا جوالا قبل أن تكون هناك خيم ومفارز طبية وأنا مستمرة حتى اليوم".

وتتابع "لا يمكن أن أنسى يوم إصابتي في الرأس بتاريخ 28 أكتوبر. كان يوما سيئا بالنسبة لي ما زلت أشعر بالألم. كانت قوات الأمن في ذلك اليوم ترمي المتظاهرين بقنابل الغاز بكثافة وبشكل عشوائي".

من جانبها تقول الناشطة المدنية الخمسينية وداد حمادي، التي شاركت في العديد من النشاطات بينها مساعدة النازحين عقب تحرير الموصل، فضلا عن مشاركتها في التظاهرات منذ عام 2011، :"كان للمرأة العراقية والشابات تحديدا دور مشرف وفعال جدا في التظاهرات الحالية. أثبتن جدارتهن في المفارز الطبية والنظافة والتنظيم".

اكتمل الوطن

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا ومقاطع فيديو لنساء وناشطات يقمن بأدوار مختلفة في ساحات التظاهرات.

في صفحته على تويتر نشر الصحافي العراقي عمر الجنابي، مقطع فيديو لامرأة عراقية "تشارك بتوزيع الطعام والشراب على المتظاهرين".

وتداول ناشطون مقاطع فيديو أخرى بينها مقطع لامرأة توزع الخوذ على المتظاهرين.

ويرى البعض أن وجود المرأة لعب دوراً أساسياً في استمرار حركة الاحتجاج.

ويقول الشاب العراقي  حيدر أحمد "دور المرأة لا يقل عن دور الرجل فهي مرابطة بالميادين منذ أول يوم للتظاهر".

ويضيف في تصريح لـ"ارفع صوتك": "حضورها يشعرنا كمتظاهرين أن الوطن قد اكتمل".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".