شابة عراقية تهزج خلال تظاهرات في البصرة/ ا ف ب
شابة عراقية تهزج خلال تظاهرات في البصرة/ ا ف ب

أُطلق عليها "كلاشينكوف المعركة" أو هلهولة المعركة" وفق تعبير الشاعر العراقي ناظم السماوي، الذي ألف أكثر من 150 أهزوجة ضمن مختلف الانتفاضات العراقية منذ عام 2011.

ويقول عن الأهازيج، في حديث هاتفي لـ"راديو سوا" إنها أقرب ما تكون للنخوة الوطنية، والمحفّز الأساسي للقيم والأخلاق، كما أنها تقال في المناسبات السعيدة والحزينة تؤثر وتتأثر بحياة العراقيين

ويصف السماوي الأهازيج بـ"القيمة المطلبية" مضيفاً "هي تمثيل لتاريخ الثورات الوطنية والحياة داخل المعتقلات السياسية"، علماً بأن السّماوي ألف أهازيج جديدة وقرأها في ساحة التحرير وسط بغداد، خلال التظاهرات المستمرة منذ أكتوبر الماضي.

وقد تكون الأهزوجتان الأكثر تكراراً خلال الفترة الماضية في ميادين التظاهر داخل مدن عراقية عدة "أخوان سنّة وشيعة.. هذا الوطن ما نبيعه" و"شلع.. قلع.. كلكم حراميّة"، وهما ليستا وليدتي هذه التظاهرات، إذ سبق استخدامهما في احتجاجات عديدة سابقة.

 

 

والأهازيج أو الهتافات الوطنية والمطلبية بشقيها السّاخر والجّاد، هي جزء من الشعر الشعبي أو الشعر العامي المُرتجل والمستخدم بشكل واسع جنوب العراق، ويُدعى مؤدّيه وغالباً ما يكون مؤلفه بـ"المهوال".

وفي الوقت الذي يتشابه أو يختلف اسم الشعر الشعبي وأنواع من دولة عربية إلى أخرى، فإن الاسم الذي يجمعها هو الزجل، وإذ يُعيده مؤرخون لقرون قليلة، فإن مؤرخين آخرين أثبتوا أنه راج منذ آلاف السنين، حسبما سنقرأ لاحقاً عن علاقة السومريين بالأهازيج.

 

الأندلس أم بلاد الرافدين؟

كتب ابن خلدون في مقدّمته "ولما شاع فن التوشيح في الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته، وتنميق كلامه، وترصيع أجزائه، نسجت العامة على منواله، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيه إعرابا، واستحدثوه فنّاً سموه الزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد، فجاؤوا فيه بالغرائب، واتسع للبلاغة مجال حسب لغتهم المستعجمة، وأول من أبدع هذه الطريقة الزجلية ابن قزمان، وإن كانت قيلت بالأندلس لكن لم يظهر حلاها، ولا انسكبت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه... وهو إمام الزجالين على الإطلاق، قال ابن سعيد‏:‏ ورأيت أزجاله مروية ببغداد، أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب‏".

لكن هذا لا يعني أن ابن قزمان هو أوّل زجّال في تاريخ هذا الفن، لكنّه سابقيه لم يبلغوا مبلغه فيه لذا لم يذع صيتهم.

الزجل: اللعب والجلبة ورفع الصوت والتطريب (لسان العرب، ابن منظور)

وبناء عليه، يؤكد مؤرخون وباحثون أن الشعر العامّي وليد البيئة الأندلسية ومنها خرج إلى البيئات العربية الأخرى، وعُرف بنوعيه "زجل العامّة، وزجل الشعراء المعرّبين".

إلا أن الناقد والأديب الفلسطيني إحسان عبّاس ، رأى أن "الأغنية الشعبية تظل في العادة جهد جنود مجهولين وتحتاج إلى وقت لتصبح بأيدي أفراد زجّالين، ويكتسب قوته من شخصيتهم وفنهم" في إشارة إلى صعوبة تحديد أوّل من بدأ هذا الفن.

في نفس الوقت، أورد الدكتور عباس أن البداية كانت في الأندلس، كونها الفترة التاريخية التي شهدت بداية ازدواج اللغة العربية بين اللهجة الدارجة والمكتوبة، بسبب اختلاط العرب بالعجم. (دورية الثقافة الشعبية، العدد 30)

وإذ نجد هذه المفردة موجودة في معجم "لسان العرب" لابن منظور، المتوفى قبل ولادة ابن خلدون بإحدى وعشرين سنة، يتنافى هذا وتأريخ البعض بأن ظهور المفهوم كان في الأندلس. (دوريّة الثقافة الشعبية، العدد 36)

وفي كتاب "ظواهر حضارية وجمالية من التاريخ القديم" للمؤرخ وعالم الآثار العراقي فوزي رشيد، يرد ضمن فصل "المتنبي والأمير كوديا"، أن كوديا وهو ملك سومري كان بارعاً في قول الشعر، وبعد أن منح "البنت في البيوت التي لم يُنجب أصحابها ذكوراً، حق وراثة والدها، ومن دون أن يشاركها الأعمام في الإرث". 

ويتابع رشيد "وكما يبدو فإن ما قام به كوديا قد أفرح سكان بلاده كثيراً، ودفعهم إلى الفرح، وخصوصاً سكان مدينة لكش إحدى كبرى المدن التي حكمتها السلالة، ومما لا شك فيهأ أنهم كانوا يعبرون عن فرحتهم بالأهازيج ذات الصيغة الشعرية لما لها من تأثير في نفوس السّامعين، ولذلك كان بناء تلك الأهازيج على شكل وحدات رباعية الأبيات، الثلاثة الأولى منها تنتهي بكلمات متشابهة النطق ولكنها مختلفة المعنى، وتعبّر تلك الأبيات عمّا كان يشتكي منه السومريون، والبيت الرابع، أي القفل، كان لا بد له أن ينتهي باسم المنقذ كوديا".

وبالاطلاع على نماذج عديدة للشعر العامّي (المُلحّن) من دول عربية مثل العراق والمغرب وفلسطين ولبنان وسوريا والكويت، سنجده على اختلاف إيقاعه واللهجات المحكية ومنسوب الجرأة وفق الثفافة المحلية، يتناسب تعريفاً ومفهوماً حسبما ذكره المؤرخ فوزي رشيد.

وفي عديد فنونه، نجد الشعر العامّي يعتمد على المناظرة أو الأخذ والرد بين زجّال وآخر، بغض النظر عن الاسم المتداول لهذا الفن في بلده (الهوسة- العراق، الحداء- فلسطين، الزجل في المغرب ولبنان... إلخ).

وعلى اختلاف أنواعه وإيقاعاته، نجد الزجل مصاحباً لأفراح الناس وأحزانهم، وحروبهم، وهزائمهم وانتصارتهم وعشقهم أو كرههم وبغضهم وبين السخرية والتهديد والوعيد والحكمة والموعظة وروح الدعابة، متسماً بالجرأة في الطرح، إلى البسيط منه المتداول على ألسنة الناس العاديين في مواسم الزراعة والحصاد والقحط وكسوف الشمس أو خسوف القمر.

وعن الأخيرة، في الموروث الشعبي العراقي، مثلاً، كان الأطفال يهزجون حين يغيب القمر:

يا حوتة يا منحوتة .. هذي كمرنا الغالي (يعتقدون أن الحوت ابتلعه)

وإن جان ما تهدينه.. أضربج بسكينة

ومن لحن الهوسات والأهازيج في العراق، اقتُسبت الهتافات الوطنية والمطلبية  في زمن الثورات، فهي تعتمد بالأساس على المخيال الجمعي بحيث يسهل حفظها وترديدها.

 

الهوسة.. لغة تكلّمها الجميع

يرصد الأكاديمي العراقي الدكتور إبراهيم خليل العلاف، في مقال منشور بمجلة "الكاردينيا" مسيرة بعض الأهازيج السياسية، ابتداءً من احتجاج العراقيين على جعل بلادهم ساحة حرب بين الدولة العثمانية وبلاد الفرس (إيران)، ومن قولهم "بين العجم والروم بلوى ابتلينا".

ويستذكر أهزوجة من الموصل عام 1743 عند حصار نادر شاه المعروف باسم "طهماسب" بقولهم "طهماس غاسك أقع (اقرع ) مثل الجرو منقع".

ثم ينتقل د. العلاف إلى ثورة عام 1920 في العراق ضد الانتداب البريطاني، حتى سقوط نظام حزب البعث عام 2003، وكيف تراوحت الأهازيج بين الدفع باتجاه التحرر والاستقلال من الاستعمار، ونقد النظام الحاكم وأيضاً مدحه والتغنّي بحروبه، في نوع من التحشيد وتوحيد الجموع على رأي واحد، مثل أهزوجة "يا كاع ترابج كافوري"، الأكثر شهرة وتداولاً بين العراقيين في حرب العراق وإيران 1980.

كما ظهرت الهوسات والأهازيج في الصراعات الحزبية خلال الخمسينيات والستينيات بين الشيوعيين والقوميين الناصريين، مثل "نحن جنودك يا جمال.. جيب سلاح وإخذ إرجال" و"عبد الناصر شيل إيدك.. شعب العراق ما يريدك".

وما أشبه اليوم بالأمس، حيث ركز أغلب الأهازيج في التظاهرات على رفض التدخل الخارجي في شؤون العراق السياسية، سواءً من إيران أو الولايات المتحدة الأميركية أو السعودية.

هوسات التحرير

ذكرنا في بداية المقال الأهزوجتين الأكثر ترديداً في ميادين التظاهر، وهما ليستا بالمستحدثتين، إلا أن شهري الاحتجاجات المتواصلة أنتجا عشرات الأهازيج المواكبة للأحداث والتحركات السياسية في البلاد.

ومن يؤلف الأهازيج والهوسات القصير منها والطويل نسبياً، كما سنشاهد في الفيديوهات التالية، هم "شباب متظاهرون وليس بالضرورة أن يكونوا شعراء" حسبما يقول الناشط الإعلامي القاسم العبادي .

والقاسم طبيب أسنان أيضاً، وظهر في أحد مقاطع الفيديو يغنّي إحدى الأهازيج ويردّد خلفه عدد من المتظاهرين داخل خيمة في ساحة التحرير. 

يقول لـ"ارفع صوتك" إن الأهازيج في التظاهرات تتغير رغم أن لها أنماطاً وأطواراً ثابتة، كما أن ألحانها مستوحاة من أغاني أفلام كارتون أو تراث وفلكلور شعبي بتغيير الكلمات وفقاً للمستجدات الطارئة. 

وتتعرّض هذه الأهزوجة، بصوت القاسم، إلى رئيس الحكومة السابق (المستقيل) عادل عبدالمهدي والإشارة لتهمة تورّطه بالفساد في قضية مصرف زويّة، وولائه لإيران من خلال ذكر قاسم سليماني، بالإضافة لنقد موقف رئيس الجمهورية (أعلن استعداده للاستقالة اليوم) كما طال النقد رئيس البرلمان محمد الحلبوسي. 

"يا عادل زويّة.. ما تقدر عليّا.. بالتحرير آني وقافل (متمسك) ع القضية"

هوهو هوهو هو.. يا بو العدس إرحل.. ما تسمع شكوتي قاسم خاف يزعل

برهم يا بن صالح.. بين الكتل دايح (تائه).. مهتم بالمناصب ويدوّر بالمصالح

يا حلبوسي انت ما تخليها سكتة لا تنزع سترتك حق الشعب بقته (سرقته)"

 

 

وبدا التدخّل الإيراني في السياسة الداخلية للبلاد أمراً بالغ الأثر في نفوس العراقيين الذين رددّوا عديد الأهازيج في هذا الشأن، حتى من خلال المشجعّين للمنتخب العراقي في مباراته ضد إيران في ستاد العاصمة الأردنية عمّان قبل أسابيع، حيث مثلّ الفوز الرياضي دعماً سياسياً للثورة. 

ومن هذه الأهازيج "إيران برة برة بغداد تبقى حرة" و"مو بعثي من أشتم إيران.. ينعل أبو البعثية.. حر ورافض للأصنام.. لا إيران ولا صدّام"، وهذه الأخيرة إشارة إلى الرد على اتهام المتظاهرين بأنهم بعثيّون موالون لسيرة النظام البائد عام 2003.

وفي أهزوجة "يا قاسم يا سليماني.. هس يجيك الثاني" يرددها مشجعو المنتخب العراقي بعد تسجيله الهدف الأول.

 

 

وفي هذه الأهزوجة من محافظة ذي قار جنوب العراق، تظهر عبارة "نطلع ما نرضى بأحزاب.. بينا عناد شروكية"، تتحوّل مفردة "شروكية" التي تستخدم في نواحي عديدة من البلاد بشكل عنصري يستهزئ بحياة فئة من الناس في العادة مهمّشة اجتماعيا وثقافياً، إلى مفردة للتفاخر، فالعناد الذي يتسّمون به هو صفة المتظاهرين الذين لن يتنازلوا عن مطالبهم مهما حدث.

 

 

إلى الناصرية، كانت هذه الأهزوجة خلال تشييع جثمان الناشط حسين علي العصمي، تؤكد على أن القتل لن يثنيهم عن الاستمرار في التظاهر والاحتجاج.

تقول الأهزوجة  "نستشهد بس ما نستسلم كحلة بكل عين الدخان (لا نهتم بدخان القنابل كأنه كحل لعيوننا) والحبوبي (ساحة الحبوبي) يهوس (يحمّسنا) بينه ولدج (أبناؤك) ذي قار الشجعان" 

 

ومنذ أول أيام التظاهرات، والعراقيون في الساحات يؤكدّون على توأمي السّلمية والوحدة الوطنية، خصوصاً بين أتباع المذهبين السّني والشيعي، وهذه الأهزوجة مثال على هذا الطرح، ويظهر فيها المهوال أو "الهتّيف" أو "القوّال" كما يحلو تسميته في بعض الدول العربية، يُرفق كلماته بأداء ظريف لا يخلو من الطرافة، ويردّد المتظاهرون العبارة نفسها بين كل مقطع وآخر يهزج به، وهي "يا حنّونة" والمقصود بها النائبة الدكتورة حنان الفتلاوي.

 

ومن ذي قار أيضاً، هذه الأهزوجة، حيث نلاحظ مرافقة "الدستات" للأهازيج، حيث هذا التقليد في المواكب الحسينية، بحيث تردد كل مجموعة ما هو مكتبو على لافتة كبيرة يحملها شخص في مقدمة المجموعة.

ويلخّص عبرها المتظاهرون صفات القائد (رئيس الحكومة) الذي يأملونه، ومجدداً تكون إيران والغرب، حيث لا يريدونه تابعاً لهما، ومنها نقتبس "منريد قائد جعفري.. تاليها يطلع سرسري.. قائد شريف ومو مهم عدنا الديانات.. منريد الِيذل للغرب ويبيع الأوطان.. منريد الِيْجَوع الشعب ويشبّع إيران".

 

ومن أحدث الأهازيج التي تتعرّض لمرشحّي الأحزاب في البرلمان لمنصب رئيس الوزراء، وقيلت في ساحة التحرير، الآتية، ومنها نقتبس "دم الـ وكع في التحرير الكتلة الأكبر" و "احنا نشكّل دولتنا هذا الوطن مالتنا (لنا)" في إشارة إلى ضروة أن يمثل رئيس الحكومة الجديد العراقيين الذين ضحّوا بدمائهم من أجل التغيير.

 

ومن رفض التدخّل الخارجي والتغني بالوحدة الوطنية والسلمية والمطالب الشعبية بالحكومة والنظام الجديد الموازي للتغيير، ظهرت العديد من الأهازيج التي تتغنّى بمشاركة المرأة العراقية، علماً بأن الهوسات لم ترد على ألسنة الرجال فقط، إذ رأينا النساء مسنّات وشابات وطالبات في المدارس يصدحن بها في السّاحات. 

ومن هذه الأهازيج كانت الأولى التي تصدّرت وتم ترديدها على نطاق واسع "اليوم الكذلة (القذلة) تسولف،، خلي عكالك (عقالك الرأس) للدكات"ومعناه أن النساء اليوم هنّ القائدات، أما الرجال الذين لم يخرجوا فليدعوا عقال الرأس (رمز رجولتهم وانتمائهم العشائري) للتنبيه بالثأر (المتعارف عليه في المسائل العشائرية).

وأصبحت هذه الأهزوجة مطلع أهزوجة أطول للمنشد أحمد الشمري.

 

 

 

ومن الأهازيج الأخرى نذكر "نظراتچ تنبض سلمية.. كل متظاهر شاف عيونچ.. حتماً يؤمن بالحرية.. نص الدنيا وأم  وقائد كملتي الموقف يَ بنية"، وهي تتغنذى بالشابات المشاركات في التظاهرات، خصوصاً أن هذه المشاركة الواسعة لهن استثنائية مقارنة بسنوات فائتة.

 

 

وإذ تستمر الاحتجاجات، لا مناص من أهازيج جديدة مواكبة، سنشهدها لاحقاً، وتصبح وثيقة تاريخية للجيل القادم، وهذه الأهزوجة الأخيرة من التغنيّات بالنساء أيضاً، قد لا تكون ختام هذا الوعي المتنامي بين الجنسين، بأهمية الشراكة معاً من أجل التغيير، لكنها قد تكون المقدمة "اللي يكول صوتج عورة.. صوتج مفتاح للثورة".

 

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

تحرش ومحاولة اغتصاب في العراق
لتحرش الجنسي، هو أي سلوك ذي طبيعة جنسية غير مرحب به وقد يتسبب بالإساءة أو الإهانة للآخرين- تعبيرية

يعرّف التحرش الجنسي بأنه "أي سلوك ذي طبيعة جنسية غير مرحب به، وقد يتسبب بالإساءة أو الإهانة للآخرين"، ومن الممكن أن يتخذ التحرش الجنسي صيغاً متعددةً من النظرات إلى الكلام والاتصال الجسدي ذي الطبيعة الجنسية.

ويعدّ التحرش أحد أبرز الجرائم المتكررة في كثير من الدول العربية خلال السنوات الماضية. فما نسب التحرش الجنسي في الدول العربية؟ وما المواد القانونية التي تعمل على الحد منه؟

 

مصر

عانت المصريات كثيراً من ظاهرة التحرش الجنسي، للدرجة التي حدت ببعض التقارير لوصف القاهرة بأنها من "أكثر مدن العالم خطورة على النساء".

ونصت المادة 306 من قانون العقوبات على معاقبة المتحرش بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه.

استمر العمل بهذه المادة لعقود عدة، حتى علت أصوات تطالب بتغييرها، تزامناً مع التزايد المطرد لحالات التحرش، ورصد وتوثيق العديد من حالات التحرش الجماعي التي ارتبطت بالاحتفالات الدينية أو الاستحقاقات الانتخابية.

تسببت تلك الأحداث في توجيه الانتقادات المتكررة للحكومة المصرية من قِبل منظمات حقوقية.

على سبيل المثال في 2014، طالبت "هيومن رايتس ووتش" السلطات المصرية بالتحرك سريعاً لمكافحة جميع أشكال العنف والتحرش ضد النساء المصريات.

وفي 2018، أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً انتقدت فيه "تقاعس الحكومة المصرية عن معالجة ظاهرة التحرش الجنسي"، مطالبة بالإسراع للإفراج عن جميع الناشطين الحقوقيين الذين قُبض عليهم بسبب توجيههم الانتقاد للنظام المصري لعجزه عن حل هذه المشكلة.

وظهرت أيضا مبادرات نسوية رافضة للتكتم على جرائم التحرش، من أهمها حملة "اتكلموا" (نوفمبر 2018)، التي هدفت إلى التوعية ضد التحرش الجنسي في المواصلات العامة.

وفي يوليو 2020، لجأت آلاف المصريات للفضاء الإلكتروني للكشف عن حالات التحرش التي وقعن ضحايا لها من قبل، باستخدام هاشتاغ #اسمع_صوت_المصريات و #حق_المصريات_فين.

وبعد عام واحد، تمت الاستجابة للمطالبات السابقة، حيث أقر البرلمان المصري تعديلاً تشريعياً شدد من خلاله عقوبة التحرش الجنسي بالنساء.

بموجب هذا التعديل، تحول التحرش الجنسي من جنحة إلى جناية، وأصبح الحد الأدنى للعقوبة الحبس خمس سنوات.

ونص التعديل الجديد كذلك على أن تكون عقوبة التحرش الجنسي الحبس سبع سنوات بحد أدنى في حال اقترن التحرش بحمل سلاح أو إذا كان المتحرش يملك أي سلطة وظيفية أو غيرها على المرأة.

محكمة مصرية تحكم بالسجن ثلاث سنوات على شاب أُدين بالتحرش الجنسي
قضت محكمة مصرية الثلاثاء بحبس الشاب المصري أحمد بسام زكي لمدة ثلاث سنوات، لإدانته بالتحرش جنسيا بفتاتين عبر وسائل الاتصال، حسب ما صرح مسؤول قضائي.

وقال المسؤول لوكالة الصحافة الفرنسية "قضت محكمة القاهرة الاقتصادية اليوم (الثلاثاء) بمعاقبة المتهم أحمد بسام زكي بالحبس لمدة 3 سنوات، لإدانته بالتحرش جنسيا بفتاتين، هاتفيا، عن طريق إرسال صور جنسية

 

العراق

لا توجد إحصائيات دقيقة عن أرقام جرائم التحرش الجنسي في العراق، بينما أفادت تقارير عدة بتعرض الكثير من الفتيات له في أماكن العمل.

وفي إحدى الدراسات، تبين أن أكثر من نصف الصحافيات في العراق عانين من التحرش الجنسي داخل المؤسسات الإعلامية.

قانونياً، لم ترد لفظة "التحرش" في قانون العقوبات العراقي، ويتعامل القضاء مع التحرش تحت عنوان "الجرائم المخلّة بالحياء".

وتنص المادة رقم 400 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المُعدل أن "من ارتكب مع شخص، ذكراً أو انثى، فعلاً مخلاً بالحياء بغير رضاه أو رضاها يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مئة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين".

في السنوات السابقة، تم تصوير بعض الحالات التي وثقت جرائم التحرش الجنسي في أماكن مختلفة من العراق، من أشهرها ما وقع في أبريل 2023، عندما تناقلت منصات التواصل الاجتماعي العراقي فيديو لحادثة تحرش تعرضت لها سيدة عراقية في البصرة خلال شهر رمضان، وظهر فيه رجل يستقل دراجة نارية وهو يتحرش بامرأة على حين غرة، عند مروره بجانبها. 

 

سوريا

احتلت سوريا المرتبة قبل الأخيرة في الإصدار الثالث من مؤشر "المرأة والسلام والأمن العالمي" الصادر عن معهد "جورج تاون للمرأة والسلام والأمن" الأميركي، ما يشي بتزايد معدلات الجرائم المرتبطة بالتحرش الجنسي والعنف ضد النساء.

توجد بعض القوانين التي عملت على مكافحة العنف الجنسي بشكل عام. على سبيل المثال حددت المادة 505 من قانون العقوبات السوري عقوبة السجن لمدة تصل إلى سنة ونصف "إذا تم مداعبة أو ملامسة أو توجيه عبارات أو أية أفعال منافية للحياء لقاصر دون الخامسة عشرة من العمر".

ونصت المادة 506 على عقوبة "الحبس التكديري لمدة ثلاثة أيام أو بغرامة لا تزيد عن 75 ليرة أو بالعقوبتين معاً"، لكل مَن "عرض على قاصر لم يتم الخامسة عشرة من عمره أو على فتاة أو على امرأة لهما من العمر أكثر من خمس عشرة سنة عملاً منافية للحياء أو وجه إلى أحدهم كلاماً مخلاً بالحشمة". 

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد العنف في المجتمع السوري بالتزامن مع أحداث الحرب الأهلية، تزايدت معدلات التحرش الجنسي في مناطق النزاع بين قوات النظام وفصائل المعارضة. وأشار تقرير "فقدت كرامتي" عام 2018، الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا، إلى أن القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها ارتكبت العديد من جرائم التحرش الجنسي ضد النساء والفتيات والرجال أحياناً أثناء عمليات مداهمة المنازل لإلقاء القبض على المحتجين والمعارضين.

من جهة أخرى، رصدت بعض التقارير الصحافية وقوع العديد من حالات التحرش الجنسي في الأوساط الجامعية السورية، كما حصل عام 2016، حين نشرت مجموعة من الطالبات رسائل "واتساب" من أستاذ جامعي يهدد بها طالبات بالفصل من الكلية أو الرسوب في مادته إن لم يستجبن لتلبية طلباته الجنسية.

وفي أغسطس 2021، انتشرت فضيحة مصوّرة لدكتور في جامعة "تشرين"، ظهر فيها عارياً وهو يتلفظ بألفاظ خادشة للحياء مع إحدى الطالبات، مقابل مساعدتها في النجاح بالمقرر الذي يدرّسه في الجامعة.

تونس

في 2019 كشفت وزارة التربية التونسية عن نتيجة بحث ميداني استمر ستة أشهر لكشف حالات التحرش الجنسي بالتلاميذ، عن وجود 87 حالة شبهة تحرش بمختلف أنواعها في كافة المستويات الدراسية.

على الصعيد القانوني، ينص الفصل (226) من المجلة الجزائية التونسية على معاقبة مرتكب التحرش الجنسي "بالسجن لمدة عامين وبخطية قدرها خمسة آلاف دينار"، ويكون العقاب مضاعفاً إذا كانت الضحية طفلاً، أو إذا كان الفاعل من أصول أو فروع الضحية.

لا تُفعل تلك القوانين على الوجه الأمثل، خصوصاً أن الأغلبية الغالبة من ضحايا التحرش لا تقوم بالإبلاغ عن الانتهاكات اللاتي تتعرض لها بشكل رسمي.

في 2019، وقعت واحدة من أشهر حوادث التحرش الجنسي في تونس، عندما قام أحد النواب البرلمانيين بالتحرش بفتاة قاصر أمام أحد المعاهد الثانوية، وتمسك النائب وقتها بحصانته رافضاً الملاحقة القضائية، ما أشعل غضب الشارع التونسي.

من جهة أخرى سارعت العديد من المؤسسات الحقوقية التونسية إلى إصدار بيان دعت فيه "الأمن والقضاء إلى التعامل الجدي والموضوعي مع قضايا التحرش والعنف الجنسي المسلطين على النساء"، كما دعا البيان، البرلمان "إلى التعامل جدياً مع مطالب رفع الحصانة خاصة في قضايا العنف الجنسي".

استجابت مؤسسات الدولة لتلك المطالبات، وحُكم على النائب المُدان بالسجن لمدة سنة مع النفاذ العاجل.

وفي مايو 2020، تسبب التحرش الجنسي في إثارة الجدل مرة أخرى حين ادّعت إعلامية مشهورة أن سليم شيبوب، صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي كان يتحرش بها برسائل على "واتساب".

العراق بينها.. قوانين دول عربية تعاقب على التحرش الجنسي في أماكن العمل
في 8 مارس من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للمرأة، في وقت لم تحقق أي دولة هدف المساواة بين الجنسين، بحسب بيان الأمم المتحدة، اليوم الإثنين.

واعتبرت الأمم المتحدة في بيانها أن هذا التاريخ هو مناسبة للدعوة إلى

 

لبنان

أقرّ البرلمان اللبناني في ديسمبر 2020 "قانون تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه". بحسب القانون يُعاقب المُتحرش بالسجن حتى عام وبغرامة تصل إلى عشرة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور.

كما وفر الحماية للضحايا من الثأر عبر المس براتبهنّ أو ترقيتهنّ، أو نقلهنّ أو فصلهن من العمل بشكل تعسفي، ونص القانون أيضاً، على وجوب اتخاذ خطوات لحماية الضحية والشهود خلال التحقيقات والمقاضاة.

رغم كل ذلك، لم يلق القانون الترحيب الكافي من قِبل المؤسسات الحقوقية المعنية. ذكرت  "هيومن رايتس ووتش" أنّ القانون لا يستوفي المعايير الدولية، كونه يكتفي بتناول التحرّش الجنسي كجريمة، ويتجاهل التدابير الوقائية، وإصلاحات قانون العمل، والرصد، وسبل الانتصاف المدني.

لم يفلح القانون في حل الأزمة القائمة، حيث أشارت العديد من الجهات إلى أن ظاهرة التحرش الجنسي لا تزال منتشرة في المجتمع اللبناني.

في ديسمبر الماضي، ذكرت "اليونسيف" أن "كل النساء في لبنان تقريباً تعرضن للتحرش الجنسي في حياتهن"، مبينةً أن هذا النوع من العنف القائم على النوع الاجتماعي أصبح "أمراً عادياً في الأماكن العامة وعبر الإنترنت، وفي الأسواق والمواصلات".