صورة أرشيفية
تزيد احتمالات الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص الذين يجلسون أكثر من 6 ساعات يومياً دون تمارين

مدّة الحجر الصحي في بعض الدول تجاوزت الشهر.

وفي مواقع التواصل الاجتماعي نرى العديد من النشطاء ينشرون صوراً أو فيديوهات يومية لأنفسهم أثناء ممارسة الرياضة، في الوقت الذي يسخر آخرون من ذواتهم، مبدين تخوّفهم من زيادة الوزن الحاصلة أو المحتملة.

لكن هل زيادة الوزن، هي أهم عامل قد يدفعك للحركة داخل بيتك، مهما كانت مساحته صغيرة؟

ماذا يحدث عند توقفنا عن الحركة؟

من المهم فهم الحركة من منظور كل شخص لنفسه، إذ يأتي البقاء داخل المنزل فترات طويلة، بعد الاعتياد على الخروج والمشي يومياً أو الذهاب إلى النادي الرياضي، أو حتى ممارسة أعمال بيتية مثل البستنة والتنظيف وغيرها.

لكن لسبب ما، قد يُضطر الفرد إلى التوقف عن مزاولة الأعمال المذكورة جميعها أو غيرها،  وهنا يبدأ الجسم ببعث رسالات الإنذار.

حسب مجلة "بزنيس إنسايدر" الأميركية، هذه هي تبعات التوقف عن ممارسة التمارين الرياضية:

1- في الأسبوع الأول: تخسر لياقتك مباشرة، وتخسر 5% من "VO2 max" وهو الحد الأقصى من الأوكسجين الذي يمكن للشخص استخدامه أثناء التمرين المكثف، مثلاً إن كنت تقوم بالركض مسافة 5 كم مدة 20 دقيقة، ستحتاج بعد أسبوع من التوقف لـ10 ثوان إضافية.

2- الأسبوع الثاني والثالث: الآن أنت خسرت 12% من الأوكسجين المذكور أعلاه. وانخفضت قوة عضلاتك وأنسجتك. الخلايا العضلية تتضاءل والدهنية تكبر. وبهذا يزداد الوقت اللازم لإتمامك الركض 5 كم  60 ثانية.

3- الأسبوع الرابع حتى السّابع: ازدياد معدّل نقص الأكسجين لـ15%، والخلايا العضلية أصبحت أصغر من قبل. وقد تشعر بنمو خلاياك الدهنية. تحتاج الآن ثلاث دقائق إضافية لإتمام الـ5كم.

4- بعد شهرين: تخسر 26% من الأوكسجين، وهنا قد تصاب بالاكتئاب بسبب عدد الدقائق الإضافية التي أصبحت بحاجتها لإتمام ركض الـ5كم.

 وحسب المقال، فإن استمرار التوقف عن ممارسة أي تمرين رياضي، قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع نسبة الدهون في الدم، والاكتئاب، وبعض أمراض القلب والأوعية الدموية والسُّمنة، بالإضافة للاكتئاب وقلّة الثقة بالنفس.

وحسب المركز الأميركي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، يُنصح الفرد البالغ بممارسة نشاطين بدنيين أسبوعياً، لتقوية العضلات وتحسين دوران الأوكسجين عبر الدم (الركض، أو السباحة، أو ركوب الدراجات)، أما الوقت لهذه التمارين، فيُفضل ألا يقل عن 150 دقيقة أسبوعياً.

وفي العام الماضي 2019، نشرت جامعة سيدني الأسترالية، نتائج دراسة،  استغرقت تسعة أعوام لإتمامها، بعيّنة من 150 ألف شخص تزيد أعمارهم على 45 عاماً.

أفادت أن "الأشخاص غير النشيطين جسدياً إذا جلسوا لأكثر من ثماني ساعات في اليوم، كانوا أكثر عرضة للوفاة بنسبة 107%  مقارنة بمَن يمارسون نشاطاً بدنيا لمدة ساعة واحدة على الأقل يومياً وجلسوا أقل من أربع ساعات".

"وتزيد احتمالات الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص الذين يجلسون أكثر من 6 ساعات يومياً دون تمارين"، وفق الدراسة.

ولا يقتصر الأمر على أمراض القلب فقط، حسب الدراسة، حيث ارتبط ارتفاع مدة الجلوس بمشاكل صحية أخرى، مثل السرطان، بالإضافة لما ذكره المركز الأميركي أعلاه (السّمنة والاكتئاب)

كما أشارت الدراسة إلى أن ممارسة تمارين معتدلة (20 إلى 40) دقيقة يومياً، مثل المشي أو صعود الدرج، تقلل بشكل كبير المخاطر الصحية لدى الجالسين لفترات طويلة.

كيف نتحرك في بيوتنا محدودة المساحة؟ لا يملك الجميع مساحة كافية للمشي أو الجري داخل بيوتهم، كما لا يملك الجميع أجهزة رياضية يحافظون عبرها على معدّل حركة منتظم لأجسادهم، أو أخرى لازمة للأنشطة العضلية. 

منذ بداية الأزمة، وحتى قبلها كنّا نرى طرقاً عديدة لإجراء التمارين المنزلية دون الحاجة لكل ذلك. حان الوقت لأخذها على محمل الجد. 

 

أنواع التمارين

نور القيسي (36 عاماً) عراقية مقيمة في السويد، تنشر بعض يومياتها الرياضية من الحجر المنزلي في "فيسبوك"، حيث بدأته منذ 22 يوماً تقريباً.

تقول لـ"ارفع صوتك": "أغلب التمارين التي أمارسها داخل المنزل هي ما كنت أقوم به مع مجموعات في النادي الرياضي قبل الحجر، وإذا وجدت صعوبة في أحدها، أمنحه التركيز، وجميعها لا تحتاج أدوات (مثل سكوات وبيربي والضغط)".

 

وقبل بدء حظر التجوّل في فلسطين، كانت رغد صرصور (24 عاماً) بدأت حجرها المنزلي، لتتجاوز مدة مكوثها فيه 40 يوماً.

تقول رغد وهي أم لطفلين "في البيت أمارس تمارين الكارديو والزومبا وسكوات، وجميعها لا تتطلب وجود أدوات".

عواطف مصطفى (30 عاماً) من فلسطين أيضاً، في الحجر المنزلي منذ 18 يوماً،  استجابة لخطّة الطوارئ في الضفة الغربية،  تقول "كنت أمارس الرياضة قبل حظر التجوّل 3 أو 4 أيام في الأسبوع،  أغلبها تمارين كارديو (مثل المشي والركض) لكن الآن داخل البيت، أستعين بفيديوهات على يوتيوب لإجراء تمارين خفيفة مدة 15-30 دقيقة".

من جهتها، توقفت العراقية هالة (34 عاماً) عن الخروج من بيتها قبل أيام من إعلان حظر التجوّل في المقاطعة التي تسكنها بولاية نورث كارولينا الأميركية، الموافق 26 مارس الماضي.

تقول لـ"ارفع صوتك": "كنت أمارس المشي أو الجري سابقاً، لكنّي اليوم أستعين بتطبيق إلكتروني مجّاني اسمه (تحدّي الـ30 يوماً)، ويضم خيارات لمستويات رياضية عديدة، مصحوبة بتعليق صوتي وفيديو توضيحي، بالإضافة لعداد تقديري للتمارين مرفقاً بحساب خسارة السعرات الحرارية نتيجة القيام بها".

"بسبب طبيعة عملي أون لاين، كان عدد مرات خروجي من البيت قليلاً، لكن مع حظر التجوّل المفروض في العراق، بات الأمر مملاً، لذا قررت تعويض قلّة الحركة بالرياضة" تقول سنار حسن (25 عاماً).

وتستخدم تطبيقاً إلكترونياً لمتابعة التمارين الرياضية مع مدربها، تقول سنار لـ"ارفع صوتك": "أمارس تمارين متنوعة مثل القفز مع الحبل، والسكوات والتمارين الخاصه بالحفاظ على مرونة الجسم، وبسبب جلوسي لساعات طويلة أمام الكمبيوتر، أمارس  الرياضه لتجنب مضاعفات قلة الحركة مثل أمراض العمود الفقري".

الفلسطينية ترنيم صغيّر (31 عاماً) دخلت الحجر المنزلي في الرابع من مارس الماضي ومستمرة حتى اليوم، بشكل طوعي، علماً أن السعودية، وهي مكان إقامتها، أعلنت حظر التجوّل المشدد منذ أيام قليلة فقط.

تقول ترنيم لـ"ارفع صوتك": "دائماً أفضل المشي على أي رياضة أخرى لأنها ممتعة، وكنت سابقا أخرج للمشي بين ثلاث وأربع مرات أسبوعياً (ساعة أو ساعة ونصف)، لكنّي لم أبدأ ممارسة الرياضة المنزلية إلا بعد مرور أسبوعين من الحجر".

مشت في البيت، تقول ترنيم "في 17 مارس الماضي، بدأت المشي بمعدل 8000 خطوة يومياً، مرة واحدة أو على دفعات".

تضيف "ما حفّزني فعلياً هو أنني شعرت بتناقص طاقتي مع قلة الحركة، حيث سيطر الكسل علي، بالتالي تراكم الأعمال وزيادة التعب، خصوصا مع زيادة استهلاك الطعام بغرض التسلية".

 

الرياضة.. في حضورها وغيابها!

بسبب طبيعة عملها المكتبي، قبل الدخول في الحجر المنزلي منذ شهر تقريباً، كانت خلود الحاج أحمد من فلسطين، تقوم بتمارين بسيطة بعد نوم طفلها، لكن الأمر اختلف اليوم.

تقول خلود (33 عاماً) "أقضي النهار في اللعب مع طفلي أو الركض خلفه، وفي الليل أكون متعبة لا أستطيع ممارسة أي رياضة"

وتلاحظ أثر عدم ممارسة الرياضة بانتظام، تقول خلود "الأثر سلبي، مثل زيادة الوزن، وعُسر الهضم، وضعف النشاط العام للجسم، وفقدان الليونة".

لكن مع ممارسة الرياضة البيتية مثل الزومبا، نفسياً أشعر بتحسّن، وأرتاح بسب الشعور بالخفّة والحركة السريعة" توضح خلود لـ"ارفع صوتك".

وللرياضة التي تمارسها عواطف أثر إيجابي حسبما تقول، مضيفةً "أشعر براحة جسدية إذ خففت آلام الظهر بسبب الساعات المكتبية الطويلة التي كنت أقضيها في العمل".

وعلى المستوى النفسي، تقول عواطف "أشعر  بإلانجاز ما يجلب لي الراحة النفسية، ويزيد تقديري لذاتي من خلال منحها الوقت لممارسة رياضات تعزز الطاقة الإيجابية مثل اليوغا".

في هذا السياق، تؤكد سنار أن الرياضه "ضروره لتقليل التوتر الناتج عن الخوف جرّاء متابعة أخبار الإصابات والوفيات بفيروس كورونا، بالإضافة للتخلّص من الطاقة السلبية".

وهو ما توافقها فيه ترنيم ورغد.

تقول ترنيم "الحالة المزاجية تحسنت، ونومي تحسّن، كما أن شعوري بالذنب تجاه نفسي تلاشى".

"كما أشعر بالسعادة والنشاط بعد أن كنت أحس بإرهاق شديد قبل المواظبة على التمرينات"، تضيف رغد.

وتؤكد نور على نفس الآثار، مضيفةً "وساعدتني الرياضة في التحكّم بشهيتي تجاه الأكل".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.