المرأة

نائلة أول سائقة سيارة أجرة مخصصة للنساء في غزة

19 نوفمبر 2020

تطمح نائلة أبو جبة (39 عاما)، أول سائقة سيارة أجرة نسائية في قطاع غزة، إلى أن يكون لديها مكتب يضم أكثر من سيارة تتولى قيادتها إناث، ويختص بنقل النساء حصراً في كل أنحاء قطاع غزة.

ومع أن فكرة سائقة سيارة أجرة في هذا القطاع المحاصر ذي الصبغة المحافظة تبدو غريبة بالنسبة إلى كُثُر، إلا أن مشروع تأسيس مكتب لسيارات الأجرة كان يراود نائلة منذ زمن، مع أنها في الأساس مدرّبة تنمية بشرية، وتحمل شهادة بكالوريوس خدمة اجتماعية.

تقول نائلة لوكالة الصحافة الفرنسية "أنا أفكر بالموضوع منذ زمن بعيد" كان والدي - عليه الرحمة - يتكفل بكل أموري، لم أستطع الحصول على عمل، وزاد الطين بلّة وضع فيروس كورونا الذي أغلق الأبواب أمام الناس، وبات عليّ أن أعيل نفسي وأولادي".

وتدير نائلة التي اشترت سيارة بما تركه لها والدها من مال بعد وفاته، مكتبها عبر الانترنت من بيتها في حي النصر بشمال غزة، فيما تواصل الاهتمام بأولادها الخمسة، وهم أربعة صبيان وبنت.

أول من فاتحته نائلة بمشروعها صديقتها التي تعمل مصففة شعر.

وتروي "قلت لها إنني أفكر بفتح مكتب سيارات أجرة مخصصة لنقل النساء حرصا على راحتهن وخصوصا أثناء الأعراس، وحفاظاً على خصوصيتهن، إذ قد يشعرن بالإحراج إذا كان السائق رجلاً".

لكنّ صديقتها وصفت الفكرة بأنها "ضرب من الجنون"، ونبّهتها إلى أن "المجتمع قد لا يتقبل الفكرة" التي رأت أنها تحتاج إلى "جرأة".

ويسمح للنساء بقيادة السيارات في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس الإسلامية، لكن مهنة قيادة سيارة أجرة حكر على الرجال حتى الآن.

وتوضح أبو جبة أنها فكّرت كثيراً "بإيجابيات هذا النوع من العمل وسلبياته".

وتضيف "توصّلت إلى اقتناع بأن ليس في الأمر ما يعيب أو ما هو حرام ما دمت أعمل في مجال نقل النساء فقط. وعلى هذا الأساس اتخذت قراري وبدأت العمل".

إقبال

وتؤكد نائلة أن أحداً لم يعترض على العمل الذي انطلقت فيه قبل شهر، بل لاحظت أن "ثمة إقبالاً من النساء" اللواتي يشجعنها من خلال التفاعل الإيجابي والتعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول في هذا الصدد "95% من تعليقات النساء تعبّر عن دعمهنّ لي في هذا العمل".
ولا تطرح نائلة نفسها منافِسة لسائقي سيارات الأجرة الرجال، إذ تذكّر بأنها تعمل من بيتها عبر الإنترنت.

وتضيف "لا أدور في الشوارع"، مشيرة الى أن "الفكرة تتمثل في توصيل النساء وأولادهنّ من الأعراس الى منازلهم، أو من عند مصففة الشعر أو الأماكن الأخرى التي ترتادها النساء عادة".
وفيما تتنوع أعمار زبونات نائلة، فهي ترفض نقل المرأة إذا كانت بصحبة زوجها.

وتقول "النساء في غزة لا يشعرن بالحرج عندما تكون السائقة امرأة، إذ يوفّر لهنّ هذا الأمر الراحة والطمأنينة".

وشجعت نائلة النساء "القادرات على مثل هذا العمل" على الانضمام اليها.

ورغم أن مدخولها لا يزال شحيحا، لكنها" متفائلة" كون عملها بدأ منذ شهر فحسب. وقد انضمت اليها بالفعل سائقة أخرى.

وتقول آية سليم (27 عاما)، إحدى زبونات نائلة، "نحن في غزة مجتمع محافظ، وعندما تتولى امرأة قيادة السيارة، أشعر بحرية، وأرتاح سواء من حيث الملابس أو طريقة الجلوس".

وترى أن الفكرة "رائدة ومبادرة جيدة".

وتنصح النساء، وخصوصا تلميذات الصفوف الثانوية، بأن "يتنقلن بسيارة تقودها امرأة، سواء للذهاب إلى حفلات أعياد الميلاد أو الأفراح أو سواها من المناسبات".

وتتمنى هبة سليم "أن تتطور الفكرة إلى مكتب لسيارات التاكسي بإدارة نسائية".
وأطلقت أبو جبة على مكتبها اسم تاكسي "المختارة" بعدما اكتسبت هذا اللقب منذ خمس سنوات في حيها وبين معارفها، لأنها كانت تتطوع "لحلّ المشاكل وإصلاح ذات البين"، حسب قولها.

مواضيع ذات صلة:

طفل وأبيه يتلقون العلاج بعد تعرض منطقتهم إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا
طفل وأبوه يتلقيان العلاج بعد تعرض منطقتهما إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا

قبل 11 عاماً، بالتحديد يوم 21 أغسطس 2013، نام سكّان بلداتٍ في غوطة دمشق على وقع قصف مدفعي وصاروخي اعتادوا على معايشته خلال شهور بعد خروج مناطقهم من سيطرة النظام السوري.

غير أن هذه الليلة لم تكن اعتياديةً كما في كل يوم، إذا كانت القذائف تُسبّب انفجاراتٍ وحرائق معروفة في المنطقة، بينما خرج السكان في مدن الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الغوطة الغربية، وهم يتنفّسون بصعوبة بالغة، لأن الهجوم هذه المرّة كان بالأسلحة الكيماوية.

كانت حصيلة 4 هجمات متزامنة، مقتل 1144 شخصا اختناقاً، منهم 1119 مدنياً بينهم 99 طفلا و194 سيدة، أما الذين قتلوا في صفوف مسلحي المعارضة، فكانوا 25.

تسببت الهجمات أيضاً بإصابة 5935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ورغم أن الولايات المتحدة قادت آنذاك جهوداً لمحاسبة النظام السوري على استخدام غاز السارين ضد المدنيين، وتخطّيه "الخطوط الحمراء" في النزاع، إلا أن الملف انتهى بإجبار بشار الأسد على تفكيك مخزونه من السلاح الكيماوي، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2118، الذي ينصّ على عدم تطوير أو تخزين أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية من أي طرف في سوريا، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وثقت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية تسع مرات بعد حادثة الغوطة، إحداها هجوم وقع في الغوطة الشرقية نفسها في 7 أبريل 2018.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: النظام السوري مسؤول عن هجوم الكلور في دوما
أثبت تحقيق أجرته هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية العالمية أن هناك "أسبابا معقولة للاعتقاد" أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري أسقطت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور على مدينة دوما في أبريل 2018، ما أسفر عن مقتل 43 شخصا.

خطوات للمحاسبة

وفي ظل ما يعتبره الناجون من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق "إفلاتاً من العقاب" بالنسبة لمحاسبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيماوية، بموجب حماية روسيا له داخل أروقة مجلس الأمن ومنع وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، نتيجة الفيتو الروسي- الصيني، سعت منظمات حقوقية سورية إلى سلوك طرق بديلة في سبيل الحصول على حقوق الضحايا والناجين.

في عام 2020، تقدّمت كل من "مبادرة العدالة" و"مبادرة الأرشيف السوري" بالإضافة لـ"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، بشكوى جنائية أمام الادّعاء العام الألماني ضد مسؤولين سوريين بينهم بشار الأسد، حول استخدام الأسلحة الكيماوية في عدة مناطق سورية، بينها الغوطة الشرقية.

كما تقدّمت المنظمات الثلاث عام 2021 بالدعوى نفسها أمام القضاء الفرنسي، مع إرفاقها بشهادات عدد من الناجين من هجمات السارين في الغوطة، وفي العام نفسه قدمت المنظمات ذاتها شكوى في السويد، لمحاسبة مسؤولين سوريين على استخدام غاز السارين في هجومين، الأول على الغوطة الشرقية عام 2013، والثاني على خان شيخون بريف إدلب عام 2017.

قادت التحقيقات في فرنسا إلى إصدار محكمة في باريس أربع مذكرات توقيف في نوفمبر 2023، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، بشأن الهجمات الكيميائية القاتلة في الغوطة عام 2013، واستهدفت كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه المسؤول عن الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وضابطين برتبة عميد، هما غسان عباس مدير الفرع "450" التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، وبسام الحسن الذي يعمل كضابط اتصال بين القصر الرئاسي السوري ومركز البحوث العلمية.

في يونيو الماضي، صدّق القضاء الفرنسي على مذكرة التوقيف نفسها، فيما يُعد هذا الحكم أبرز جهد في طريق محاسبة النظام السوري على شنّ هجمات كيماوية، رغم مطالبة مكتب المدّعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، بإلغاء مذكرة التوقيف ضد الأسد، بسبب الحصانة الشخصية للرؤساء أثناء وجودهم في السلطة.

من جهتها، أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كلاً من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بتطبيق البند السابع من الميثاق الأممي وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية ضد النظام السوري "كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأُسر الضحايا"، مع التشديد على ضرورة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة جميع المتورّطين.

" خيبة أمل كبيرة"

على حسابها الرسمي في فيسبوك، أصدرت "رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية" (أُنشئت عام 2021 من مجموعة من ذوي الضحايا والناجين)، عدّة  دعوات لتنفيذ وقفات وفعاليات في الداخل السوري وتركيا وأوروبا، تطالب بمحاسبة القيادات الأمنية والعسكرية لدى النظام السوري، جراء مجمل الهجمات الكيماوية، وعلى رأسها هجوم الغوطة الشرقية 2013، تحت شعار "معا لأجل حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب".

عقد و نيّف...

Posted by ‎رابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية Association of Victims of Chemical Weapons‎ on Sunday, August 18, 2024

 

ورغم مرور 11 عاماً على المجزرة التي يعدها السوريون "الأكبر" خلال فترة الحرب، لا يزال ناجون وذوو ضحايا قضوا فيها، يعبّرون عن عدم تجاوزهم آثارها القاسية.

من بينهم وديان طرابلسي، وهي شاهدة عيان على مجزرة الكيماوي، تقول لموقع "ارفع صوتك" إن الإصابات الجسدية التي لحقت بالمتضرّرين يمكن تجاوزها خلال سنوات "غير أن الآثار النفسية لا تزال حاضرة".

وتعتقد أن المجتمع الدولي "لم يقم بواجباته القانونية والإنسانية تجاه محاسبة الأسد على ارتكاب هذه المجزرة" معبّرةً عن "خيبة أمل كبيرة" من الدول الغربية.      

الحاج زهير دبس، وهو ناج من مجزرة دوما، يقيم حالياً في مدينة عفرين شمال سوريا، يستبعد أن تتم محاسبة الأسد وفق المنظور الحالي، بسبب ما يسمّيه "تبدُّل المزاج الدولي تجاه الملف السوري".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن أسوأ ما حصل في الملف السوري "دمج التوافقات السياسيّة بالجرائم التي تم ارتكابها على مدى 13 عاماً، بالتالي فإن المجرم يمكن أن يعود مُرحّباً به وبريئاً من كل الانتهاكات"، على حدّ تعبيره.

يتابع زهير "بدلاً من محاسبة الأسد، تقوم بعض الدول العربية أو الغربية اليوم بالتطبيع مع القاتل، كأنها تغسل يديه من جميع الجرائم، وتقول للضحايا (حاولوا النسيان)".