لماذا السكوت على العنف النفسي ضد المرأة في العراق؟
لم تتوقع فرح شامل (17 عاما)، عندما فقدت والدها عام 2015 وتحديداً في معارك تحرير الموصل، أن تجد نفسها وأخواتها الثلاث مع والدتها تحت مسؤولية خالها.
بنبرة حزينة تخبرنا فرح عن خالها الذي يتعامل معهن بإذلال، وأحياناً كثيرة ما كان يتحكم باختياراتهن ونمط حياتهن، ويبدي انزعاجه الدائم من ملابسهن التي يصفها بأنها "لا تتماشى مع سمعة عشيرته المحافظة".
تقول فرح لـ "ارفع صوتك" إنهن "اضطررن لتغيير كل شيء اعتدن عليه في حياتهن ليتمكن من إرضاء الخال الذي يبدو أنه كان مصراً ألاّ يرضى" حسب تعبيرها.
وعندما كانت تشعر بالتعب من شدة الضغط الذي يمارسه خالها عليها، تسأل أمها عما يحدث، وعن سبب هذا التعامل المهين، لكنها لا تحصل على جواب.
تضيف فرح "أدركت أخيرا أن سبب تحمل أمي لكل ذلك ناتج عن صعوبة توفير المال للسكن في مكان خاص بنا، وأنه ليس لدينا غير منزل خالي نعيش فيه".
وكنّ جميعهن، الأم والأخوات، تعرضن خلال السنوات الخمس الماضية من السكن في منزل الخال، للكثير من المضايقات، وكانت زوجته وبناته غالباً ما يحاولن استغلالهن للقيام بأعمال منزلية شاقة.
تقول فرح "الشيء الوحيد الذي لم نتوقعه أبدا كان هذا الكم الهائل من الاضطهاد والإذلال".
وتتذكر "ذات مرة تأخرت في النوم ولم أنجز ما كان يفترض عليّ من مهام بوقتها، فتعاملت زوجة خالي وهي تحاول إجباري على إتمام الأعمال المنزلية بعنف، وعندما تدخلت أمي في مسعى لتهدئة الوضع، هددتنا بالطرد".
الطرد من المنزل هو أكبر مخاوف الأم، "فالتهديد الدائم في حال لم نقم بتلبية ما يتم تكليفنا كان أكثر ما يؤلمنا" حسب فرح.
القبول بالعنف
من جهتها، تقول الناشطة الحقوقية نادية عبد، إن الكثير من الفتيات والنساء يتعرضن لمستويات مختلفة من العنف النفسي، حيث يجبرن على تأدية الأعمال المنزلية كافة عن الأهل قبل تزويجهن، كما يتعين عليهن أيضاً أن يبذلن جهداً في خدمة أفراد أسرة الزوج وضيوفهم بعد تزويجهن.
وبخلاف ذلك، تقول عبد لـ "ارفع صوتك"، إنهن "سيتعرضن لمشكلات نفسية كثيرة طوال حياتهن".
وتضيف أن "العنف النفسي من أشكال العنف الأكثر شيوعاً في الأماكن التي تعيش فيها الفتيات والنساء، وفي الشارع ووسائل النقل والمدارس والكليات وأماكن العمل والمستشفيات وغيرها، ولكنه أقل أهمية وتشخيصاً".
كما ترى الناشطة أن الفتيات والنساء اللاتي يتعرضن لمستويات مختلفة من العنف النفسي، يُعانين غالبا من مشكلات تدني المستوى الثقافي واختلافه لأسرهن وأزواجهن.
بيد أن العنف النفسي ضد المرأة، بحسب عبد، يتمثل بشكل أكبر عندما تكون بمستوى ثقافي أعلى من أهلها أو زوجها، إذ ستعاني من عدم التوازن والتحسس منها لأن مواقفهم محافظة وتقليدية حتى يصل الأمر بهم إلى التقليل من شأنها حد استصغارها بالشتم أو الإهانة.
وتتابع القول "عادات المجتمع العراقي وتقاليده عموماً تصادر حق المرأة، مما يجعل من السهل للغاية تعرضها للعنف، فالكثير من المتزوجات مثلاً، وصلن إلى مرحلة القبول بالعنف المفرط ضدهن لأنهن لا يتمكن من إعالة أنفسهن وأولادهن".
المجتمع والقانون
لا توجد إحصائيات رسمية حديثة، تحديداً، عن العنف النفسي الذي تتعرض له العراقيات. فمعظمهن لا يتحدثن عن تعرضهن للتحقير والترهيب والتخويف.
تقول المحامية بتول راضي لـ"ارفع صوتك" إن "المشكلة في الأساس تتعلق بعدم تفعيل العمل بإستراتيجيات مناهضة العنف ضد المرأة التي تمت مصادقة الحكومة العراقية عليها".
وتضيف "كما أن الأوضاع الصعبة من حروب وصراعات سياسية وأزمات اقتصادية مرت بها البلاد بحاجة لتشريعات جديدة يستجيب لها المجتمع لتأمين الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي لحماية المرأة".
ورغم استحداث البرامج الخاصة بالإرشاد النفسي والاجتماعي والقانوني المتمثلة بمكاتب الاستماع وتديرها وتشرف عليها منظمات المجتمع المدني، إلا أنها لا تتسم بالضعف، حسب المحامية راضي.
وتقول "من النادر ألاّ يستهجن المجتمع والقانون المتمثل بالقضاء من العنف النفسي ضد المرأة، كما أنه يتهمها بالمبالغة والتجني على الغير، فضلاً عن وصفها (بالوقحة عديمة الأخلاق) وبأنها تحتاج لتأديب".
