عراقية أيزيدية فرت من تنظيم داعش/ أرشيفية

يحيي العالم في 19 يونيو من كل عام، الموافق السبت، اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع.

وركزت الأمم المتحدة في العام الحالي 2021 على دعم حقوق وتلبية احتياجات جميع ضحايا العنف الجنسي والعمل على منع وإنهاء هذه الجرائم المروعة.

وحسب الأمين العام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فإن الاضطرابات الناجمة عن جائحة كوفيد-19 "زادت من صعوبة محاسبة مرتكبي العنف الجنسي".

وقال: "حتى ونحن في خضم التصدي للجائحة، يجب علينا أن نحقق في كل حالة، وأن نحافظ على تقديم الخدمات الأساسية لكل ضحية".

وأضاف غوتيريش أن التعافي يجب أن يشمل أيضا "معالجة الأسباب الجذرية للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي".

 

التمييز والعقاب

لكن مع الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها عناصر تنظيم داعش، إبان سيطرته عام 2014 على بعض الأراضي العراقية، وحتى بعد طرده واستعادتها، يواجه المجتمع عموماً الكثير من الانتهاكات والخروقات المتعلقة بحقوق الإنسان والخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية والمالية وغيرها من خدمات الدعم الملائمة، ولا سيما للنساء والأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب والعنف الجنسي وغير ذلك من أشكاله. 

تقول الناشطة الحقوقية نادية عبد لـ "ارفع صوتك" إن "تداعيات جرائم العنف الجنسي التي ارتكبها داعش ضد النساء والأطفال، ما زالت مستمرة لغاية الآن، لأن الحكومة لم تعمل بشكل جدي في الحد من تفاقم نتائجها سواء مع ضحايا العنف أو نظرة المجتمع تجاههم".  

ويشير مصطلح العنف الجنسي خلال النزاع حسب قرار مجلس الأمن رقم 1960 (2010) ضمن الأغراض لمدرجة إلى "الاغتصاب والعبودية الجنسية والاكراه على البغاء والحمل القسري والاجهاض القسري والعقم القسري والزواج القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي التي تُرتكب ضد النساء أو الرجال أو الفتيات أو الأولاد والتي تحدث بشكل مباشر خلال النزاع. يشمل المصطلح أيضا الإتجار بالأشخاص عندما يُرتكب الفعل في حالات النزاع لأغراض تتعلق بالعنف أو الاستغلال الجنسي".

وتضيف عبد أن "ضحايا العنف الجنسي في العراق، خاصة النساء، ينبذهن المجتمع لأن سمعتهن الأخلاقية تؤثر على عوائلهن وعشائرهن، حتى عندما يحصلن على الإنصاف ودعم المنظمات الدولية كضحايا داعش، تتعامل معهن عوائلهن ومجتمعهن بعنصرية وتهميش". 

"فالنساء اللواتي تزوجن من عناصر تنظيم داعش، بموافقتهن أو دونها، يتعرضن للعقاب الجماعي استنادا إلى الاشتباه في تعاونهن مع داعش"، تتابع عبد.

وتشير إلى أن التمييز والعقاب الذي يتخذه المجتمع ضد ضحايا العنف لجنسي عموما ليس غريباً أو جديداً، فهو "ثقافة قبلية متأصلة في تركيبة الفرد العراقي الذي ينظر لارتباط سمعة وشرف العشرية بسمعة وشرف المرأة". 

 

المعايير الاجتماعية والعشائرية

في المقابل، ترى المحامية دنيا حيدر، أن المشكلة بالأساس تتعلق بـ"نظام العدالة الجنائية والإجراءات القانونية وكذلك في عدم قدرة الضحايا في الإبلاغ والشكوى عن تعرضه للعنف الجنسي.  

وتقول لـ "ارفع صوتك" إن "ما يحدث في البلاد من تمييز وعقاب مجتمعي لضحايا العنف الجنسي يؤكد عدم استقلال القوانين وحيادتها، لأن تنفيذها تجاه الضحايا من النساء يتفق مع المعايير الاجتماعية والعشائرية فحسب".  

وتؤكد المحامية على "ضرورة إنشاء برامج متخصصة في تدريب القضاة وموظفي تطبيق القانون لحثهم على التحقيق في جرائم العنف الجنسي وحماية الضحايا". 

"كما ليس من المنطق، أن يساند القانون الرجل الذي قتل أخته أو زوجته لأنها تعرضت للاغتصاب أو الاختطاف بحجة سمعة العشير" وفق تعبير حيدر.

ولا يزال قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 يسمح بـ"غسل العار" باعتباره "دفاعا قانونيا عن الجرائم التي يزُعم فيها استخدام العنف ضد المرأة أو فرد آخر من العائلة"، كما أن القانون يسمح للجناة بالزواج من ضحايا الاغتصاب لإلغاء الإدانة الجنائية. 

وتوضح حيدر: "نحن بحاجة إلى تعديل وإلغاء القوانين التي تسمح باستخدام الشرف كوسيلة للتخفيف من جرائم العنف المرتكبة ضد النساء والأطفال وغيرهم من أفراد الأسرة، فضلا عن الأحكام الأخرى التي تعمل بصورة تمييزية ضد النساء والأطفال أو التي تعوق أو تعرقل أو تمنع وصولهم إلى العدالة". 

وينص قانون المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 على أن الشروع في الإجراءات الجنائية الخاصة بعدد من الجرائم هي حق شخصي للضحية (وهذا الأمر محل نقاش في المادة 3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية) لأنه يشير إلى المزاعم الخاصة بالاغتصاب.

بالتالي، ولعدة أسباب عشائرية وقانونية، كما ذكرنا آنفاً، فإن النساء اللواتي يتعرضن للاغتصاب أو لأي اعتداء جنسي آخر، قد يمتنعن عن الشروع في هذه الإجراءات، ما يؤدي لإفلات الجناة من العقاب، واستمرار الاعتداءات.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

على خلفية انتقادها التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعرضت المحامية قمر السامرائي لحملة إهانات و"تسقيط" بشخصها وكرامتها وأنوثتها وسيقت بحقها اتهامات عديدة تقول سامرائي إنها كلها "مفبركة وغير صحيحة والهدف منها النيل من سمعتي وإسكاتي".

الغضب من سامرائي أتى بعد تصريحات تلفزيونية أدلت بها المحامية العراقية في برنامج حواري اتهمت فيها الساعين إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية بأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية فقط عندما يتعلق الأمر بالمرأة وحقوقها، ولا يطبقونها في باقي المسائل. 

وأضافت السامرائي "إذا كان الهدف تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، فلا داعي بعد الآن للمحاكم والقضاء المدني".

الملفت في النقاش حول قضية قانون الأحوال الشخصية، وفي نقاشات أخرى، أن الناشطات يتحولن إلى هدف لـ"التسقيط" الشخصي والإساءة والتنمر، بدل مواجهة الرأي بالرأي المضاد. 

ويتعرض كثير من معارضي مقترح تعديل القانون لاتهامات بـ"الابتعاد عن الدين"، و"التشكيك بالشرف"، أو بأنهم "أبناء السفارات"، كما جرى اتهام الناشطات بأنهن "ممثلات مبتذلات وراقصات".

السامرائي تقول في حديث مع "ارفع صوتك" حول ما تعرضت له "من المؤسف أنهم (تقصد المشرّعين الذين يحاولون تعديل قانون الأحوال الشخصية) يطبقون الدين بما يناسبهم، ويتخذون من الإسلام غطاءً لتحقيق أجنداتهم السياسية".

وتتابع: "ليس لديهم أي حجج للإجابة على الحجة بالحجة، بل هم يكررون سرديات خطيرة من مثل تشريع زواج القاصرات".

وترى السامرائي أن الحملة عليها ليست بسبب اعتراضها على تعديل قانون الأحوال الشخصية، بل يتعدى ذلك إلى موقفها من ملفات أخرى بينها قانون العفو العام.

تثق السامرائي بأن القانون العراقي قادر على حمايتها، مشيرةً إلى أنها ستتقدم بشكاوى قضائية لملاحقة مَن يقف وراء الحسابات الوهمية التي عملت على تشويه سمعتها، وستطالب بتعويضات مالية.

وهي تعتقد أن "الميليشيات الولائية وراء الحملة عليها"، مردفةً "لا أخشى التهديدات بالأذى الجسدي التي وصلتني، لأنني أؤمن أن حياتي بيد الله.. وأفضل أن أموت بطلة لا جبانة" على حد تعبيرها.

في الوقت نفسه، لا تتوقع السامرائي أن تنجح المساعي لإقرار التعديلات المطروحة على قانون الأحوال الشخصية، لأن الاعتراضات عليها كبيرة جداً داخل المجتمع العراقي.

تشرح الناشطة الحقوقية رؤى خلف لـ"ارفع صوتك" آلية عمل المجموعات والحسابات الوهمية المنظمة التي تهاجم الناشطات: "هذه المجموعات تقوم في أحيان كثيرة باقتطاع أجزاء من مقابلات مع الناشطات منزوعة من سياقاتها، ثم توزيعها ونشرها عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم الآلاف من هذه الحسابات بتسقيط الناشطات والتعرض لهنّ بشكل شخصي".

تحكي خلف عن تجربتها الشخصية: "قامت مجموعات مماثلة بنشر مقاطع لي مع تنسيبي، بسبب رأيي، إلى حزب البعث أو أي من المسميات الأخرى المكروهة اجتماعياً". 

وهذا الأمر، كما تقول خلف، تتعرض له معظم الناشطات بسبب آرائهن المتحررة والمعارضة للمنظومة الحاكمة.

"لذلك يجب دعم النساء عندما يتعرضن لهذا النوع من الحملات، لأن الناشطات في هذه الحالات يأخذن على عاتقهن شجاعة قول الحق مع معرفتهن المسبقة بالثمن المترتّب عليه، وإدراكهن لمخاطر الحملات التي سيتعرضن لها مع عائلاتهن بالنتيجة" تتابع خلف.

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

من جهتها، تفنّد الناشطة الحقوقية أنسام البدري لـ"ارفع صوتك" أسباب تعرّض النساء العراقيات المتحررات اللواتي ينادين بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، دائماً لحملات ممنهجة من قبل جهات نافذة وأصحاب أموال، وذلك ببساطة "بسبب وقوفنا في وجه مواقفهم وتصرفاتهم ضد النساء وحقوقهن في بلدنا" بحسب تعبيرها.

تعطي البدري مثالاً على ذلك "محاولتهم الأخيرة تعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي الذي يعتبر من القوانين الرصينة، وأحد المكاسب القليلة للمرأة في العراق، وهو من أفضل القوانين في المنطقة".

وتبيّن: "على خلفية موقفنا من هذه التعديلات تعرضتُ على الصعيد الشخصي لحملات تسقيط شبيهة للتي تعرضت لها المحامية قمر السامرائي، وشاركتْ فيها للأسف إحدى النائبات التابعات لأحد الأحزاب الداعمة للتعديلات على القانون، بسبب معارضتي لتعديل المادة ٥٧ من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بالحضانة".

"هذه الحملات صعبة جداً على الصعيد النفسي وآثارها مدمرة"، تقول البدري، والسبب أنه "يصعب التعامل معها بسهولة خصوصا إذا أتت من حسابات وهمية".

الأمر بالنسبة للنساء في العراق لا ينتهي بانتهاء موجة التشويه و"التسقيط"، إذ يبقى أثرها يلاحقهن. 

تقول البدري "المجتمع محافظ ويرفض التغيير ويواجه أي آراء فيها شحنات من الحرية بالتنمر على أشكال أو ملابس او تبرّج الناشطات والدخول في حياتهن الشخصية، وليس هناك سند أو دعم لهن في مواجهة هذه الحملات".

وتؤكد غياب أي آلية قانونية تحمي حق الناشطات في التعبير عن آرائهن بحرية، وملاحقة من يتعرضون لهنّ عبر هذه الحملات، موضحةً "ليس هناك أي قوانين تحمي المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، لكننا بدأنا التأقلم مع هذا النوع من الحملات، ونتوقع ردود الفعل بعد أي ظهور إعلامي نقوم به في قضايا تتعلق بحرية النساء أو حقوق الإنسان".

في ختام حديثها، تؤكد خلف "هم يريدون بهذه الحملات أن يسكتونا، لكن لن نسمح لهم بذلك".